الأسـلوب
الأدبـي فـي كتـابات الأستـاذ الـعريّـان
" إذا
كان المفكـّر لا يربط قيم الحقيقة في الصّراع
السّـيـاسيّ ، عندهـا يصعب عليه التّـعايش
مـع الـواقع " إدوارد سـعيد
أجـل فالصّـدفة
وحدهـا جمعتـني وبدون ميـعـاد بالأديب
الـقدير الأستـاذ العريّـان ، وكـانت صفـحة
الدّكتور إبراهيم اغنيـوة " ليبيـا وطننـا
" مكـان اللـّـقـاء ، وبمحض الصّـدفـة
تشــابهت الـمواضيع التي كنّـا نطرحـهـا ، بل
لقد تطـابقت في كلّ شيء حتّـى الـعنـاوين ،
وكـانت اللـّـغة الإنجليزيّـة وسيلة
التّـعبير والتّـخـاطب لكلينـا مـع الآخرين
ونقل وجـهات نظرنـا للقـرّاء ، ومع كلّ ذلك
التّـشـابه فمن الإنصـاف الاعتراف بمسـتوى
اللـّـغة ، فشتّـان بين لغتي العـاديّـة
والبسيطة وبين اللـّـغة الإنجليزيّـة
الرّفيعـة للأديب القـادر والمتمكـّن
الأسـتـاذ الـعريّـان .
لقد كـان
الأستـاذ العـريّـان أديبًـا رائـعًـا بمعنى
الكلـمة ، يجيد استخدام الكلمـات كالمشرط في
يد جرّاح مـاهر لسبر أغـوار النـّفس ، ويصوّب
الـجُـمل " جمع جملة " كالسّـهـام لوجدان
القارئ ، فيدخل السّرور والبهجـة عند قراءة
مواضيع قويّـة وحسّـاسة وذلك لعذوبة
اللـّـغة وسـحر الكلـمات .
تعتبـر مقالات الأديب الأستـاذ
العريّـان ذات قـالب درامي رائع ، فهو لا يتكلـّم عن
نفسـه فيـها ، ومقالاتـه ذات أهداف ومضـامين
وأخبـار جـادّة ، ويعيش شخوصه فيـها لحظة
بلحظـة مستخدمًـا كلّ مشـاعره النّـبيلة
بتلقائيّـة ملفتـة للنـّظر وبدون تصـنّـع ،
ممّـا يجعل القارئ يعيش مع أبـطالـه كلّ
ثانية ، يعيش مشـاعرهم ، ويتنفّـس تنفّـسهم ،
فهو ينقل القارئ إلى مسرح الأحداث ليجعلهم
يعيشون واقع المأسـاة أو الفرح ، ويجعل منهم
" د. واتسون في روايـات شيرلوك هولمز " ،
إنّـه أديب رائع بكل الـمعـايير .
يتحدّث الأديب
اللـّيبيّ الأستـاذ العريّـان في إحدى
روائعـه عن مأسـاة أبنـاء العيـهوري
، الأخوين : رمضـان
والبـارونـي
، مبتدئًـا بوصف الـحال الـعامّ في ليبيـا ،
موضّـحًـا وبدقّـة متنـاهية تداعي
الحرّيّـات العـامّة ، وغيـاب القـانون ،
والحالة اللاإنسانية التي يعيشـها الـمواطن
اللـّيبيّ البسيط ، من أمثـال الـمدرّس ذي
الرّابعـة والثـّلاثيـن عـامًـا – البـارونـي العيـهوري
– والذي وجد نفسـه في وسط المعمعة دون جريرة
ارتكبـهـا أو خيـار ، إلاّ أنّـه ولد هنـاك
فعليـه أن يتلقّـى غضب السّـلطة نيـابة عن
بقيّـة اللّـيبيين ! ثـمّ يجمع " الكاتب
والأديب " في حوار صـامت بين الضّـحيّـة
والجـلاّد – بين البـارونـي
العيـهوري
وبين فرق الـموت ، أو ما أطلق عليه العريّـان
" زوّار الـفجر " – في أسطر محدودة وبدون
تعليق ، بعدهـا وفي موقف جنـائزيّ رهيـب
تـنقل كلمـات الأستـاذ العريّـان القـارئ
إلى الحدث ، فيجعلـه يعـيش الزّمـان
والـمكـان ، فيرى زوّار الفجر كأشبـاح الـموت
وهم يدخلون على البـارونـي
العيـهوري
وهو نـائم في مربوعة شقيقه الأكبر قبيل طلوع
الفجر ، ويشـاهدهم وهم يضعـون أيديهم على
فمّـه وكأنّـهم يخـافون أنفـاسه وهو جـامد
وصابر على قضـاء الله ، ومستسلمًـا لمشيئتـه
، ولسـان حـاله يقول : " يـا ليت قومي يعلمون
بـما غفـر لـي ربّـي وجعلـني من الـمكرمين
" ، والقارئ يحبس أنفـاسه ويتصبّـب عرقًـا
من الرّعب وهم يجرّونـه على عجل إلى شبّـاك
النـّـافذة وأيديهم المجرمة تضـع أحد طرفيّ
الحبـل على رقبـته ، والطـّرف الآخر فـي
الشّـبّـاك ، ثمّ يخرجون ولا يتركون إلاّ
شـهيدًا
وبـدون شـهود
.
وهكذا عند فراغ
القـارئ من قراءة كتـابات الأستـاذ
العريّـان يجد الصّـورة قد اكتملـت ، ويحسّ
وكـأنّـه شاهـد على الجريـمة ، ويجزم يقينـًا
بأنّـه يعرف الـمجرم والدّوافـع ، وهذه من
روائـعه الأدبيّـة .
إنّـني لا أدري
عن مهنـة الأستـاذ العريّـان شيئًـا ، فإن لم
تكن حرفتـه الأدب واللّـغة والكتـابة ، فهو
حتمًـا قد وُلـد للأدب والكتـابة ، إنّـه
بحقٍّ موهـوب .
لـم يكتب
الأستـاذ العريّـان عن الجريمة في بعـدهـا
السّـياسيّ واغتيـال
الوطن في اغتيـال البـارونـي العيـهوري
، وإنّـما كتب عن الجريـمة فـي بعـدهـا
الإنسـانيّ ، كتب عن اغتيـال الحبّ في
قلوبـنـا ، وجعل أحـاسيسـنا ومشـاعرنـا
الإنسـانيّـة حبيسـة في جوارحـنا ، ورهينـة
لعادات وقيـم لا تمتّ لديننـا بصلـة ، وينتقد
بقـوّة وبأسلوب أدبيّ رفيـع عدم
البـوح بالحبّ والـمودّة ، وكبح العـواطف
الإنسـانيّـة قسـرًا
من قبل الفرد والمجموع ، وإطلاق العـنان
للكـره والـحقـد في صور مختلـفة ، أسوأهـا
جميعًـا التّـعدّي علـى حقوق الآخرين
بالـفعل والـقول .

لـم يستطع
الأستـاذ العريّـان أن يخفي مشـاعره
الشّـخصيّـة وراء قدرتـه الأدبيّـة
الرّائعـة عندمـا أتحفـنا بقطعة أدبيّـة
خلاّبـة " فـجريّـة
" تلك القطعة التي تعبـّر عن إنسـان مرهـف
وحسّـاس وعـاشق وفـيّ ، لكنّـه وكأيّ إنسـان
ليبـيّ مستسلم للقضـاء والـقدر يحمل حبّـًـا
دفيـنًـا لم يمت ، وجرحًـا غـائرًا لم ينـدمل
، وسرعـان مـا ظهرت أوجـاعه القديمـة – رغم
مرور ثلاثين عـامًـا ونيف – بعد عدّة كلمـات
من أختـه عندمـا أعلمتـه بوفـاة والـدة فـجريّـة
، لأنّ حبّـه لفجريّـة لم يكن طريقًـا ذي
اتّـجـاه واحد كشوارع موسـكو ، وإنّـما كـان
حبّـًـا مدفونًـا بالتّـسـاوي في قلبين
بـاعدت بينـهما العـادات البـالية الطّـامرة
للحـبّ والـمسـافات والأيّـام ، وفي غمرة
صراعـاتنـا السّـياسيّـة ، وعنتريـاتنـا
الـزّائفة لم يـجد أديبـنا الـمرهف الحسّ من
يشـاطره مواجع ذكريـاته غير أختـنا
الفـاضلـة ريـم البـادية وكلمـاتهـا
الـمتعـاطفـة .
وإلـى
اللـّقـاء في الحلقة القـادمة .
صـالـح
منـصور
*
الأستاذ العريّـان : أديب وكاتب ليبي على
صفحات الشّبكة الدّوليّـة للمعلـومـات
·
الحلقة
الثـّـانية : فـجريّـة .
·
الحلقـة
الثّـالثة : مـطبخ اغنيـوة .
|