Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
البيان الختامي

 

 

 

 





الثابت والمتغير


كثيرا ما تساءلت ولازلت عن الأسباب التي تجعل شعوبا بعينها متميزة وذات حراك اجتماعي نشط وأخرى خاملة تجتر خيباتها وتعيد إنتاج أزماتها دون أن تخطو قيد أنملة من عثراتها بل تستمر في البقاء مراوحة مكانها وتستلذ المهانة وتدمن العويل والصراخ والتباكي على الماضي التليد.

وفي محاولة متواضعة مني لاستكناه الدوافع والأسباب لارتكاسنا الذي طال أمده ولمحاولاتنا المتكررة للخروج من عنق الزجاجة دون أن نفلح حتى في الاستعداد للخروج فضلا عن الوثوب خارجا من ربقة التخلف بكل تجلياته!

وفي كل مرة أدرك أن السبب الأبرز لوضعنا المزري هو الذهنية المتخلفة التي هي ميراث قرون من التخلف جعلت حسنا متبلدا وعصيا علي التغيير لذا لم تعد تفاجئني الإخفاقات المتكررة التي حارت الدولة فيها بكل دهاقنتها وحتى الذين عاشوا منا ردحا من الزمن في الخارج بعيدا عن عقليتنا الارتكاسية يقدمون في أعمالهم في كل مرة علي أمور يندي لها الجبين ولا أستطيع تعليلها إلا بنتاج عقلية التخلف التي نتشاطرها.

اقر أنني اكتب تحت وطأة الاهتياج و التأثر نظرا لفداحة الجرم الذي أقدم عليه نفر ممن يدعون أنهم "معارضة ليبية" في الخارج و أنهم ضد ليبيا عندما قاموا بحرق العلم الليبي ودوسه بالأقدام في مظاهرة لهم في لندن!!

فعمل كهذا فيه من القصور الفاضح والسطحية والإسفاف وتدني الوعي الشيء الكثير فضلا على أنه يعري أصحابه من ابسط مقومات الوطنية الحقة التي تستدعي التفريق وبشكل لا لبس فيه بين الثوابت والمتغيرات..... بين الرموز الخالدة والمعبرة عن إجماع الليبيين والتي ينبغي أن تكون نقاطا حمراء لا يجوز المساس بها!

فالمواطنون الأحرار والممارسة السياسية الواعية هي التي تدرك وبجلاء أهمية الرموز الوطنية الخالدة والتي تشكل إجماعنا ولا خلاف علي أهميتها.

فالدين والنشيد الوطني والعلم و أبطال المقاومة الوطنية ورجالات الفكر وأبطال التاريخ الذين رفعوا من شأن الوطن في كافة ميادين الحياة والوحدة الوطنية والحوزة الترابية كلها رموزا لا يجوز المساس بها وما عداها متغير يمكننا أن نختلف أو نتفق حوله دون أن نتحول إلي أعداء فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية بين المواطنين الأحرار.

لكن يبدو أن هذه الذهنية التي هي ميراث السنين يصعب التخلص منهاأو تعديلها بثقافة متسامحة لا عنف فيها ويسودها التفكير العقلاني وهذا الشيء ليس مستحيلا لكنه صعب المنال نظرا لغياب البعد الموضوعي وغلبة الذاتي فضلا عن التمفصل الواضح للأنساق والبني الفكرية التي توجه سلوك الإنسان وبين الواقع المعاش الذي هو نتاج تلك العقلية.

 

فالذي يحرق علم بلده مهما كانت الدوافع كمن يحرق ذاته وهويته وانتمائه وهو لعمري درك من الانحطاط وسوء التقدير المخزي ومؤشر علي ضحالة الوعي وغياب البصيرة.

حتى الدهماء والغوغاء في العراق وبعيد سقوط نظام صدام حسين أحجمت عن هذا الفعل الشائن لإدراكها أن العلم رمز من رموز الوطن وثابت لا يجوز المساس به وإني علي ثقة كاملة أن الذين أقدموا علي فعلة خسيسة كهذه لمرضي نفسيين أو تجار قيم وبياعي أوطان من طراز فاق يهودا الاسخريوطي وفيهم يقولوا المولي عزوجل.

{خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } "سورة البقرة الآية: 7"

 فهم يدعون الوطنية  متاجرة وادعاءا تماما كأدعياء الإيمان الذين وصفهم القرآن الكريم {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} "سورة البقرة الآية: 8"

وهم بعملهم هذا يظنون أن بإمكانهم خداع الله والوطن دون أن يدركوا أنهم إنما {يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} "سورة البقرة الآية: 9"

كما أن القرآن ينذر مثل هؤلاء الأدعياء بقوله {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} "سورة البقرة الآية: 10"

الرموز الوطنية تشكل إجماعا وطنيا وهي بمثابة العهد و الميثاق الضمني بين المواطنين لذا فان المساس بها أو التعدي عليها يعتبر في العرف والقانون نقضا للعهد وجرما يتوجب القصاص {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} "سورة البقرة الآية: 27"

هؤلاء الأفاقون الذين لا يتورعون عن شيء لإيذائنا نسوا أن العزة لله ولرسوله والمؤمنين {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} "سورة فاطر الآية: 10"

أن جريمة بهذا الحجم لا ينبغي السكوت عليها أو جعلها تمر دون اتخاذ اللازم حيالها فلو رضينا بتدنيس العلم الذي يمثل قيمة معنوية قصوي لكل الليبيين فسيتبع ذلك ما هو اخطر وانكي، وسكوتنا عن الرموز والمقدسات وعدم صونها هو ما جر علينا الهوان والتطاول في أقدسها حيث يشن الأعداء حملة شرسة و منظمة للنيل من قدس الأقداس من نبينا محمد صلي الله عليه وسلم. 

موقف كهذا يجعلني ألوم نفسي بالدرجة الأولي لأنني و غيري من المواطنين سمحنا لهؤلاء بالتشدق والتطاول علي رمز من رموزنا التي دونها الموت.

ولمثل هؤلاء أقول:

لقد بلغ السيل الزبى

واغرق التلال والربي

وإننا لكم بالمرصاد فان عدتم عدنا

وهنا نسيت وقد ذكرني صديق لي أن هؤلاء يحملون جنسيات أمريكية وبريطانية وأقسموا عند حصولهم على هذه الجنسيات أن يحموا علم ودستور تلك البلدان التي يحملون جنسياتها وليس لهم لليبيا أدنى انتماء.

د. يوسف أمين شاكير


 

 

Home
Up