|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
حوار مع الدكتور علي بوزعكوك · أنا لم أر وطني ولا عائلتي منذ آخر زيارة لي سبتمبر 1979، وقد تحققت الزيارة بعد أن جاءتني الدعوات التي ترحب بعودتي من العقيد القذافي. · هناك من لا يزال فاقدا للأمل في قدرة مؤسسات الدولة على حل إشكاليات التنمية والخروج بليبيا من حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه · عندما اتخذت موقفي من النظام فقد اتخذت ذلك الموقف بقراري الذاتي . · بعد تغول حركة اللجان الثورية في انتهاكات حقوق وكرامة الإنسان الليبي. ساهمت مع آخرين في تكوين الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا .
* نود في بداية الحديث أن تأخذنا بالعودة إلى زمن طفولتك الجميل؟ حدثنا عن الطفولة أين كانت؟ وفي أي مدرسة تعلمت، وكيف أثرت كل هذه المحطات في حياتك العملية؟ * الحديث عن الطفولة لا يعني القبول بتوصيفك لها بأنها طفولة جميلة. فطفولتي التي كانت تدور في أنحاء ليبيا بين مصراتة وبنغازي وسرت، كانت تعكس ظروف الحياة الصعبة التي عشناها فقد هاجر والدي (الفقي رمضان أبوزعكوك، الحافظ لكتاب الله وخريج زاوية سيدي أحمد الزروق) من قرية السواطي بضواحي مصراتة سنة 1944، إلى بنغازي طلبا للرزق بعد أن مرت على الناس في مصراتة الأيام الصعبة والتي كانت تعرف شعبيا بأيام (اللاقبي وسبول العبيد). واستقرت أسرتنا بزنقة العوج، بنهاية شارع شمسة حيث سكنت الأسرة مشاركة في أحد بيوت أقربائنا هناك. وقد توفت الوالدة (رحمها الله) وأنا لي من العمر 3 سنوات، وقد لحقها بفترة قصيرة أخي الأصغر خليل رحمه الله. وكان الوالد يعمل مع عمال النظافة ببلدية بنغازي. وكان بعد رجوعه من العمل يعاون الفقي "لامين" إمام جامع نبوس في دروس تحفيظ القرآن. وأتذكر أنني تعودت على مرافقته للجامع، وقد بدأت في حفظ القرآن بالجامع وتعلمت الكتابة على اللوح قبل أن ألتحق بمدرسة الأمير الابتدائية سنة 1949. وقد كان لدخولي المدرسة قصة طريفة إذ لا زلت أذكر أنه حينما بدأت حكومة ولاية برقة فتح مدرسة الأمير قرر والدي تسجيل شقيقي محمد الذي يكبرني بالمدرسة، فما كان مني إلا أن لحقت بأخي وسجلت نفسي أيضا. ولا أذكر سوى بعض التفاصيل القليلة عن المدرسة وعمن كان معي فيها. ولكنني لا زلت أتذكر أن من المعلمين وقتها كان الأستاذ فرج الشويهدى. كما أذكر أننا كنا نشق طرق بنغازي وسط المباني التي دمرتها قنابل الحلفاء والمحور فقد كانت بنغازي مدينة تلملم جراحها بعد أن تعرضت لأكثر من ألف غارة! ولا زلت أتذكر المظاهرات التي عمت المدينة منددة باستيلاء اليهود على فلسطين سنة 1948، وبتخاذل الحكومات العربية وقتها، والحديث عن المجاهدين الليبيين الذين ذهبوا لنجدة إخوانهم في فلسطين. وكانت ظروف الحياة الصعبة سببا في رجوعي إلى مصراتة لأعيش مع عمي عمر. وبسبب رجوعي إلى مصراتة ضاعت مني سنة دراسية كاملة. وقمت بحملة في بيت عمي لإرسالي إلى مدرسة سيدي أحمد الزروق وقد كانت المدرسة عبارة عن حجرة واحدة ومدرس واحد يدرس لكل التلاميذ وفصولهم الدراسية من الصف الأول حتى الخامس. وسخر لي الله أن أنتقل إلى سرت للعمل كمساعد في دكان ابن عمي الذي كان من تجار سرت. وفي سرت واصلت الدراسة من الصف الثالث إلى الصف الخامس. وكانت التجارة مع القبائل البدوية الذين يسكنون حوالي سرت أيام الأحد والثلاثاء والخميس. وكنت لا أذهب للمدرسة خلال أيام الأسواق، وبالرغم من تلك الظروف الصعبة كنت أعشق الدراسة، واستطعت أن أواصل دراستي بتفوق على الطلبة الآخرين. ولم يكن لي في سرت مجالا للعب فكانت تسليتي عندما أجد وقتا قراءة الكتب مثل السيرة الهلالية وقصة الأميرة ذات الهمة ونادرا ما نجد فرصة للعب كرة القدم أو الذهاب للبحر. وفي سنة 1955 عدت إلى بنغازي والتحقت بمدرسة الأمير مرة أخرى واضطررت لإعادة السنة الخامسة لأن الدراسة في سرت كانت خلوا من اللغة الإنجليزية بينما كانت الإنجليزية تدرس في بنغازي في السنة الخامسة. وفي نفس السنة فجعت بوفاة والدي. فكدت أن أترك الدراسة للبحث عن لقمة العيش. وقد تمكنت من مواصلة الدراسة بالعمل كبائع للحلويات للطلبة قبل بدء الدراسة وفي وقت الفسحة، وبعد انتهاء الدوام عملت في العديد من الأماكن. وكانت سعادتي تكمن في قراءة مجلة السندباد التي كانت تأتينا من مصر. وبالرغم من هذه الظروف تحصلت على الشهادة الابتدائية بتفوق إذ حصلت على الترتيب السادس ضمن العشرة الأوائل في برقة، وأذكر أنني سمعت اسمي يذاع في الإذاعة وأنا أقدم القهوة في مقهى سينما الحرية للزبائن. * من هي الشخصيات التي لا تزال عالقة في ذهنك رغم كل هذه الغربة ؟ * يمثل الوالد (الفقي رمضان ) الشخصية الأولى التي تركت في نفسي آثارا حميدة، ومن أهمها أنه حبب إلي القراءة والقرآن الكريم. فقد استطاع الوالد رحمه الله أن يتميز على بقية إخوته حين أصبح الوحيد من بينهم الذي تعلم القراءة والكتابة وحفظ كتاب الله في زاوية سيدي أحمد الزروق، حتى أصبح يطلق عليه اسم الفقي رمضان وأصبحت عائلتنا تعرف بعيت الفقي. وقد كان الوالد يعرض عليّ القرآن وكنت أتابعه في المصحف. ومن نصائحه لي بيتا من الشعر كان يردده علي مسامعي لازلت أحفظه منذ طفولتي:
أخاك أخاك إن من لا أخا له كساع إلى الهيجا بدون سلاح. لقد كنت أنا ومجموعة من الأصدقاء (كنا أربعة) نعشق القراءة ونلتهم الكتب، ومن شدة إعجابنا بالعقاد قررنا أن نقتدي به، وقد تركنا الدراسة الرسمية وبدأنا ندور من المركز الثقافي المصري إلى المركز الثقافي الأمريكي إلى المركز الثقافي البريطاني، نستعير منها الكتب ونحضر المحاضرات والندوات وأذكر أنه كان من هذه الشلة الزميل حسن البكوش الذي اهتم باللغة الانجليزية وله الآن مكتب لخدمات الترجمة بطرابلس. ومنهم أيضا الشاعر الأديب محمد المهدي أبوزريدة الذي اهتم بالشعر وأصبح من المبرزين فيه. وفي القاهرة كان لأستاذي الدكتور إبراهيم إمام (رحمه الله) الفضل في الاهتمام بي وتشجيعي في أيام الدراسة في القاهرة التي كانت مفتقدة لروح البحث الأكاديمي والعلمي وكان يغلب على الدراسة الجامعية في قسم الصحافة بكلية آداب القاهرة أيام الستينيات غياب حرية الرأي وحرية النشاط العام، وكنا نفتقد بين الحين والآخر بعض زملاء الدراسة الذين كانوا يؤخذون ضيوفا في المعتقلات، وحين كنا نسأل عنهم كان الناس يتهامسون عن هذه الأمور خوفا من بطش رجال الأمن أو من الجواسيس المنبثين في أوساط الطلبة من أعضاء منظمة الشباب. وتعرفت في القاهرة على الأستاذ محمد جلال كشك (الماركسي السابق الذي ترك الماركسية بعد تأثره بثورة الجزائر) وأصدر سنة 1965 كتابيه "الغزو الفكري" و"الماركسية والغزو الفكري" وتابعهما بكتابه الآخر "دراسة في فكر منحل" تصدى فيه للكاتب لويس عوض وكتاباته. وقد ربطت بيننا صداقة عمر إلى أن انتقل إلى رحمة الله في فيرجينيا بالولايات المتحدة عندما أصيب بسكتة قلبية في الأستوديو وكان وقتها يقارع الدكتور نصر حامد أبوزيد في الخامس من ديسمبر 1993م، وكان من آخر ما كتب مقالة له في نقد نصر حامد أبوزيد نشرت بمجلة أكتوبر عنوانها "أتهمه بالجهل فيعيرني بالمرض" وقد تأثرت في فترة الستينيات في مصر بكتاب مجلتي الثقافة والرسالة وكان من أهمهم الأستاذ محمود شاكر الذي كان قد دخل معركة فكرية مع لويس عوض عميد كتاب الأهرام الثقافي، ونشر مجموعة من المقالات التي كانت تعتبر عملا فكريا نادرا في مناقشة فكر ومنهج التيارات الفكرية الغريبة عن فكر وثقافة الأمة، وقد تأثرت كثيرا عندما عرفت أن النظام المصري قد أوقف مجلتي الرسالة والثقافة كما أوقف الأستاذ محمود شاكر عن الكتابة في الوقت الذي قرر فيه منح لويس عوض جائزة الدولة التقديرية!!. وقد جمع الأستاذ شاكر مقالاته تلك في كتاب متميز هو "أباطيل وأسمار" لا يزال يمثل المرجع لمن أراد أن يقف على أصول الكتابة المنهجية العربية، وفيه كشف لبعض ما يخططه الغير لثقافتنا ولأمتنا. فالأمة في حاجة إلى الوعي بالكيفية التي يمكن بها التصدي للأفكار الغريبة بمقارعتها فكريا وليس بالإقصاء وبالمنع، أو بالحبس والسجن. كما تأثرت بكتابات الدكتور محمد محمد حسين وبالذات كتابه حصوننا مهددة من الداخل. ومن الشخصيات التي تأثرت بمواقفها كان موقف الأستاذ عبد المولى دغمان رئيس الجامعة الليبية وقت تخرجي سنة 1968، فقد اقترح على مجلس الجامعة ضمي كمعيد لقسم الصحافة الذي تفكر الجامعة في تأسيسه مستقبلا. وقد فعل نفس الشيء مع الزميل على شمبش الذي كان قد تخرج وقتها من قسم العلوم السياسية بالقاهرة. وفي الجامعة تأثرت بشخصية الأستاذ سعيد الأفغاني الذي كان وقتها رئيسا لقسم اللغة العربية وهو القسم الذي آواني إلى حين تأسيس قسم الدراسات الإعلامية سنة 1975. فقد كان يمثل نموذجا للرعيل الأول الذي قامت على أكتافه حركة النهضة العربية بعد انفصال البلاد العربية عن تركيا. وفي أمريكا تكونت لي علاقة متميزة مع أساتذة أجلاء منهم الدكتور إسماعيل الفاروقي صاحب أطلس الحضارة الإسلامية ومن أوائل الدعاة إلى تقديم منظور معرفي إسلامي الذي يرتكز على الوحي وعلى المعارف الإنسانية، وكذلك الدكتور على المزروعي أستاذ الدراسات الإفريقية المتميز في العالم. كما لا يمكنني أن أنسى شخصية الزميل الدكتور عمرو النامي الأديب والشاعر والمفكر الإسلامي الذي فقدته ليبيا وفقدته الأمة العربية والإسلامية " بدون أي جرم ارتكبه". * الأستاذ علي زرت البلاد قبل عام كيف تقف عند هذه الزيارة؟ وما هي نتائجها بالتحديد؟ * الزيارة أولا وقبل كل شيء كانت زيارة خاصة وعائلية، فأنا لم أر وطني ولا عائلتي منذ آخر زيارة لي سبتمبر 1979، وقد تحققت الزيارة بعد أن جاءتني الدعوات التي ترحب بعودتي من العقيد القذافي، كما أن ظروف عملي في أمريكا وقصر فترة إجازتي لم تمكناني من البقاء طويلا، فقد اضطررت إلى العودة إلى أمريكا بعد 13 يوما قضيتها متجولا بين أفراد عائلتي في بنغازي ومصراتة. وقد غمرني شعور فياض ندر أن شعرت بمثله عندما وطأت قدماي أرض الوطن الحبيب. وأنا من المقتنعين أن الوطن يمثل مجموعة الذكريات والعلاقات والارتباط بالناس وبالأماكن التي عرفت الإنسان طفلا وشابا ورجلا يافعا. ويعجبني قول أحد الشعراء في وصفه للوطن بقوله:
والوطن هو ناسي وهو جيراني كما أن الزيارة القصيرة جعلتني أفكر مليا في ما هو الدور الذي بإمكان ليبيي المهجر القيام به لمساعدة وطنهم. * وماهي الملامح العامة التي استنتجتها عقب الزيارة؟ أولا أن هناك بدايات في الانفتاح الاقتصادي، وأن هناك من لا يزال فاقدا للأمل في قدرة مؤسسات الدولة على حل إشكاليات التنمية والخروج بليبيا من حالة التخلف الحضاري الذي تعيشه، مع وجود شعور بالإحباط عند الشباب، وبعدم القدرة على التخلص من الفساد والرشوة المنتشرة في البلاد. ولكني وجدت أيضا قلة مؤمنة بأن دوام الحال على ما هو عليه يعتبر من المحال، وأن الإصلاح قادم لا محالة، كما رأيت أن الحالة الأمنية المتشنجة التي تركت عليه البلاد سنة 1979، قد تغيرت، وأصبح الناس يعيشون حالة أفضل من الاطمئنان حتى أنهم يتكلمون عن قضايا كانت تعتبر من المحرمات، بصراحة ودون خوف. * وكيف كونت فكرة عامة عن البلاد بعد انقطاع لعشرات الأعوام؟ * أولا أود أن أؤكد أن متابعتنا لأحوال الوطن وما يجري فيه لا تزال تمثل أكبر نسبة من اهتماماتنا ونحن نعيش في الخارج، فنحن مثلا نتابع برامج الفضائية الليبية أكثر من مشاهدة المواطنين في الداخل لها. ولكن الصور التي يراها الإنسان بأم عينيه وهو يتجول في ربوع بلاده أو يسمعها من أفراد الشعب تختلف شيئا ما عن الصور التي لديه وهو خارج الوطن. وقد حزنت كثيرا لما حدث لمدينة بنغازي القديمة من إهمال وتخريب وتهديم وقلة عناية. فنحن نرى دول العالم الأخرى وهي تسعى جهدها للحفاظ على تراثها وعلى مدنها القديمة بالصيانة والرعاية لأن المدينة القديمة معبأة بعبق التاريخ، وهي تعتبر المتحف الحي الذي يأتيه الناس من داخل الوطن لرؤيته والتعرف عليه، قبل غيرهم من الزوار الذين يحبون رؤية الأماكن التاريخية، وقد حزنت عندما رأيت التهديم الذي طال سوق الظلام وقلة الرعاية التي يلقاها مبنى البلدية كأنما ترك قصدا لينهار بنفسه. لقد وجدت أن هناك حالة من التسيب في الاهتمام بنظافة المدن وبتنسيق الشوارع وكتابة أسمائها كما لو أن المدينة في واد والمسؤولين عنها يعيشون في عالم آخر. وأنا متأكد أن أغلب المسؤولين يشاهدون بأنفسهم التنمية التي حققتها دول الخليج النفطية والتي تنعكس صورها على الفضائيات المتنوعة التي يغطي إرسالها أغلب قارات العالم. ولا زلت بقناعتي أن إزالة العوائق الموجودة ستتيح لأبناء المدينة رعايتها وإصلاح حالها. * أثارت عودتكم جدلا واسعا على مواقع شبكة الإنترنت بين مؤيد ومعارض للزيارة، من وجهة نظرك شخصياً أين تقف عند هذه الآراء؟ * أذكر يوما أنني كنت أناقش أحد الأصدقاء في الدعوة التي وصلتني من ليبيا بالعودة، فكان رده علي أنني عندما اتخذت موقفي من النظام فقد اتخذت ذلك الموقف بقراري الذاتي ولم يوجهني إليه أحد، وأنني عندما شاركت في تأسيس الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا أو عندما تركتها وخرجت منها اتخذت هذه القرارات بحسب قناعاتي الشخصية. وحصل نفس الشيء أثناء مشاركتي في تأسيس ألفا (تحالف الليبيين الأمريكيين من أجل الحرية)، ثم في خروجي منها وتركها. فالأمر أولا وقبل كل شئ أمر يخصني بالدرجة الأولى. ولكن وجود المرء في مجال الحراك والنشاط العام يجعل منه عرضة لمن قد يوافقه أو يعارضه فيما يتخذ من مواقف. ولهذا فإيمانا مني بحرية الناس في التعبير عن آرائهم، فليس لي إلا أن أقرأ أو أسمع رأي المخالفين لي في المنهج أو العمل، ما دام هذا النقد يتعامل مع القضية المطروحة بنوع من الموضوعية. والأمر المؤسف هو في الأسلوب غير الحضاري بل وغير الأخلاقي الذي انزلق إليه البعض. وأعتقد أن بعض هذه المواقف يعكس الأزمة التي يعيشها أصحابها، وأنا لم أرض لنفسي الدخول في هذه السجالات لقناعتي بالآية الكريمة في سورة الرعد: "... فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض...". ولذا فإنني على قناعة من أن انتشار حرية الرأي والتعبير يمثل الدواء الناجع لأمراض التخلف الثقافي التي أرى أن ما حصل من ردود أفعال بسبب زيارتي هو بعض من طفحها.
*في تصريحاتك عقب الزيارة كشفت عن دور للمهندس سيف الإسلام والعقيد معمر القذافي شخصياً؟ والسؤال الذي أود طرحه بكل صراحة لماذا لم تتكرر الزيارة بعد الأولى؟ * لقد بدأت الدعوات لعودتي إلى ليبيا تأتيني منذ مدة حين بلغني مسؤول جمعية الصداقة الليبية الأمريكية بأنه يحمل إلي دعوة من العقيد القذافي للعودة إلى الوطن. وكان ردي له أنني في الوقت الذي أشكره فيه على الدعوة فإنني أنظر إلى عودتي من المنظور العام لوجود الليبيين في الخارج أكثر من كونها قضية شخصية. وقد تكررت الدعوة بعد مقابلة أجراها معي الدكتور الهاشمي الحامدي في قناة المستقلة، عن طريق السيد عبد الله منصور الذي أرسل إلي مندوبا قابلته في لندن وكانت رسالتي له تحمل نفس المعاني. ثم بلغني الصديق القديم السيد مفتاح كعيبة تأكيد الدعوة للزيارة وزادني تأكيدا على أن هناك تطورات ستحدث في ليبيا وأن البلد تسعى للتعامل مع الليبيين في الخارج بروح وبسياسة جديدة. وقد أكدت خطبة العقيد القذافي في أحد مؤتمرات الشعب العام هذه الروح الجديدة التي تكلم فيها لأول مرة بنغمة تختلف عن سابقاتها عند الحديث عن الليبيين في الخارج. ثم بعد الحديث المثير الذي أدلى به سيف الإسلام القذافي ونقلته التلفزة الليبية حيًّا، كتبت الدعوة التي أطلقتها بصفتي رئيسا لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية بأن الأوان قد آن لعقد مؤتمر لقوى الإصلاح الوطني في الداخل والخارج، وذكرت فيها أن منتدى ليبيا مستعد للمشاركة في تنظيم هذا الملتقى. وجاءتنا ردود أفعال إيجابية من داخل ليبيا على الدعوة، وقد التقيت بسيف الإسلام القذافي وتناقشنا في عدد من أمور الوطن واتفقنا على اتخاذ بعض الخطوات العملية للبحث في الإجراءات المقترحة. وقد جدد لي السيد سيف الإسلام دعوة والده لي بالعودة إلى ليبيا. وكان ردي هو قبولي المبدئي بفكرة العودة ووعدته بأنني سأقوم بها، وذكرت له أن الدولة الليبية في حاجة إلى اتخاذ خطوات عملية تتعلق بإيجاد حل سياسي لليبيين في الخارج، وأن هذا الحل يحتاج إلى أن تدعمه الدولة باتخاذ مجموعة من الإجراءات التي ستفتح الطريق أمام أصحاب الآراء المختلفة مع النظام في الداخل والخارج بدون أن يقعوا تحت طائلة القوانين سيئة السمعة. ودعوت لانطلاق مشروع شبيه بمشروع "هيئة الإنصاف والمصالحة في المغرب"، وبالبدء في اتخاذ الخطوات العملية نحو حل أمور المعتقلين وسجناء الرأي، وبالبدء في تعويض الناس على ما أخذ منهم من ممتلكات، وبرد المظالم، وبالعمل على طرح مشروع للمصالحة الوطنية. وقد تمت الزيارة الأولى والتي بينت أن بإمكاني زيارة بلدي متى ما شئت وبمجرد ما تسمح لي ظروفي الخاصة بذلك سأقوم بزيارتي وطني إن شاء الله. * وهل تغيرت الفكرة السياسية لديكم بعد هذا العمر؟ * نعم وأقولها بكل صراحة. لقد كان منهجي يقوم على مخاطبة النظام وقيادته عندما كنت في ليبيا، فقد كنت كلما أتيحت لي الفرصة أتحدث صراحة مع العقيد القذافي عن ما أعتبره رأي في قضايا الوطن، من المطالبة بالدستور إلى رفع الرقابة عن الصحف إلى تعريب التعليم في الجامعة وغيرها كثير. وعندما أخرجت من الجامعة (بدون أي مخالفة قانونية، وأنا أعتقد بأنني لازلت أنتمي للجامعة)، مع اعتقالي وتعرضي للتعذيب، شعرت بأن ذلك لا بد وأنه بسبب جهري بما أعتبره حقي في التعبير عن رأي، وبأن من حقي نقد الوضع القائم وسياساته. وعندما تم إعارتي لجمعية الدعوة الإسلامية وأرسلت إلى أمريكا لم أتوقف عن الحديث وطرح آرائي فيما أراه صوابا وتصحيحا لما يحدث في الوطن. وبعد تغول حركة اللجان الثورية في انتهاكات حقوق وكرامة الإنسان الليبي. ساهمت مع آخرين في تكوين الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا. وكان للجبهة برنامجا طموحا استخدمت فيه كافة الوسائل لتغيير نظام الحكم وإحلال البديل الديمقراطي، وقد أشرفت في الجبهة على الجانب الإعلامي. وبعد سبع سنوات من إشرافي على الجانب الإعلامي تركت اللجنة التنفيذية سنة 1987، ثم تركت الجبهة نهائيا سنة 1993 م. وقد قمت مع مجموعة من النشطاء الليبيين في سبتمبر 2003 بإنشاء "تحالف الليبيين الأمريكيين من أجل الحرية المعروف باسم ألفا" لغرض الاستفادة من وجودنا في أمريكا للدفاع عن الحريات الأساسية والديمقراطية في ليبيا. وبعد فترة قصيرة استقلت أيضا من ألفا ومن رئاستها لاختلافي المنهجي مع عدد من أعضاء مجلس الإدارة وقتذاك. وقد كان هذا في الوقت الذي بدأنا فيه أنا ومجموعة محدودة من الأصدقاء منذ أواخر التسعينيات مراجعة نقدية لخطاب المعارضة التقليدية، والتي أوصلتنا فيه هذه المراجعة إلى اختيار النهج الإصلاحي، وعملنا لعدد من السنوات كفريق عمل إلى أن قمنا بالإعلان الرسمي عن تأسيس منتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية والذي أصبح بمواقعه على الانترنت يمثل وسيلتنا في الاتصال بالداخل سواء من حيث المتابعة لما يجري أو من حيث مشاركة كتاب ومراسلون وجدوا في مواقع المنتدى مجالا للتعبير عن آرائهم بحرية. *هناك مشروع إصلاحي ورؤية يطرحها المجلس الوطني للتخطيط وحكايات عن منابر سياسية وصحافة حرة ومستقلة كيف تنظر إلى كل هذا؟
*
أود
أولا أن أبارك للدكتور محمود جبريل ولمجلس التخطيط الوطني مشروعهم ورؤيتهم
الإصلاحية. وأعتقد أن ليبيا في أمس الحاجة لدخول العناصر الوطنية المؤهلة بالعلم
والخبرة لمجالات التخطيط، وهو تحول نوعي تشهده ليبيا ويبشر بالخير إذا ما واكبته
سياسة
رشيدة تعمل على إزالة العوائق والحواجز التي أقيمت في فترة الانغلاق السياسي
والاقتصادي. وأود هنا أن أنبه على رفض فكرة التفريق بين الإصلاح الاقتصادي
والإصلاح السياسي، لأن علة البلاد سياسية أساساً، وأنه لن يكون هناك أمل في حلها
إلا
بعلاجها أولاً، فكل الجوانب الأخرى سوف تترتب بالضرورة على إعادة تصور الأسس
السياسية للحكم في البلاد. ونحن الذين نعتبر أنفسنا من دعاة الإصلاح في الخارج على
استعداد للتعاون في جعل الإصلاح السياسي في البلاد ممكناً، وعلى استعداد للمساهمة
في
تنفيذه إذا أتيحت لنا الظروف المناسبة لذلك، وتم الاعتراف بنا كطرف في العملية
السياسية. وهو ما أشار إليه سيف الإسلام أثناء حديثه عن المنابر السياسية والصحافة
الحرة
والمستقلة، والذي أعتبره المدخل الحقيقي للعملية الإصلاحية. وهذه النقطة تجر بالضرورة إلى التعرض للشروط اللازمة لتجسيد أي توجه حقيقي لحرية الرأي والتعبير، إذ لا يمكن الحديث عن حرية رأي في ظل تشريعات تجعل الرأي المختلف "جريمة يعاقب عليها"، ولذا فيجب الحديث مباشرة حول ضرورة البدء بإلغاء القوانين "المجرمة للرأي"، مثل قانون حماية الثورة. لأننا ننتقل الآن من الثورة إلى الدولة. وفي نفس الوقت يصبح وجود جهاز مثل "اللجان الثورية" لا معنى له في ظل الاعتراف بالرأي الآخر، والتوقف عن اعتباره جريمة، ومن ثم تنتفي أهم وظيفة تتذرع بها اللجان الثورية وهي مهمة حماية الثورة والدفاع عنها. وأعتبر صدور صحف مستقلة مثل "قورينا" و"أويا"، وفضائية "الليبية" المستقلة إضافة إلى المواقع الإصلاحية على الإنترنت خطوات حقيقية نحو تحقيق الانتقال بليبيا الغد من الثورة إلى الدولة. ويبقى من المهم أن تقنن وتيسر عملية إنشاء وسائل إعلامية مستقلة، فكما كتب الأستاذ إدريس بن الطيب أنه يرغب في إنشاء صحيفة مستقلة ويريد معرفة الطريقة التي تتيح له ذلك. ولن يتأتي تفعيل فكرة المنابر بدون تفعيل إنشاء الوسائل الإعلامية الحرة. * كيف ترسم صورة لما يحدث في الداخل؟ * من حسن حظنا أننا نعيش اليوم في عصر "القرية العالمية"، هذا المفهوم الذي كان حلما وخيالا علميا عندما قرأنا عنه في ستينيات القرن الماضي وكان يتحدث عنه المفكر الإعلامي الكندي المعروف مارشال ماكلوهان. ولذا فإنني برغم أنني أعيش في واشنطن على اتصال دائم بما يجري في الوطن سواء عن طريق مواقع الإنترنت الليبية في الداخل أو في الخارج. وعلى سبيل المثال فقد تابعنا باهتمام كبير وقائع المؤتمر الوطني الأول للسياسات العامة في ليبيا أولا بأول وكنا في موقع "منتدى ليبيا" أول من وضع كافة أوراق المؤتمر للقراء في العالم أجمع، وقد وجدت وقائع المؤتمر صدى كبيرا لدى القراء والمهتمين. كذلك نتواصل مع الداخل عن طريق الإيميل أو الهاتف أو بمتابعة ما تذيعه الفضائية الليبية، أو ما تتفضل به علينا الفضائيات العربية من ذكر لليبيا بين الحين والأخر. يضاف إلى ذلك أن وسيلة الاتصال الشخصي أصبحت متاحة الآن نتيجة للانفتاح، فقد بدأ الليبيون يزورون بلادهم وأخذ العديد من أهل الداخل يتوافدون على أوروبا وكندا بل وأمريكا أيضا. *ما هو تعليقك على الصراع الدائر رحاه بين الإصلاحيين والثوريين، وهل توافق الدكتور فتحي البعجة بأنه سيناريو؟ * عند الحديث عن اختلاف وجهات النظر بين دعاة الإصلاح والآخرين، ومع احترامي لآراء الدكتور فتحي البعجة، فإننا نجد أن هناك أكثر من جهة من الذين ينتقدون منهج الإصلاحيين: ففي الداخل نجد الثوريين الذين وفر لهم النظام السياسي الهيمنة على مقدرات البلاد طوال الحقبة الماضية، ومهما يرفع هؤلاء من شعاراتهم الثورية، أو يقسمون بالولاء لها فإن المواطن الليبي (وهو بالمناسبة مواطن دولة نفطية) عندما يقارن ظروف حياته بمواطني دول عربية نفطية أخرى يجد البون شاسعا بين رحابة العيش لدى مواطني دول منطقة الخليج العربي مثلا وبين شظف العيش الذي يكابده في بلاده. وفي آخر المطاف لم ير حياته تتطور إلى الأحسن بل إلى الأصعب والأسوأ، فصوته مغيب في المجال السياسي، والمشاركة الشكلية والمحدودة لبعض الأفراد لا تعكس إلا دليلا واضحا عن عدم قناعة المواطنين بجدوى الأشكال التنظيمية القائمة، وبعدم فعاليتها. ونظرة سريعة إلى حالة الوطن تنبئنا أن البنى التحتية متدنية، والخدمات الصحية والتعليمية تسير من سيء إلى أسوأ، ووضع المواطن الاقتصادي أنهكته القوانين الجائرة التي تتعامل معه كما لو كان مواطنا من الدرجة الثانية. ففي ليبيا نجد أن المستخدم الأجنبي يعامل بمستويات أرفع من المستخدم الوطني- وهذه بذاتها حالة غريبة- ومن العجيب أن بلدا مثل ليبيا، رغم قلة سكانه ودخله المتميز، لا يجد الخريجون فيه عملا للعديد من السنين. وأعتقد أن استمرار مرحلة هيمنة الثوريين على مقادير البلاد هي الآن في خطها التراجعي وستزول إن عاجلا أو آجلا. والجهة الثانية من أصحاب الموقف ضد دعاة الإصلاح تتمثل في بعض المعارضين الليبيين في الخارج الذين لا يعتقدون بإمكانية وجود حركة إصلاحية مع استمرار النظام الحالي لأن تركيبته لا تسمح بوجود حركة إصلاحية جادة. وفي هذا الموضوع فإنني أؤكد على استعداد الإصلاحيين في الخارج للتعاون في جعل الإصلاح السياسي في البلاد ممكناً، وأن دعاة الإصلاح على استعداد للمساهمة في تنفيذه إذا أتيحت لهم الظروف المناسبة لذلك، وتم الاعتراف بهم كطرف في العملية السياسية مثلهم مثل بقية أبناء الوطن. ويبقى الأمر في نظري عائدا إلى اختلاف في الرؤى، والتي نأمل أن توفر لها وسائل الإعلام الحرة والمستقلة المجال للتعبير عن آرائها وأطروحاتها، - مع العمل على تفعيل فكرة المنابر التي دعا إليها سيف الإسلام- وأعتقد أن كل الأطراف الفاعلة والراغبة في تنمية الوطن في حاجة إلى المشاركة الإيجابية. وعلينا أن نقولها بصراحة أن زمن الرأي الواحد قد ولى، وأن ليبيا في حاجة إلى جهد وفكر كل أبنائها مهما تعددت رؤاهم، ففي خدمة الوطن ولمصلحته فليتنافس المتنافسون. وأود أن أؤكد على رفض فكرة التمييز بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي، لأن العلة أساسا سياسية، وأنه لن يكون هناك أمل في حل إلا بعلاجها أولاً، فكل الجوانب الأخرى سوف تترتب بالضرورة على إعادة تصور الأسس السياسية للحكم في البلاد. * ما هي الأسئلة التي تود طرحها في هذه الأثناء؟ هل لك أسئلة عن الوطن والناس وبنغازي ؟ * إن الوطن يعيش معنا وينتقل معنا أينما كنا، وقد أعجبتني مقولة الدكتور محمد المفتي عندما كتب عن مفهوم "الوطن الذي يسكننا". وتضل بنغازي مدينتي القريبة إلى نفسي- رغم كل ما تعانيه من نقص، وما يعانيه سكانها من ظروف صعبة- فلي فيها ذكريات العمر التي تمثل كما قال شوقي وغنت فيروز وكذلك عبد الوهاب "والذكريات صدى السنين الحاكي". هل ستعود بنغازي إلى القيام بدورها في تفعيل قدرات أبنائها لتزيل أكوام الأتربة والأوساخ من الشوارع، ولترمم ما تهدم من بنايات المدينة القديمة ( لماذا لا يؤسس بعض الغيورين على بنغازي مثلا جمعية للمحافظة على إرثها التاريخي وصيانته). كيف يمكن أن تعود البسمة إلى شفاه أطفالها بعد مأساة فيروس الإيدز؟ إنني لا زلت مؤمنا بقدرة أبناء هذه المدينة (وكذلك أبناء ليبيا) على النهوض بها وتحويلها إلى مدينة تعيش في القرن الحادي والعشرين. ببحيراتها الجميلة التي لا عذر لنا في بقائها مليئة بالأوساخ وبالروائح الكريهة. وما أقوله عن بنغازي ينعكس بالضرورة على بقية مدن بلادي وقراها. * دعا محمد طرنيش المدير التنفيذي لجمعية حقوق الإنسان الليبية كافة الجاليات الليبية في الخارج إلى العودة للبلاد؟ وقابلت الجاليات الليبية هذه الدعوة بالحذر؟ لماذا ؟ * إن قضية عودة الليبيين من المهجر هي قضية سياسية في الدرجة الأولى، وأنه من قبيل الالتفاف على جوهر القضية اعتبارها قضية فردية شخصية، يمكن أن تحل عن طريق التسهيلات الإجرائية أو الإغراءات المادية لكل فرد على حدة. ولذا فعلى النظام أن يحسم موقفه من القضية بالاعتراف بأنها قضية سياسية، نشأت من مصادرة حرية الرأي والفكر والتعبير، ومن حرمان هؤلاء المهاجرين، بسبب آرائهم السياسية المختلفة مع رأي قائد النظام وتوجهاته في الحكم، ومن حقهم في الاختلاف وفي امتلاك الرأي ومن حريتهم في التعبير عنه. ولذا فإن الأساس في هذه القضية هو في القيام بخطوة جريئة تعيد الأمور إلى نصابها. فنحن جميعا في حاجة إلى فتح صفحة جديدة تنبني على احترام حق الإنسان في التعبير عن رأيه وعن حقه في الاختلاف، ويحضرني هنا قول أود التأكيد عليه: "لقد أراد الله ألا يكون واحدا سواه، أما ما عداه فهو متنوع بطبعه"
أي
أن التعدد والتنوع لدى الناس هو الأصل في الأشياء، وقد فشلت كل الفلسفات التي
حاولت
أن تقولب الناس على قالب واحد. لذا فإنني في الوقت الذي أحيي فيه الأستاذ
محمد
طرنيش على دعوته أود أن أوجه له دعوة بأن يرفع من سقف هذه الدعوة إلى الليبيين
كأفراد وأن يخرج ويلتقي بالليبيين في مؤتمر عام تناقش فيه كافة القضايا من أجل
الوصول إلى الرأي الذي يتيح لأبناء ليبيا وكثير منهم يمثلون خبرات هامة من المشاركة
بآرائهم الحرة في حركة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
* إضافة إلى ما ذكرته أحب أن أؤكد أن القرار في مثل هذه القضايا يتطلب بأن تعالج معالجة سليمة وذلك بجعلها قضية وطنية، فالجاليات الليبية في الخارج تمثل لليبيا رصيدا رائعا من الخبرات العلمية والفنية إضافة إلى كون هذه الجاليات أصبحت لها مكانتها في بلاد المهجر – ولعل نموذج حصول الدكتور عاشور جبريل على وسام ملكة بريطانيا لخدماته الإنسانية- يمثل عينة من هؤلاء الليبيين المتميزين. وأعتقد أن فرصة الاستفادة من هذا الرصيد الكبير قائمة إذا ما توصلت البلاد إلى حل الأزمة السياسية القائمة، والتي أعتقد أن بوادرها باتت تلوح في الأفق، فما فكرة المنابر إلا تعبيرا عن القبول بتعدد الآراء والأفكار. وأقترح على المؤسسات الفاعلة في البلد الاهتمام بالجيل الجديد من أبناء المهاجرين الذين هم في حاجة إلى الشعور بأن ليبيا فعلا تريد أن تراهم ناجحين في مجالاتهم العلمية والمهنية، وأن نجاحهم نجاح لليبيا. وأن ليبيا مستعدة لدعمهم في دراستهم ونشاطهم، وهذا أيضا بالإمكان وضعه ضمن إطار تحرك سليم مبني على الاعتراف بأن المواطنة لا تعني القبول بالنمطية المحددة الملامح، بل إن الوطن يفتح ذراعيه للجميع، وأن خيرات الوطن هي أيضا للجميع وليست مقتصرة على فئة معينة. ولعل عقد لقاءات مع شباب هذه الجاليات للاستماع إلى آرائهم لإشعارهم بأن هذا الوطن لا يفرط في أغلى ثروة لديه ألا وهو الإنسان.
*أستاذ
علي ماذا يعني لك هذا الوطن؟ وهل ضاقت مساحته حتى
خرجت
منه؟ *نود منك بكل صراحة أن تكشف لنا عن أي اتصالات معك للتعجيل بالعودة والاستقرار في الوطن؟ وهل تفكر في الرجوع بعد كل هذه الأعوام بعيداً عن ليبيا؟ * ليس هناك أية اتصالات بغرض التعجيل بالعودة والاستقرار بالوطن. وكما ذكرت سابقا نحن نعيش مع الوطن وأحداثه كل يوم، ونعمل من خلال مواقعنا في المنتدى على معالجة قضايا الوطن وعلى تثقيف الناس بالديمقراطية وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني، ونحن نتواصل مع عدد من نشطاء الإصلاح في الداخل الذين نرفع لهم التحية على جهودهم المقدامة وعلى مبادراتهم لإيجاد مناخ يسمح بتفاعل الآراء وإثرائها. ونأمل أن نتمكن قريبا من تأسيس مقر داخل الوطن "لمنتدى ليبيا للتنمية البشرية والسياسية" الذي أردناه أن يكون "Think Tank " أي بيت خبرة، هدفه دراسة الأوضاع في ليبيا وتثقيف الليبيين وإذا ما انفتح المجال سنسعى لإقامة الدورات التأهيلية في فنون الاتصال والإدارة والقيادة. ولذا فإن التعجيل بتغيير القانون الخاص بإنشاء الجمعيات الأهلية سيفتح الباب أمام العديد من أبناء الوطن الذين يرغبون في تفعيل المجتمع ومؤسساته. (وأذكر أننا كنا في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينيات من القرن الماضي نقوم بالعديد من الأنشطة في المدينة عن طريق اللجان الثقافية والاجتماعية في النوادي الرياضية، وكان هناك أسبوعا كاملا من النشاط كان يطلق عليه أسبوع النشاط المتكامل، وأذكر أن من بين أنشطته حملات لتنظيف الأحياء، وتنظيم المعارض الفنية، ومعارض للكتب، وتقديم المسرحيات، وغيرها من الأنشطة، وكان التنافس على أشده بين أعضاء هذه النوادي). وتبقى روح الإنسان متعلقة بوطنه وبأناسه ولن تجد السعادة إلا إذا استقرت فيه. *نود منك أن تحدثنا عن مشاكل المهجر؟ وهل تعتقد أن الدولة جادة في إغلاق هذا الملف الشائك؟ * مشاكل الليبيين في المهجر كثيرة، أولا لأن الليبيين لم يتعودا على الهجرة، وليبيا لم يعرف عنها أنها من المجتمعات الطاردة لسكانها، والهجرات السابقة كان الليبيون مضطرين لها بسبب الاستعمار. أما الهجرة الليبية الحديثة فسببها الأساس يكمن في الحظر على حرية التعبير وانعدام القبول بالرأي الآخر. وقد عانى المهاجرون الليبيون كثيرا بسبب قلة الخبرة في الهجرة، وصعوبة التكيف مع متطلبات الحياة في المجتمعات الجديدة. ومن أمثلة هذه المشاكل التي عاناها المهاجرون: التدرب على أخذ الاحتياطات الأمنية، خصوصا بعد مقتل عدد من الليبيين في الخارج على أيدي عناصر اللجان الثورية. وهناك مشكلة نقص الموارد المالية لاستكمال الدراسة، أولا للوالدين ثم للأبناء، والسعي من أجل ترتيب أوضاع الإقامة القانونية، ثم قضية البحث عن العمل، إضافة إلى صعوبة تربية الأولاد وصعوبة تعليمهم وتثقيفهم واستثمار الفرص وإيجاد المناسبات لربطهم بالوطن وبالدين وباللغة، وقد ازدادت صعوبة الأمر عندما كبر الأولاد ووصلوا لسن الدراسة الجامعية. مع العلم أن الجاليات الأخرى لديها العديد من البرامج التي تقوم بها بلدانها الأصلية، كما أنها تمد مؤسسات الجالية وتوفر لها الإمكانيات، بينما الجاليات الليبية كانت ولا زالت تعمل في ظروف غير عادية (أمنية ومادية). أما هل الدولة جادة في إغلاق هذا الملف فهو سؤال حري بالدولة أن تجيب عليه. ولو أنني أحسب أن الدولة الليبية تريد إغلاق هذا الملف بمحاولة الدوران حوله بدلا من الدخول فيه مباشرة، وهي فرصة جيدة لإعادة التأكيد على أن جوهر قضية عودة الليبيين من المهجر أنها قضية سياسية، وأنه يجب عدم التعامل معها باعتبارها قضية فردية شخصية، يمكن أن تحل عن طريق التسهيلات الإجرائية أو الإغراءات المادية. ولذا فعلى النظام أن يحسم موقفه من القضية بالاعتراف بأنها قضية سياسية، نشأت من مصادرة حرية الرأي والفكر والتعبير، ومن حرمان هؤلاء المهاجرين، بسبب آرائهم السياسية المختلفة مع رأي قائد النظام وتوجهاته في الحكم، ومن حقهم في الاختلاف وفي امتلاك الرأي ومن حريتهم في التعبير عنه بالوسائل السلمية. *وماهي الخطوات التي على أجهزة الدولة القيام بها في سبيل إيجاد حلول لهذه القضية؟ * أعتقد أن الخطوة الأولى التي قامت بها الدولة في إيجاد أمانة خاصة بشؤون المغتربين الليبيين كانت خطوة إيجابية. الآن على الدولة أن تقوم بخطوات أخرى منها الاعتراف بأن حق الليبيين، كل الليبيين في إبداء الرأي أمر مشروع بل ومحمود ومطلوب. فالمجتمعات البشرية خلقها الله ووضع فيها خاصية التنوع والتعدد، والقرآن يذكرنا بأن: "اختلاف الألسنة والألوان هو من آيات الله في الخلق" وجعل الله قضية الإيمان به لا تقبل إلا بحرية الاختيار، مما يعني أن المجتمع البشري السوي لا يمكنه أن يكون أحادي النظرة. ولا يقبل عقلا أن يجبر الناس على قبول أي رأي بالإكراه. والخطوة الأخرى هي رد المظالم، ولا يكون ذلك إلا بإيجاد صيغة مشابهة " لهيئة الإنصاف والمصالحة" التي أنشأها المغرب على نمط لجنة "الحقيقة والمصالحة" التي أنشأتها جنوب أفريقيا بعد التخلص من النظام العنصري، وذلك لكشف ما حصل من مظالم ضد المواطنين والعمل على حلها سلميا وبالتراضي بين الناس. فمثل هذه الهيئة ستتيح لليبيين التعامل مع سنوات الظروف الصعبة بروح كشف الحقائق وعرضها أمام الشمس أو كما نقول بلهجتنا الليبية "بط الدمالة" ليس بغرض الانتقام والتشفي ممن قاموا بانتهاكات لحقوق المواطنين وإنما بغرض تعريضها للشمس ليتمكن المجتمع من التخلص من جراثيمها. على أن تقوم الدولة بتعويض المتضررين عما أصابهم من أضرار مادية ونفسية. * ولماذا هذا الاهتمام بهذا الملف هل في اعتقادك لتداعيات دولية وسياسات إقليمية؟ * برغم كوننا أصبحنا نعيش في عصر "العولمة" الذي أصبحت فيه قضايا حقوق الإنسان أينما وجد تأخذ حيزها من الاهتمام من المؤسسات العالمية المهتمة بها مثل "هيئة العفو الدولية" و"هيئة مراقبة حقوق الإنسان" و"هيئة حقوق الإنسان أولا"، إلا أنني أعتبر أن الدول المتحضرة اليوم بدأت تعي أهمية رعاية حقوق مواطنيها وتهيئ لهم السبل لحماية حقوقهم حتى وهم خارج حدود أوطانهم، فأعتقد أن العاملين الداخلي والخارجي (الدولي) يكملان بعضهما البعض في قضية الاهتمام بهذا الملف. *هل حان الوقت للتسامح من أجل الوطن للجميع ؟ * أعتقد أننا قد تأخرنا كثيرا في اتخاذ الخطوات المطلوبة لنشر ثقافة "عفا الله عما سلف"، ثقافة التسامح التي تمثل درجة عالية من السمو الحضاري، فالقرآن الكريم يقول "فمن عفا وأصلح فأجره على الله"، والرسول الكريم عندما فتح مكة ظن سكانها وخصوصا من قريش الذين ناصبوه العداء وآذوه عندما كان في مكة ثم قاتلوه في عدد من المرات أنهم قد وقعوا في قبضته وأنه سينتقم للمظالم التي قاموا بها ضده وضد المسلمين. ولكنه سن لنا السنة الحميدة في نشر ثقافة التسامح عندما قال لقريش "اذهبوا فأنتم الطلقاء". وليبيا الغد بل وأقول ليبيا اليوم في حاجة لكل أبنائها وبناتها. ولكن هذا الموقف لا يمكن أن يكون موقفا عاطفيا فقط، بل على ليبيا أن تشرّع فكرة المصالحة وأن تقوم بحملة وطنية شاملة لنشر ثقافة التسامح وروح المواطنة. ولن يكون هذا ممكنا بدون إطلاق الحريات العامة لجميع المواطنين؛ فمن حرية التعبير إلى حرية تكوين مؤسسات المجتمع المدني إلى حرية الحركة والتنقل لأن الإنسان الحر بإمكانه أن يبدع أينما كان. ولا ننسى أن الوطن في حاجة إلى أن يشعر أن هناك عدل في المعاملة بين المواطنين، وعدل في توزيع خيرات الوطن على الجميع . وعندما يجد المواطن أن القانون يحمي "دينه وعرضه وماله وعقله ونسله" وأن حقه في التنعم بخيرات بلاده محفوظ له مثله مثل أي فرد آخر، وأن القانون يأخذ على يد المفسد والمسيء بغض النظر عمن هو، وأن الإنسان برئ حتى تثبت الأدلة إدانته في قضاء مستقل لا تتحكم فيه السلطة التنفيذية. عندما يشعر المواطنون بأنهم شركاء في هذا الوطن وأنهم مسؤولون على إقامة الحكم الرشيد فيه، عندئذ نكون قد أعلنا التسامح في ليبيا فعلا لا قولا.
الخبرة العملية:
|