Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
ورقة التوت

 

 

 

 





نكــران الجميـل


أعلمـه الرماية كل يوم

فلما اشتد ساعده رماني

وكم علمته نظم القوافي

فلمـا نظم قافية هجاني

تدور هذه الكلمات برأسي كلما امتلأ هذا الرأس بمواقف الناكرين للجميل وعباراتهم التي يدافعون بها عن أنفسهم، والتي لا تعدوا كونها حججا دامغة علي ممارسة تعيبها كل نفس حرة أبية .

نكران الجميل: مهما كان هذا الجميل هو في أبسط صوره عجز عن العطاء، أو بأبسط تعريف هو عجز عن رد هذا الجميل ولو حتى بشكل رمزي، ولو بابتسامة كأضعف الإيمان  أن تكون عاجزا عن رد الجميل لأسباب خارجة عن إرادتك الطبيعية، خارجة عن حدود قدرتك التي وهبك الله إياها فذلك شيء، أما أن تكون قادرا علي رد جميل تدثرت به طويلا حتى أصبحت جزءا منه، بدل أن ترده أو حتى تحاول ليكون لك شرف المحاولة، تقوم بنكرانه كأن لم يكن فهل تدري أنك بهذا الفعل تسلخ جلدك الآدمي وكأنك في قرارة نفسك تُعرف العمل الصالح بأنه الرفض المطلق لكل أشكاله، وأنا هنا لا أعرف الخطيئة علي رأي جُوته، وإنما أحاول الابتعاد عنها، لكن ناكر المعروف أي معروف يكاد يجعل من الخطيئة رفضا مطلقا يطال الأعماق السحيقة في نفسه، كيف لا وهو يقابل الإحسان بالجحود، العفو بالظلم، الحسنة بالسيئة، لكن الأيام دول وإن سرته صورته في جدول الماء، فغروب عاجل أو نضوب آجل، وفي كلاهما الكفاية لنرجس العهد الجديد.

تربي الأم ابنها في سعادة وحنو بالغ تعطيه بلا رجاء في مقابل، تمنحه بلا طمع في مردود تسهر عليه تكابد من أجلة ما يعجز عن تحمله الرجال، تفعل كل ذلك فقط لأن الأمومة بداخلها تعني رسالة عظيمة تقتضي العطاء والبذل، وفي المقابل يكبر الابن ، وإذا به هو صاحب القرار والصوت الأضخم الجاحد ، لقد تناسي كل شيء وكأن كل تلك التضحيات من الأم كانت مجرد وظيفة روتينية.

يقدم الوطن لأبنائه شروط الحياة الكريمة، يتعهدهم بالرعاية والحرص علي أن يكونوا بناة مهرة للمستقبل مستقبلهم، يزودهم بأنواع المعارف التي يتلقونها في شتي ميادين التعليم، يغرس في نفوسهم محبته ومحبة الأرض التي ولدوا عليها، يطمئن علي أن بذرة الإخلاص فيهم لن تموت وأن جذوة الوفاء فيهم لن تخمد،  وأن ما يقدمه لهم ما هو إلا أمانة من جيل لآخر ليستمر الوطن ويزدهر، وليتعلم أبناؤه كيف يكون الدفاع عنه وعن رموزه سبيلا للخلود  تهون من أجله الروح، فكيف بالنفس التي تربت في وطن كهذا أن تُنكر جميله إن الحيرة لا تكون إلا في الخروج عن المألوف أو الخروج عن طبيعة الشيء فكيف بالشذوذ الذي تستهجنه كل الملل علي اختلاف مشاربها ، إني بناكر الجميل وقد ألف هذا الصنيع يتناقض مع نفسه حين يعيب علي الآخر أن ينكر جميلا سابقا ربما أسداه قبل أن يجنده شيطان الإنكار ولسان حاله المثل البرتغالي – ما كان احتماله صعبا أصبحت ذكراه عذبة.

في كل القبائل والحضارات والأعراق في تراثها وموروثها وأساطيرها وقانونها الاجتماعي مهما كان هذا القانون بدائيا، فإنك تجده قد أفرد بندا عقابيا لناكر المظلة الاجتماعية التي حمته منذ صغره حتى اشتد عوده، وتحاول من خلال ذلك العقاب أن يكون وسيلة فعالة لردع المذنب وبالتالي ردع كل من يحاول أن يقلد ذلك التصرف الذي يسيء للمنظومة الاجتماعية بأكملها ويجعل من العرف السائد عرفا هجينا متى استفحل فيه ذلك الطاعون المدمر طاعون الإنكار.

إن المقولة القديمة القائلة بأن ناكر الجميل صديق جيد لأنه يطعن من الأمام وليس من الخلف هي إشارة مبطنة إلى إنه يكاد يكون صنوا للغدر، بيد أن هذا الفعل الذي يأتي مواجهة يوجه غالبا لأقرب الأقربين وعلي نهج – الأقربون أولي بالمعروف - بطريقة ناكر المعروف الخاصة التي يُحاول من خلالها إرسال رسالة خاصة مفادها أن الخير لم يُثمر وأن بذرة الشر فيه كانت أقوي نازعا من بذرة الخير، وأن سلوكه لا يعدوا كونه تصرفا عاديا لأنه أعجز من أن يُدين بخير لأحد.

إذا كانت الذاكرة هي المكان الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يطردنا منه، فإنها أيضا قد تستحيل جحيما نود جميعا الهروب منه، وما دامت هناك أوقات نود فيها الهروب حتى من ذاكرتنا، فكيف لا تكون هناك أوقات للخروج من مئذنة الصمت لنشير بإصبع الإدانة لا الاتهام، ونطبق بدليل الإدانة علي فاعل لا يستحي في فعله من نفسه فكيف يستحي من ضحيته، لو جاز لنا أن نسمي المتأمل خيرا من ناكر الجميل ضحية لخيبة الأمل الخلب وهو الذي مد يده عونا عند الحاجة لكن صاحبنا غل يده إلي عنقه لما جاء الدور عليه.

إذا يجب أن لا نستغرب الظل القاصر لشجرة الخير في نفسه، مادام هذا الظل قصر أن يطول أهله بالخير الذي اجتث جذوره عسى أن يزرعها بطريقة جديدة في مكان جديد يليق بوضعه الجديد، لكن تبقي الأرض الغريبة عاجزة عن احتضان الغريب مهما كانت خصبة ومهما حاول ذلك الغريب التوافق معها فالاختلاف يبقي بينا، لأنه اختلاف في الجوهر والمضمون لا في المظهر الخارجي الذي يُحاول صاحبنا أن يجعله براقا بما يكفي ليُخفي عنوان حقيقته القديمة – ليس كل ما يلمع ذهبا.

في هذه اللحظات التي اجمع فيها كل الليبيون علي لم شتات أمرهم والتفرغ للبناء الداخلي بعد أن قضت ليبيا زهاء ثلاثة عقود من الزمن وهي تساق من معركة إلي أخري دون أن تعطي لها فرصة لالتقاط الأنفاس، في هذه اللحظات التي أدركنا فيها جميعا أن البنية التحية هزيلة وأن نظمنا التعليمية والصحية والإدارية تحتاج لإعادة نظر جذرية وصاحب هذا الإدراك وعيا جماعيا بضرورة تجاوز المرحلة الفائتة وبأقصر السبل دون ضجيج وفي الخضم استبشر الجميع خيرا وعم تفاءل غذته الخطوات المتلاحقة لإصلاح ذات البين وتجاوز إخفاقات الواقع ويلاحظ الزائر إلي ليبيا هذه الأيام سعي وتحمس الجميع لليبيا الغد التي يريدها الكل مغايرة عن  ما عهدناه.

في هذا الخضم الذي يلاقي توافقا وإجماعا من كافة الفئات لما لمسوه من جدية و حرص المسئولين ودليلهم علي ذلك الخطوات المعاشة علي ارض الواقع، في هذا الخضم فإني أرى أنه من الإجحاف ونكران الجميل التغريد خارج السرب ومحاولة عرقلة التوجه العام بوضع العراقيل و الالتفاف علي المكتسبات التي لمسها الجميع لمس اليد و ليس شعارات كما يروج لها الناكرون.

في هذا الوقت الذي أحوج ما يكون فيه الوطن إلى رص الصفوف وتلاحم الجميع للبناء فإننا نسمع بين الفينة والأخرى عن جوقة تغرد نشازا بعيد عن توجهات الجميع والادهي والانكي أنها تسعي وبإصرار محموم لتتفيه وعرقلة المسيرة. أن يعارض المرء سياسات بعينها بحجج وأسانيد مقنعة فذاك حق طبيعي كفلته كافة المواثيق و الأعراف والقوانين و لكن الهجوم علي الأشخاص والتجريح والنزول إلي لغة السوقة كالسباب والشتائم والخروج عن أصول اللياقة وفوق ذلك التنكر لميراث ثلاثة عقود من الممارسة السياسية الواعية والتي يسيء فهمها القاصرون عن جهل أو يتنكر لها العالمون لنية سوء مبيتة، فهل ظن هؤلاء المتقولون أن المكانة الجيوبوليتيكية الدولية التي تحتلها ليبيا علي الساحة الدولية والتي جعلت منها ابرز لاعب في الشرق الأوسط و العالم الثالث قاطبة، هل ظن هؤلاء المتقولون أنها بلا ثمن أو أنها هبة من السماء دون معاناة.................

أن تكون صنوا و ندا لا يستهان به علي المسرح السياسي العالمي وفي زمن قياسي تلك مهارة لا يجيدها إلا القلة من الأفذاذ ورجالات التاريخ التي تستلهم التاريخ بوعي وتبصر وتمتلك حسا استشرافيا منقطع النظير.

هل ظن هؤلاء المتقولون أن الأمن والآمان التي تحظي بهما ليبيا جاء من غير ثمن؟

هل وهل وعشرات ال هل هذه تعطي مؤشرات واضحة الدلالة علي أن ليبيا قد حققت ما عجز الآخرون عن تحقيقه مع فارق الإمكانيات.

·  مكانة سامقة علي الساحة الدولية تجعل من ليبيا احدي موازين القوي مما يعزز من مكانتها ويجعلها اقدر على المساهمة في توفير السلم والأمن الدوليين.

·  حضور وتقبل دوليين لليبيا لا يتناسب مع إمكانياتها المادية المحدودة ولا عدد سكانها الصغير!

·  المحافظة علي المخزون الاحتياطي النقدي وكذا ترشيد استهلاك الثروات الطبيعية الشيء الذي يجعل من ليبيا قادرة وفي زمن قياسي علي توفير الرساميل الضرورية لانطلاق نهضة تنموية غير مسبوقة وفي زمن قياسي.

·       العقود الماضية قد هيئت الإنسان الليبي لولوج عالم التقانة ومن أوسع أبوابها.

كل ذلك هل ظن المتقولون أنه يأتي وبلا ثمن ورغم أن الثمن في ليبيا لم يكن بذاك الباهظ أو الذي لا يستأهل.

والصحيح انه في هذه اللحظات التي تشكل منعطفا تاريخيا حادا ستؤسس لما بعدها أن يتكاتف الجميع لبناء الوطن لا أن نضع العراقيل ونتفه السياسات المتبعة.

ولعل من أفظع أنواع نكران الجميل (جميل الوطن) أن نتنكر له في اللحظة التي يحتاج فيها لجهد الجميع.

في هذا السياق تأتي محاولة ثلة من المعارضين الليبيين في الخارج إلى عقد مؤتمرا لهم في لندن وقاموا منذ برهة إلي تتفيه وتمييع التوجهات الحالية ولي عنق الحقيقة والافتئات على الحقيقة وتزوير الوقائع كل هذه الخطوات تندرج ضمن عقوق الوطن واقسي صور نكران جميل الوطن الذي تكلل ديونه أعناق الجميع.

فالوطن ماهية وهوية وانتماء وليس أرقاما ولا مصالح، فلغة الوطن هي المحبة والتسامح والإخاء والتعاضد أما لغة المصالح والمكاسب فتلك لغة المتاجرة وسماسرة القيم.

وحقا قيل في الأثر اتق شر من أحسنت إليه.    

د. يوسف أمين شاكير


 

Home
Up