Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
نكــران الجميـل

 

 

 

 





المعارضة اللـّيبيّـة

بين ظاهرتي الدّمـج والتـّـفتت


إذا صدقنا بأن "المؤتمر الوطني الأول" "للمعارضة الليبية"، والذي عقد بالعاصمة البريطانية لندن في بداية صيف 2005 كان يزعم منظموه بأنه كان نقلة نوعية وحقيقية في عمل تلك "المعارضة"، بما أوجده من مساحة واسعة للتفاهم الوطني العام بين فصائلها، أو على الأقل تلك التي حضرته، وسعت لكي تكون نواة استقطاب لكافة قوى "المعارضة" بالمهجر. ومن ثم فإن "المؤتمر" حسب الزعم السابق، أرسى البداية الموضوعية لتحديد الغايات المشتركة لتلك القوى، وبداية التوحد التنظيمي تحت مظلة ما يسمى "المؤتمر الوطني" كصيغة سياسية - تنظيمية جديدة. ولذا فمن المنطقي أن يناط بالمؤتمر الثاني المقرر عقده بعد يومين وتحديداً في الفترة ما بين 29 - 30 مارس 2008 في نفس المكان أيضاً، بلورة وتأطير الأسس الحاكمة تلك ما كان يزعم بأنه نقلة نوعية في عمل مؤسسي جاد وجامع لفصائل "المعارضة"، بحيث تخرج بعده بصوتاً واحداً في مواجهة نظام رسمي موحد القوى.

غير أن واقع الحال قبل ساعات من عقد "المؤتمر الثاني" لا ينبئ عن توقع تلك الغاية، أنه لا منطق يحكم سلوك "المعارضة الليبية" في الخارج، باتت مسألة توحيد "المعارضة الليبية" في هيكل تنظيمي واحد، يكون له برنامجه السياسي الحاكم الذي ينهي حالة التشتت التي تُعانيها بعد رحليها عن ليبيا للمهجر منذ عقود، أصعب مما كان عليه الحال قبل "المؤتمر الأول". وهو ما يحمل في طياته تأجيلاً ولأجل غير مسمى لقضية إصلاح أوضاع "المعارضة"، والتي تتركز في قضيتي: الجدل بين الوحدة والتفتت؛ وعدم وجود قواسم مشتركة بين فصائلها تحدد لها رؤية التغيير المنشود، إذ كان هذا هو الهدف فعلاً الذي تسعى إليه.  

فعوضاً عن الاستفادة من وفرات القوة والنفوذ اللتين يبلورهما التوحد التنظيمي والفكري تحت مظلة "المؤتمر الوطني"، فإنه يمكن أن يؤرخ لتلك الصيغة المقترحة "والمؤتمر الثاني" كبداية للتفسخ داخل تلك "المعارضة"، وتجلى مساحة الاحتراب الداخلي حول النفوذ والمكانة، في وضعية بعيدة عن المصالح الحقيقية، لكونها لا تملك أصول Assets يمكن التصارع عليها في المهجر، باستثناء الدعم المالي الذي يأتيها من بعض أجهزة الاستخبارات الغربية والعربية، والذي شح حالياً.. فما هو عليه الحال، إذا لا قدر الله وصلت تلك "المعارضة" للسلطة داخل ليبيا، وكان تحت أيديها أصول وقيم حقيقية تغرى للتنازع والصراع الحقيقي عليها..!!

لا داعي كثيراً لإجهاد العقل في المقاربة النظرية بين الحالتين: الشتات والعودة، إذ يكفي رؤية الحال الذي وصلت إليه الأوضاع داخل الكثير من البلدان التي استطاعت فيه "معارضة الخارج" الوصول للسلطة بدعم خارجي قوى، وليس العراق وأفغانستان ببعيدة عنا بهذا السياق. وتحديداً العراق الذي صكت "المعارضة الخارجية" فيه صيغة "المؤتمر الوطني" كإطار جمعي لبعض فصائل "المعارضة العراقية" قبل وصولها للسلطة، والمآل الذي انتهت إليه تلك الصيغة بعد الوصول للسلطة.

نعود إلى "مؤتمرها الليبي"، إذ شهدت الإجراءات المؤدية لعقد دورته الثانية بلندن، شيوع حالة عامة من الانقسام والتفسخ السياسي - التنظيمي داخل صفوف "المعارضة"، على أرضية انهيار صيغة التوافق السياسي الوطني التي ارتضتها تلك الفصائل "بالمؤتمر الأول". وهو الانهيار الذي أن عكس شيء، فإنه يعكس عدم قدرة "هؤلاء الرؤوس" على الارتقاء على خلافاتهم الشخصية ورغبتهم في الاستحواذ وتوجيه مسار عمل "المؤتمر الوطني" وفقأ لأجندتهم الخاصة. بدت تلك الحالة من التفتت والتفسخ الداخلي داخل تيار "المعارضة" في انسحاب ثلاثة قوى "معارضة" ورفضها حضور اجتماع لندن هي: (حزب الحفرة) عفواً الحركة الوطنية الليبية؛ (تجمع أبوالغشة الأُسري) عفواً التجمع الجمهوري من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ (جبهة الألغاز) عفواً الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، وإذا أضيف إليهم "التجمع الإسلامي الليبي" الذي انسحب من تيار "المعارضة" بالخارج، برمته قرر المصالحة الوطنية والانخراط في العمل السياسي الداخلي، و(التخالف الوطني الليبي) عفواً "التحالف الوطني الليبي" الذي أعلن عن حله مؤخراً.. فماذا بقى إذن من قوى معارضة يمكن أن تّدعي أنها تمثل الإجماع الوطني بالخارج، استناداً لمبدأ التوافق الوطني المزعوم.

وآياً كانت حقيقية الاتهامات المتبادلة التي شاعت داخل المواقع الإلكترونية الليبية، فلكل طرف من تلك الأطراف الحق الأصيل في الادعاء بما شاء من تبريرات لحضور المؤتمر أو الانسحاب منه، غير أن النتيجة النهائية واحدة، هي فشل صيغة "المؤتمر الوطني" كإطار جمعي لقوى "المعارضة" بالخارج، في انتكاسة جديدة لفكرة توحد واندماج "المعارضة" تحت مظلة سياسية واحدة، تكون لها القدرة الموضوعية على الحشد والتعبئة بالإضافة لوفرات الاندماج المؤسسي - التنظيمي، مما يعطيها ثقل أكبر في معادلتي: الصراع أو التفاوض السياسي.

ويصبح بعدها السؤال.. إذا لم تتعلم تلك "المعارضة" من طول خبرة تشتتها بالخارج، والتي قاربت العقود الأربعة مقتضيات وضرورة التوحد التنظيمي.. فمتى إذن يمكن أن تقتنع بتلك الضرورة، هل بعد أربعة عقود زمنية أخرى قادمة..!!  ولذا فإن النتيجة التي ُمكن أن يستخلصها المرء أن إمكانية الوحدة، واندماج "المعارضة" في هيكل مؤسسي واحد هو نوع من الوهم وخداع الذات، وبات "المؤتمر الثاني" أقرب للفشل منه إلى النجاح. إذ سوف يجسد لتلك الحالة المزرية بشكل غير مسبوق من قبل.

هذا التشتت، بات سمة لصيقة وملازمة لتطور "المعارضة الليبية" التي يحلو تسميتها بالمهجر، للاستفادة من الإيحاءات التي يوفرها هذا المفهوم. وضمن هذا السياق لآبد من التفرقة ما بين سيمتي التشتت Fragmentation والتعددية Plurality التي ربما يحاجج به البعض لتوصيف حال "المعارضة الليبية" بالخارج.

فالتشتت حسب التوصيف الاصطلاحي، هو افتقاد الوحدة المركزية الحاكمة للمكونات الرئيسة للظاهرة، وتبعثرها لتيارات وتنظيمات تفتقد السمة الجامعة لها، بعكس التعددية التي هي حسب ذات التوصيف تشير لعدم وجود نواة مركزية حاكمة لمكونات الظاهرة، ولكنها تخضع لتفاهم وتوافق عام يصعب تجاوزه، بصورة غير مرئية ولكنها موضع احترام وتقدير من الجميع. وما تعانيه "المعارضة الليبية"           في الخارج هو تشتت وليس تعددية. إذ كان يمكن لها أن تنجح في تشكيل          "المؤتمر الوطني المعارض" كنواة وقوة استقطاب، تمارس تحته التعددية التي تريدها، عوضاً عن التشرذم والتشتت التي تبدو عليه حالياً، إذا كانت فعلاً تعبيراً عن تعددية وليس تفتت وتشتت

إذا كان "المؤتمر الأول" قد أفرز لنا صيغة يزعم أنه "التوافق الوطني" التي لم تلزم أحد بعده بها، بعد انتهاء نشوة التوصل إليه، بسبب الغموض المتعمد فيها لترحيل الخلافات، فإن "المؤتمر الثاني" سوف يكرر انقسام أكثر خطورة من مثيله السياسي، يجري التمهيد له بشكل تخريبي ومتعمد، يمكن أن يثير في طياته النعرات الداخلية على نحو مُقوض للأسس الوطنية التي قامت عليها الدولة الليبية الحديثة. فالمؤتمر يعقد جلساته وسط شيوع ثلاثة ظواهر مؤثرة داخله هي:

? الظاهرة الأولى: وهي ظاهرة تزايد عدد المستقلين، الذين طغى تأثير وجودهم داخل تيار "المعارضة الليبية" على تأثير المؤسسية والعمل التنظيمي. وهي الظاهرة التي تحمل في طياتها إفلاساً لفكرة مؤسسية "المعارضة" في الخارج. وقد بدت تلك النزعة خلال الاجتماعات التي عقدتها اللجنة التحضيرية "للمؤتمر الثاني"، وهيمنة العنصر الفردي عليها مقابل العمل التنظيمي، فبعض المنظمات التي انسحبت من المشاركة في "المؤتمر الثاني"، استمر ممثليها في حضور جلسات الاجتماعات التحضيرية والإعداد لجدول أعمال المؤتمر في تحدي واضح لكافة الأعراف المتعارف عليها في هذا السياق، وتحديداً ممثلي (جبهة الألغاز).

 ? الظاهرة الثانية: هي ظاهرة إعادة تصنيف "المعارضة" وتياراتها المختلفة، استناداً إلى انتماءات أقطابها السياسيين حسب التجمعات الجيو - سياسية داخل ليبيا، حيث بدأت تتعالي صيحات من قبيل معارضي برقة، أو طرابلس أو فزان أو الأمازيغ.. وكل يحاول الادعاء بأنه الممثل أو المتحدث باسم السكان أو القبائل في كل منطقة ليبية بعينها.

? الظاهرة الثالثة: هي ظاهرة بعث الانتماءات الأولية داخل صفوف "المعارضة" وتياراتها المختلفة، إذ بدأ العديد يتحدث عن فصائل "المعارضة العربية"، "فصائل المعارضة الإفريقية"، "وفصائل المعارضة الأمازيغية"، والحمد الله أنه لم يكن داخل ليبيا طائفة كبيرة مسيحية، إلا تم تصنيف "المعارضة" ما بين معارضة مسلمة وأخرى مسيحية. وكل من هذه الجماعات التي لا تتجاوز العشرات ربما أقل تُدعي أحقية تمثيلها للجماعات العرقية التي تنتمي إليها والتحدث باسمها داخل تيار "المعارضة" وخارجها تجاه الآخرين، المؤتمر الوطني للأمازيغية الذي يدعى تمثيله للشريحة الأمازيغية الليبية هو تجسيداً لتلك الحالة التي نتحدث عنها.

"فالمعارضة" التي فشلت، في بلورة بديل جاد وحقيقي، وفشلت في التوحد والاندماج تحت مظلة تنظيمية واحدة، وكان أخر صيغها "المؤتمر الوطني"، فشلت أيضاً في تدعيم سمات المواطنة الواحدة داخل صفوفها في الخارج. وعوضاً عن الحديث عن دعم فكر المواطنة وبناء الدولة الحديثة داخل ليبيا، أو بناء تنظيم معارض يعلي من تلك القيم ويضم ممثلين عن شرائح المجتمع الليبي، اندفعت بقوة نحو إعادة إنتاج التباينات العرقية والمذهبية والجغرافية بين فصائلها في الخارج، وتمهيداً لاستقطاب شرائح الشعب في الداخل خلف تلك النعرات والانتماءات التي لا صلها له بفكرة الحداثة السياسية.

والخطير في هذا المشهد أنه يذكرنا بالمشهد العراقي حيث تمحور كل فصيل معارض وراء انتماءاته الأولية في حشد الدعم والمساندة سواء الخارجية أو الداخلية، وكانت الدولة العراقية الحديثة هي الضحية الوحيدة لعملية الاحتراب والتناحر بين الطوائف العراقية. فهل تريدون لليبيا أن تلقى نفس المصير الذي عاناه ومازال الشعب والدولة في العراق يُعانيه..!!                               

د. يوسف أمين شاكير


 

 

 

 

Home
Up