|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
المعارضة اللـّيبيـّة بالخارج إعادة إنتاج جديدة لظواهر قديمة
مع انعقاد "المؤتمر الثاني" "للمعارضة الليبية" بالعاصمة البريطانية لندن نهاية في هذا اليوم، يتبادر إلى ذهني وأعتقد في ذهن كل متابع جيد لشأن تلك "المعارضة"، العديد من الأفكار في تداعي مثير حول جدوى وجود هذه "المعارضة" في المهجر بعد كل عقود الاغتراب، التي قاربت على الأربعة بدون أفق واضح حتى الآن، بالإضافة إلى المدى الذي يمكن أن تذهب إليه عمليات التجديد التي حدثت داخل صفوف العديد من فصائلها خلال السنوات الماضية، ومدى قدرتها على تفعيل دورها الغائب كبديل سياسي وحقيقي للتغيير السياسي الذي تدعي السعي إليه. فمن المعروف أن "المؤتمر الأول" في ذات العاصمة قبل عدة سنوات وتحديداً في نهاية يونيه 2005 انتهى بما يشبه الكارثة، قياساً إلى الطموحات التي سبقته، وتحديداً بروز عملية الانقسام والتشتت الداخلي، عوضاً عن التوحد والدمج في هيكل تنظيمي موحد يجمعها أو على الأقل القوى الفاعلة والمؤثرة داخلها. وكانت هذه السمة هي الأبرز، بشكل طغت بمدلولاتها على مجموعة القرارات السياسية التي اتخذها المجتمعين آنذاك وأفرزت ما بات يتباكى عليه حالياً وهو "التوافق السياسي" بينها. دخل هؤلاء "لقاء لندن الأول" وخرجوا بدون اتفاق عام ومحدد حول القضايا الرئيسة باستثناء الخروج بما يسمي تفاهم أو توافق عام حول الخطوط العريضة، بالإضافة للدعوى الأثيرة لديهم للتغيير السياسي الليبي، واستبدال نظام الحكم بآخر ديمقراطي – دستوري راشد؟!. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا.. هل يتكرر نفس المشهد بعد "المؤتمر الثاني"..؟ يبدو أن الأمل حتى في تكرار نفس المشهد بات أمرا بعيد المنال، بعد الانسحاب المتكرر للعديد من الفصائل، ورفضها حضور هذا "المؤتمر" بسبب تقويض ما أعتبر تفاهمات "المؤتمر الأول"، ولذا فإن الكارثة أكبر حالياً. بعيداً عن مصداقية هذا التخمين من عدمها، رغم كافة المؤشرات التي تدفع إليه، فإن هناك العديد من القضايا التي يجب أن تلفت الانتباه لمن هو خارج هذه الساحة، التي باتت تعتريها كافة الأمراض السياسية من انتهازية ورغبة في الاستحواذ وإقصاء الآخرين... لعل أولها توصيف المؤتمر بـ"الوطني" بكل ما يحمله من إيحاءات ومدلولات سواء كانت مقصودة في حد ذاتها، أو وردت كخاطرة للمنظمين الأوائل للمؤتمر. فهذا التوصيف يؤكد على كون هؤلاء المجتمعين في لندن هم الوطنيين والشرفاء، وما عداهم من ليبيين سواء الذين رفضوا الحضور في دورته الأولى، أو حضورا تلك الأولى وانسحبوا تالياً قبل "عقد المؤتمر الثاني" من فصائل ومستقلين أو من أبناء الشعب هم خارج ساحة أو مظلة تلك "الوطنية الليبية"، حتى يراجعوا أنفسهم التي تسول لهم أمور خارج نطاق "المصلحة العامة والوطنية"، وينضموا إلى ثقافة القطيع Herdالسياسي، حتى وأن تم تحيّيدهم بالكامل من المشاركة في الإعداد لهذه الدورة الثانية كما حدث مع العديد من التنظيمات التي أعلنت انسحابها من حضور المؤتمر القادم، أو قطعت صلاتها "بالمعارضة" تماماً والعودة لليبيا نتيجة تصالحها مع الدولة كما حدث مع "الإخوان المسلمين وغيرهم" وهو ما بدا في المناقشات التي ظهرت على المنتديات الليبية مؤخراً بين مؤيدي ومعارضي فصائل المعارضة برمتها. فاحتكار صفة الوطنية، وتنصيب شخوص بعينها أوصياء وحكماء على تيارات "المعارضة" والليبيين في الخارج والداخل، هي سمة عامة من تضخيم الذات، تعاني منها كافة فصائل "المعارضة العربية" وليس الليبية فحسب. ولذا فإن النظرة الواقعية للذات والآخر، هي سمة تبدو غائبة تماماً عن ذهن ووعي هؤلاء من يسمون أنفسهم "الرؤوس الكبار" الذين يعتقدون أن مجرد الاجتماع معاً في قاعة مكيفة خارج ليبيا، والخروج بقرارات لا تتجاوز تأثيرها وقوتها الصفحات التي سرت بها، كفيل باستنهاض الهمم النائمة وتحريك شرائح الشعب الليبي في الداخل والخارج. وهؤلاء "الرؤوس" بفئاتهم العمرية يبدو أن الخبرة التاريخية الطويلة الماضية، لم تتح لهم صفاء الفكر والانجذاب نحو الواقعية السياسية عوضاً عن التحليق في عالم من الأوهام والأماني السياسية Wishing Thinking التي لا تجد ما يدعمها على أرض الواقع من مقومات حقيقية. فهؤلاء "الرؤوس" نتيجة بعدهم عن الممارسة السياسية الواقعية، والاحتكاك بالجماهير جعلهم يتوهمون العديد من الأمور عن أنفسهم والآخرين بشكل مبالغ فيه، وأعتقد أنه لو أتيحت لهم فرصة العمل السياسي الفعلي داخل ليبيا، لتبين على الفور حقيقة ثقلهم الحقيقي. ونأتي للقضية الثانية، هي قضية التكيف Adaptation مع كم ونوعية المتغيرات المتسارعة التي طرأت على ساحة عمل "المعارضة الليبية" في الخارج. قد لا يجد المرء الكثير من العناء حال استعراض قوى وفصائل تلك "المعارضة الليبية" بالخارج، إذ أنها فقدت القدرة الموضوعية على التكيف مع تلك المتغيرات، وإن ما حدث داخلها من تحولات وتغييرات سابقة، هي عملية أشبه بإعادة إنتاج الشخوص والرؤى والأفكار القديمة في قوالب جديدة دون حدوث تغيير جوهري وحقيقي سواء في آلية العمل التنظيمي على المستوى المؤسسي الداخلي أو ماهية الشخوص الفاعلة داخلها سواء في الفصيل الواحد أو بينه وبين غيره من فصائل "المعارضة" الأخرى. فالبنية التنظيمية والفكرية لتلك الفصائل "المعارضة" على المستويين الفردي والجماعي، مازالت تعاني من أخطر تحديين يمكن أن يصيبا أي بنية مؤسسيه، وتفقدها الفعالية الإدارية والسياسية في آن واحد. ونحن هنا لا نتحدث عن المشروعية السياسية، إذ لكل فرد أو "تنظيم معارض" الحق في ادعاء ما يشاء من تمثيله لشرائح كبيرة داخل المجتمع الليبي في ضوء غياب التجربة أو القياس الفعلي لاختبار ذلك، رغم تحفظنا على تلك الادعاءات بالأساس، وإنما نتحدث هنا عن الفعالية السياسية بما تتضمنها في قدرة على الاستمرارية وبلورة تحدى حقيقي وبديل سياسي للتغيير الذي تدعيه تلك "المعارضة"، وهي مؤشرات من السهل قياسها وتقديرها. وهذان المحددان هما: ? الجمود السياسي، نتيجة عدم الاستفادة من التطورات غير المسبوقة في العمل الإداري بهدف أن تكون لها القدرة الموضوعية على استقطاب المزيد من المؤيدين في الخارج، وبالإضافة لإدخال أفكار ورؤى جديدة للعمل السياسي المعارض. ? استمرارية "الرؤوس" التقليدية داخلها دون القدرة على الدفع بدماء جديدة تجدد لها حيويتها. فالشخوص التي قادت هذه "المعارضة" هي ذاتها التي عرفها وتفاعل معها بعض الليبيين في الخارج في بداية تكوينها دون تغيير، ولا توجد آلية حاكمة للتجديد، سوى الانشقاق وتكوين فصائل جديدة، أو الانضمام لتيار المستقلين، أو الرجوع للوطن. موضوعياً لا يمكن فصل هذين المحددين عن بعضهما البعض، بل هما تداعي منطقي، فالجمود التنظيمي يقود حتماً لشيخوخة "الرؤوس" في مقاعدهم القيادية، ورفضهم للتغيير. صحيح أن العديد من تلك "الرؤوس" التي قادت تيار "المعارضة" السياسية بالخارج، نظمت تلك "المعارضة" الخارجية في السبعينات والثمانينيات من القرن الماضي وحشدت الدعم الإقليمي الدولي لها، ورفض البعض العديد من مبادرات التصالح التي عرضت عليها لإلحاقها بالبنية المؤسسية للدولة والعودة من جديد لليبيا، ولكن يجب ألا تكون تلك "الرؤوس" قدر أعضائها وتحديداً من فئة الشباب إلى أبد الآبدين، دون محاولة جادة للتغيير الداخلي وضخ دماء جديدة في صفوفها. "فالزعامة" دوماً لا تقاس بثقلها السياسي والإداري فحسب، بل بقدراتها على تخليق قيادات شابة قادرة على خلافتها داخل البنية المؤسسية - التنظيمية للحفاظ على مبدأ الاستمرارية والفعالية، للآسف هذا لم يحدث. إذ كبحت تلك "الرؤوس" التقليدية وجود صف ثاني داخلها، واستأثرت بمقاليد الأمور داخل تيار "المعارضة" في المهجر، بما يوفره ذلك من تسليط الأضواء عليها والحصول على مغانم البقاء في واجهة الحدث دوماً. ومن ثم فهي "معارضة" تعاني من قدر عالي من الازدواجية واختلاط المفاهيم والمعايير لديها، فهي ترفض التغيير السلمي والطبيعي داخل صفوفها بوصفه من طبائع الأمور، وتكبح تفعيل الآليات الديموقراطية في بناء مؤسساتها الداخلية سواء على مستوى التنظيم الواحد، أو بين تنظيمات "المعارضة" مجتمعة، في ذات الوقت تدعو للتغيير السياسي بالقوة وإسقاط النظام في ليبيا بمساعدة الخارج وإقصاء الآخر. والنتيجة المنطقية التي يخرج بها المرء، هي أن "المعارضة الليبية" في المهجر قد استنفدت بالفعل كل قواها بعد رحلتها الطويلة للبحث عن الوجود والفعالية الخارجية طوال العقود الثلاثة الماضية، بما فيها عمرها الافتراضي، وأن مصيرها المحتوم هو الانزواء السياسي في ظل التاريخ الليبي، بعدما فقدت القدرة الموضوعية على التكيف مع المتغيرات المحيطة بها. وأن الجمود السياسي والفكري اللذين تُعاني منهما فصائل تلك "المعارضة" ما هو إلا مؤشراً قوياً على قرب هذا الانزواء، والتحول لظاهرة صوتية - إعلامية أكثر من كونها معارضة حقيقية، وذلك بعد فشلها في تحدي التغيير والاستجابة. وهو ما يقودنا إلى التساؤل الذي بدأنا به الحديث، ما هي جدوى "المعارضة" السياسية وسط بيئة هذه ملامحها العامة والحاكمة...؟! فمن كانت له فرصة دراسة نظريات الصراع الإنساني والسياسي، يصعب عليه أن يجد نظريات تتحدث عن صراع مفتوح للأبد من دون أي آفاق مستقبلية لحسمه سواء سياسياً عبر تسويات مرضية لطرفي معادلة الصراع، أو قهرياً باستخدام القوة المسلحة، وإقصاء الطرف الآخر من معادلة الصراع. فالناس لا تتصارع من أجل الصراع، وإنما لبلوغ غايات وأهداف محددة، وأن الاستمرارية في الصراع من أجل الصراع في حد ذاته، هو نوع من العشوائية السياسية وافتقاد البوصلة الهادية والراشدة لنوع الإدارة الناجحة له. وهو ما يرجعنا مرة أخرى لظاهرة الجمود السياسي التي تعاني منها "المعارضة الليبية في الخارج"، أو المهجر كما يحلو للبعض تسميتها. فهي باتت غير قادرة على محاسبة ومراجعة الذات على طول الفترة الماضية التي قضتها في الخارج بدون أية نتيجة تذكر، ألعن الظروف أو الشخوص كما شئت، ولكن العبرة بالنتيجة النهائية والقدرة على إدارة صراع عقلاني ورشيد ذو محصلة وسط بيئة مناكفة. ولذا فإن الأجدى عوضاً عن تلك المؤتمرات أو بعملية جرد حسابي للماضي، حتى يكون المستقبل واضح الملامح، وتقّويم تلك المرحلة السابقة من عمرها بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات للإجابة عن التساؤل الجوهري الذي يبدو أنه مستبعد تماماً.. هل يجب الدخول في حوار سياسي جاد مع النظام على أرضية المصالحة الوطنية لإحداث تغييراً عاماً في شكل الدولة والممارسة السياسية الليبية الداخلية.. أو الاستمرار في معارضة خارجية لا طائل منها سياسياً وعسكرياً..؟ الوضعية التي عليها "المعارضة" حالياً هي وضعية لا تعبر عن الاستسهال فحسب، بل يمكن توصيفها بنوع من "العمى السياسي" والتي ترجع جذورها التاريخية إلى التراجيديا اليونانية القديمة، التي تدعي أن مصائر البشر واحدة ومأسوية، وأن هؤلاء في حياتهم يسيروا نحو هذا المصير المحتوم دون أي قدرة فعلية على تغيير هذا المصير طوال تلك الرحلة الحياتية. ويبدو أن "المعارضة الليبية" بكافة فصائلها باتت تجسيداً لهؤلاء الأبطال اليونانيين، فهم سائرين في طريق "المعارضة" السياسية دون أي رؤية واضحة أو حتى بصيص نور في نهاية النفق الذي تمضي خلاله، أو وجود قدرة فعلية على تغيير مسارها الحركي رغم معرفتها بالمصير النهائي. د. يوسف أمين شاكير
|
|
|
|