الأسلوب
الأدبي في كتابات الأستاذ العريان (
الجزء الثاني )
فجـــــــــــريـــّة
"غاية الإنسان ، المحبّة والسّعادة ،
وكلّ الأشياء الأخرى يجب أن تؤدّي إليهما"
عمـــــــر الخيام
عادات
ومورثات ، سمّها ما شئت ، أشياء تكبح العواطف
الإنسانية الجياشة ، وأصفــادُ تكبّل
الفــطرة البشرية . رغم أن الحب وصفة
ضــروريّة ، والآن نحـن في أشــدّ الحاجة
إليه أكــثر من أي وقتٍ مضى ، لتداوي جــراح
أمّــة تجلد بســياط الحــقد ظهــورها
صبـاحًـا مسـاء .
السّنــوات
تتراكم بأرقام زوجيّة مخيفة ، ثلاثون....أربعون...خمسة
وأربعون .. يا إلهي، إنّ العمر يمضي وذكريا
المــاضي تتلاشى شيئا فشيئا ، وفي بعض
الأحيان - من قبل الأصدقاء – أُذكـّـر ببعض
الأسماء الّتي كنت أعــرفها، ولكنّي
غــالبـًا ما أخفق بربط الصّــورة بالاسم ،
تحــوّل ما كان في الماضي وردًا زاهـرًا
يحـيـط بضفــاف نهــر ذكرياتي الجميلة ، إلى
أشــواكٍ في أرضٍ جــرداء عارية ، تعصف بهــا
رياح القبلي العــاتية ولا تمــطر أبــداً.
عجــلة الزمان لا تتوقّف ،
والأيام لا ترحم ، فكــلّ يومٍ منهــا
يمرّ يغــرس في جســدك أثرا ً، عندئذ تتذكّر
قول الشاعر " دقّات قلب المرء
قائلة إنّ
الحياة دقائق وثواني" ، ومشــاغل
الحياة تأمرني أن أمضي قـٌدماً وتنصحني
بالنّســيان ! لا.. وألف لا..
يا أصحاب إلاّ
فجــــرية ، وطلعتها
البهية ، لا...إلاّ فجـــريّة
. فلقـد مضت ثلاثـــون سنة ، وعوائق لا حدود
لهــا ، من بحارُ ومحيطــات ، وغربة قسرية
في ديــارٍ بعيدة عن ديارها ، ومع ذلك
تظلّ فجـــريّة الحبّ
الّذي لم يندثر ، ويبقى مكانها في قلبي - الّذي
يرفض بشدّةٍ غريبة التخلي عنها ويمنعني من
نسيانها.. - .إلاّ فجــــــريّة
.
"
في البدء كانت الكلمة " ، وبدايتي معها
عندما انتقلت مع عائلتها من جبال مسلاّته
الرّماديّة إلى شــارعنا ،
لقد كان والدها مهمـًـا و ذا مكانة
اجتماعية مرموقة ، ووظيفة كبــيرة اضطرّته
للانتقال إلى مدينتنا ممّـا أعطاني فرصة
العمر للالتقاء بفجـــريّة
. لقد كانت آية في
الجمال، وملاكـًا
في صورة انس ، وقطعة فنّيّة رائعة من إبداع
البارئ عزّ وجل ، لقد
أضاء فجرها ظلام قلبي ، وتبوّأت مكاناً
خاصّاً في سويدائه منذ اللحظات الأولى
لقدومها ولم تزل ، كـان بيتنا يقـع في الطّريق
المؤدّي لمدرسة فــجريّـة ،
ممّا مكّنّي من رؤيتها كلّ صباح ، لدقيقة ..لـدقيقتين
أو لخمس دقائق ، كان هـذا زادي ليومٍ أو يومين
وأحيانـًا لسبعة أيّامٍ ، يا للهول !
كنت أراقبها من بعدٍ وهي تتمخطر في مشيتها
، كانت لها عيون مثل المها ، ولها جسم رشيق ،
وفوق ذلك نفس طيّبة وبشوشة ، عشقتها منذ
اللّحظة الأولـى ولازلت ،
أصبحت حقّاً أسير حبّها فهي لا تفارقني
أبدا ، أفكر فيها في كلّ مكان ،
في البيت والمدرسة والدّرس ، فلن أنسى
أبدا تلك اللّحظات ،
ولن أنسى فجـــريّة
ما حييت .
لا ادري ماذا حدث ، لقد تفجّرت
طاقات لا حدود لها في نفسي ، هل هو
التّغييرالفسيولوجي وبداية مرحلة البلوغ
والمراهقة ، أم هو جمال فجـــريّة
اللاّ متناهي ، أم الاثنين معـًا ؟!
لقد كنت متيّما بها ، ولا تفارق خيالي
أينما كنت ، كانت معي في كلّ عمل أقوم به ،
لقد ملكت علىّ وجداني ، في البدء تصوّرت
أنّ حبّي لها من جانب واحد ، فاكتشفت أنّ
العكس ما اشتهيت ! وا فرحتي . ففي صبيحة أحد
الأيام ، التقيتها صدفة أو بقصدٍ لا أدري ،
لم أصدّق أبداً ، لقد حيّتني وباسمي قائلة
: "صباح الخير يا..." وهي في طريقها
للمدرسة . آه أيّها الأصدقاء تخيّلوا ، أجل
تخيّلوا فقط كيف كانت فرحتي كبيرة ، و كيف كان
خفقان قلبي ، واضطراب جوانحي ، وخفّة جسدي ،
وانعقاد لساني.. أنا... أنا فوق القمر ، ومنذ
ذلك الصّباح وفجـــريّـة منقوشة
في قلبي ، كالنّقش على الصّخر لا يندثر أبدا.
كان حبّنا عميقا وبريئـًـا، وأصبحنا في عواطفنا أكثر قرباً ،
كناّ نحلم ، وكنّا نبني عشّاً بالأحلام
والأفكار، كانت فجـــريّـة
تناولني القشّ والعيدان ، وأقوم أنا بتصفيف
المكان ، وفي معظم الأحيان كانت هي الموجّه
والمشرف على البناء ، وفي أحيان أخرى كانت تشارك بالعمل ، كنّا نهتم بأشياء
دقيقة ، وفي أغلب الوقت نقف فقط عند الخطوط
العريضة . أحّبتي ... أصدقائي ، يا لها من لحظات
! قصّاصات ورقيّة
صغيرة نتبادلها كلّما التقينا ، كانت نرمي
بها إلى وفي الغد تستقبل الرّد ، هذا كلّ ما
كان من اتصال بيننا الذي يحدث في غفلة من
الآخرين ، ألم أقل لكم إنّ الموروث والعادات
تمنع البوح بالحبّ
والمودّة ، ولكنها تطلق العنان للكره والحقد
!! فتصوّروا إن كان ثالثاً يعلم فتصوّروا !!.
" وما تشاءون إلاّ أن يشاء
الله " ، ومشيئته أرادت أن أرتحل من جورها
لمتابعة دراستي الثّانوية في مكان آخر،
وتلتحق فجـــريّـة بمعهد
المعلّمات العام بمدينتنا ، كنّا نري بعضنا
البعض مرّة أو مرّتين بالشهر ، و نتبادل
التّحيّات بالإشارة وفي غفلة من الآخرين ،
كانت نظراتنا تقول ما نريد ،
وكنت قنوعاً برؤية جمالها وكفى ! وكانت.إشاراتها
ونظراتها هي زادي في الحياة ، وزيت شعلة حبّي
الّتي لن تنطفئ ، كـانت
لحظات سعادة متناهية لا توصف ، وكنت أعدّ
الأيام والسّاعات ، حتّى أعـود لأرى فجـــريّـة
. لم يدري أحد بما يدور في قلبين صغيرين إلاّ
فجــريّـة وأنا ،
وإلاّ كانت الطّامة ، ألم
أقل لكم أنه لا مكان للحبّ ولو كان عذريـًـا ،
ولا حدود للكره والغضب والعنف إذا عرف
ثالـث بما جرى أو
يجري ، فـتبّاً
للعادات البالية .
وفي يوم صيف حزين رأيت فجــريّـة
لآخر مرّة ، كانت في وداعي مع عائلتها ومجموعة
صغيرة من الجيران أثناء مغادرتي صوب أوطانٍ
بعيدة من أجل مواصلة تعليمي الجامعي. كانت
نظراتها معبّرة ، لم تنطق بشيء ولكنّي فهمت ما
تريد قولـه ، وأحسست أنها أدركت إنّي فهمت فـ
" اللبيب من الإشارة يفهم" ،
لقد كانت صادقة في وداعها ،
ورمقتني بنظرة تبعتها بسمة تلقّفتهما أنا
بشغفٍ ، وأشارت إليّ بأنها ستكون في انتظاري
عندما أرجع ، وكانت صادقة في وعدها. وأشارت
إليّ بأنها لا تستطيع فعل شئ ، فالعادات عندنا
تمنع المرأة أن تجاهر بما تريد ، وأشارت علىّ
بأنها سوف تكون في غابة من التقاليد وما علىّ
إلاّ أن أجد سبيلي إليها.
غلطتي لا تغتفر ،
فقد كان علىّ أن أعلن رغبتي بالزّواج منها
قبل رحيلي، وإلاّ سيلحقنـا النـدم على ذلك ما
حيينا ، تلك كانت
إشارتها الّتي لم أقرأها جيّداً ، فكان الحزن
رفيقي إلى الأبد .
عجلة الحياة لم تتوقّف و "غلطة
الشّاطر بألف حساب" ، فالأبلة فجـــريّـة
تزوجت أحد زملاء الدّراسة في المرحلة
الابتدائية ، لقد
كان صديقي المقرّب ، وذو خلق ويشتغل بدون كللٍ
، وبالرّغم من الظّروف الصّعبة والتي تمرّ
بها بلادنا فقد استطاع الزّوجان أن يعولا
آسرتهما ، وان يستمتعا بما يكون في متناول
يديهما ، هذه هـي النّهاية المحزنة لي ، وهي
دليل على عدل الله ومشيئـته ، وعزائي الوحيد
أنّ فجــــريـة مستمتعة
بحياتها ، ولكن هل كان هذا إختيارها؟ ،
وهل كان باستطاعتها أن تفعل شيئا ؟
لا جواب عندي ولا أريد أن أعرف الجواب.
فجـــريّـة
، لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تقرئي هذه
السّطور، وأجزم بأن أحد غيري لا يعرف ما تعنى
، وهذا ما كنت أرجوه . لا أريد أن أنقض جروحك
القديمة ، وما أردت أن أخلق لك أوجاعاً ،
فكفاك ما أنت فيه وكفاني !
أردت يا عزيزتي الغالية أن أفتح قلبي
للآخرين وأشركهم بعض ذكريات نهايتي الحزينة .
كانت مشيئة الله العلي القدير
أن يتلاءم أسبوع عرسك مع إجازتي المدرسيّة ،
فلقد كنت حاضراً حفل عرسك وأنت لا تعلمين !
سعادة زوجك وأصدقاء آخرين لا توصف عندما دعوت
أحد أصدقائي المطربين من مدينة مجاورة للغناء
في حفل زفافك ، أنت
لم تكوني موجودة عندما غنّيت بنفسي ثلاثة
أغنيات ، وقدّمت المجرودة الوحيدة التي كنت
أعرفها في ليلة عرسك يا عمري . لقد كنت حاضراً
طوال حفلة عرسك ، من يوم الاثنين إلى يوم
الخميس ، يوم الدّخلة يا قرّة عيني ، لقد
استمتعنا جميعاً بحفل عرسك الجميل بالرقص
والغناء و[ الهد رزة] إلى وقت متأخّر من كلّ
ليلة ، إلى أن جاءت تلك اللحظات الرّهيبة
والّتي لم أتصور أن تحدث إطلاقاً ، فتسمّرت
كـجدع نخل خاوي وأنا أراقب العريس وهو يخطو
نحوك ، نعم نحوك أنت يا عزيزتي ،
يخطو للقائك وجهًـا لوجه وبدون حضور ،
وربما للمرة الأولى ! آه لو كنت تعلمين عزيزتي فجــريّـة
كم وددت أن أجري نحوه ، وأن امسك بقدميه ، وأن
أمنعه منك ، ولكن شعرت بحجــر الواقع ينزل على
صدري ، وتسمّرت قدماي ،
وتنمّلت أطرافي ، وانعقد لساني ، وأصبت بدوار
غريب - يا حلماً تهاوى أمام
ناظري - .
لقد انتابني شعور غريب ، لا
أدري هل هو فرحتي بعرسك ؟ ، هل هي الغيرة
والحسد؟ ، أم حنق على ثقافة تصادر الحب ،
وتمنع البوح به ؟ ، أم هـي لا هـذه ولا تلك ،
بـل حسرة البدوي العبيط ؟ .
لقد استيقظت على أربع اطلاقات
وزغروتة ، تعبيراً على وجود الكنز الذي
خبّأنـاه معاً منذ زمنٍ بعيد ، أريع اطلاقات
مؤلمة أحسست بها جميعاً يا عزيزتي . تحسّست
أطرافي لعلها تناثرت من حولي ، وهممت
بلملمتها ، وركضت هارباً إلى حيث الأمان
المصطنع ، فررت من هول حقيقة فقـدانك ، فلقـد
فقدتك وللأبد ، لم
أشعر بالوحدانيّة كما شعرت تلك الليلة !، كنت
عديم القيمة ، وكانت ليلة ظلماء وطويلة ،
وعتمة أبدية ، قفلت
راجعاً إلى بيتنا ، وتسلّقت السّقف إلى حيث
سريري المؤقّت ، وكان الأرق رفيقي بعد فراقك
يا عمري . عندها كلّ شئ انتهى ، وشجرة الحياة
الّتي كانت تحمل عشّنا قد تهاوت ، ولم يبق
منها شئ إلاّ حطباً يابساً ، وكلّ ما أقدر
عليه هو أن أحمل بقايا منها وأرحل ، وأفكاري
تسبح في بحرٍ مجهول ترميني أمواجه على شواطئ
أرض بعيدة ، بعد أن
طويت آمـالي وأحلامي المهشمة ، فخياراتي
أصبحـت محدودة ، ودوائي الوحيد عزيزتي فجـــريّـة
، هو الرّحيل ، يومان ونصف بالتّمام
على حفل عرسك ، قطعت فيـها إجازتي وتوجّهت
إلى المطار حيث عدت أدراجي ، ولم أغادر ديار
الغربة أبداً .
الحياة بصفة عامّة كانت جيّدة ،
إذ تعرّفت على شريكة حياتي ، إنّها سيّدة
رائعة ، تشاطرني بعض
القيم ، ولنا هوايات مشتركة ، وأصبحت لنا
عائلة سعيدة ، بنتان
وصبيّان في سنّ
المراهقة ، أكبرهم بنت على أبواب دخول
الجامعة ، أصدقائها يدعونها [دون] وفي البيت
تدعى فجـــر، لا أحد يعرف
من أين أتى هذا الاسم الجميل إلاّ أنا . تعيش
أسرتنا في حي هادئ ، ونستمتع
بما تفتقدينه أنت يا عزيزتي وجموع شعبنا هناك
، الحرّيّة و
القانون والأمن أو ما يعرف بأسس الرّفاهيّة
يا نور عيني أطلب من الله أن يصبغ بها عليك .
لقد تجمّعت هذه الخواطر عندي
بعد مكالمة هاتفيّة لأهلي في الوطن ، وعلمي
بوفاة والدة فجـــريّـة ، وعندما
طلبت من أختي أن تقدّم تعازي الحارّة
لفجـــريّة وأهلها،
ردّت على أختي " على فكرة ، فجــــريّه قالت
كانت تبّيك" ! لقد
كان الصّمت رفيقي... وكان الصّمت جوابي....
الصمت وكأنّه ساعات .. لو كنت تعلمين يا أختاه
كيف وضعت على صدري ذلك الحجر الكبيـر مرّة
أخرى.. لو كنت تعلمين انّك
نقضتي جرحي الذي لم يندمل ، وذررت الملح فوقه
، لو تعلمين ندمى على فعل لاشيء عندما كان
الفعل ممكناً وضرورياً. الآن فقط تصوّرت مدى
معاناة فجـــريّة
قي تلك اللّحظات
العصيبة ، إنّ الألم
يعتصر ني بعد أن
عرفت أوجاعها، تأكدي يا أختاه بأنني سأحمل
معي إلى القبر شعوري بالذّنب ، وتعذيب
الضّمير، يا ليتك " تركت التّـبـن إمغطـّى
شعــيره " سامحك الله يا أختاه ، أنت لا
تعلمين ما كان وما سيكون .
وبغضّ النظر عن الاختلاف في
الظّروف، فهنالك الكثير من الليبيين في
الدّاخل والخارج الّذين عانوا فقدان الأحبة
وكسر الخواطر .أتمنى أن أسمع من فجـــــــريّة
.
في
الحلقة الأولى تكلمت عن وصف العريان لأحداث
سياسيّة مأساويّة
من خلال سرده للظروف الّتي أحاطت
باغتيال الباروني العيهوري ، وكيف استطاع
أديبنا المبدع تطوّع اللغة
الإنجليزية بقلمه كما يطوّع الصائغ
التّبر لصنع حلي الكلمات في
أوقات شداد . ووعدت القارئ بدراسة نقديّة
مبسّطة لرائعته " فجــريّه " ، ولمسرحيّته
القصيرة " مطبخ اغنيوة " ، لكنّي
وجدت نفسي مضطرّا لترجمتهما لإطلاع
القارئ الكريم على هذا الكنز
الإنساني للأديب العريان ، وسوف أقوم
بنقدهما لاحقا بإذنه تـعـالى .
صـالـح
منـصـور
|