Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
بعد سنوات من الاختناق باليسار

 

 

 

 





عن 17 فبراير وجبهة الإنقاذ

ونهاية التاريخ


لسنا من المؤمنين بأن التاريخ يعيد نفسه، ولكننا من أشد المؤمنين بضرورة أن توضع الأحداث والأفكار في إطارها التاريخي السليم، بما يستوجبه ذلك من تحديد قاطع للعناوين وتسمية واضحة للأشياء بمسمياتها، وهو ما يحدونا، ونحن نعيش هذه الأيام تداعيات حدث نظنه يمسك بأعصاب الكل ويحاول بعض الحاقدين توظيفه في إنتاج عواصف مأساوية من الكراهية والإحباط تفقدنا أي قدر من اليقين والثقة في المستقبل، إلى التساؤل حول ما إذا كان الكيان المعارض المتآكل المسمى بجبهة الإنقاذ بقياداته الهرمة بمكنته التغير أو العدول عما دأب على اتباعه من تصرفات تآمرية بحق ليبيا وأهليها أو الانصراف عن التلاعب ببنائها الاجتماعي والجغرافي؟!.. أم أن العكس هو الصحيح؟!..

إن كل الشواهد تشير إلى أنه ليس بمكنة الجبهة التغير أو العدول لا عن تصرفاتها التآمرية ولا عن التلاعب بالبناء الاجتماعي والجغرافي الليبي، وربما كان موقف الجبهة - كما عبر عنه رأسها السيد إبراهيم صهد - من حدث 17 فبراير الجاري خير تجسيد عملياتي لذلك، فالسيد صهد فاجأنا – وهو العاشق للحديث عن المفاجآت – في أعقاب هذا الحدث بالخروج على قناة الحرة المعرضة حاليا للإفلاس ليغلف الحدث بثياب سميكة من التضخيم والتدجيل تفوق في فقعانها ذلك الزي المدبوج بعلم العهد الملكي المباد الذي كان يرتديه.. خرج ليباهي الدنيا بأسرها بذلك الغبار الذي أثاره صبية غير مسيسين بالأساس، وليتبغدد في تقويم ما كان وتقديم ما ينبغي أن يكون، معتبراً أن ما يدلي به هو سلاسل ذهبية يجب أن يتلقفها الليبيون إذا أرادوا الغنم والسلامة..

والحقيقة أن لا صهد ولا كيانه المتآكل المسمى بجبهة الإنقاذ أرادا لليبيا يوماً ما غنما أو سلامة، بقدر ما أرادا لها دماراً وخسارة، إذ بغض الطرف عن تاريخ صهد المعروف ابتداء من تسبيحه بالعهد المباد وتخلفه عن ثوار سبتمبر، ومروراً بعمله ضابط ارتباط لمحطة الـ CIA بالمغرب، وانتهاء بتصارعه المحموم على تزعم الفصائل الليبية المعارضة كما شاهدنا ذلك واقعاً في مؤتمر لندن في يونيه 2005، وبغض الطرف عن تاريخ الجبهة الملطخ بالدماء والعار، فإن الجبهة كانت دوماً تمثل ذراعاً لمحاولات إفقاد ليبيا مواريثها الجغرافية والاجتماعية، بل وحتى الروحية والحضارية، وفي هذا السياق.. فليس التقرير الذي تجشم قدري الخوجة مؤخراً عناء نشره عن التركيبة القبلية للحكم في ليبيا والذي كانت الجبهة قد أعدته، وبمنتهى الحرفية، لإرشاد الأمريكان إلى الموضع الذي يمكن أن يؤكل منه كتف البلاد.. ليس هذا التقرير وحده هو ما يستدعي إطالة النظر في محاولات ومساعي الجبهة لتقسيم ليبيا إلى مناطق فوارة ساخنة وذات هويات متصارعة يصعب معاودة التوفيق بينها بأي كيف، وإنما هناك العديد من الدلائل الأخرى الفاضحة لذلك، ولعلنا جميعاً نذكر ما كشف عنه يونس المزوغي إبان مؤتمر لندن عندما قال متساءلاً في إحدى مقالاته المقارنة الذكية الغنية.. "وهل برأت جبهة الإنقاذ مسؤولية إبريك ورفاقه عن إفشاء سر ضابط حركة أكتوبر إلى النظام واتصالهم بالمعارضة؟ بناء على ما نشره السيد قدري الخوجة من وثائق رسمية صادرة عن جبهة الإنقاذ إضافة إلى البيانات الصادرة في ذلك الوقت؟.. أم أن اجتماع العام الماضي (يقصد العام 2004) في واشنطن الذي دعى إليه وموله رجل الأعمال الليبي وجمع فيه قيادات تنظيمات المعارضة من المنطقة الشرقية في البلاد فقط!! وأغدق عليهم ووعدهم باستمرار التمويل إذا ما وقفوا صفاً واحداً، لانتهاز الفرصة حتى تأخذ المنطقة الشرقية (حسب تعبير رجل الأعمال) حقها في ثروات البلاد وحكمها!! لأنها المنطقة المضطهدة والمحرومة من خيرات البلاد أكثر من غيرها، وقد آن الأوان لها أن تأخذ بزمام المبادرة وانتهاز الفرصة ولو بالدخول مع النظام في حوار ومصالحة لتحقيق هذا الهدف الإستراتيجي الكبير.. ورجل الأعمال هذا كان من المتهمين من قيادة جبهة الإنقاذ مع المدعو أبريك اسويسي في إفشاء سر حركة أكتوبر.. لكن قيادة جبهة الإنقاذ لم ترغب في أن تظل بمعزل عن اللعبة السياسية وغفرت للمدعو ابريك ورجل الأعمال وغيرهما كل ما حدث وكأن شيئاً لم يكن ببراءة الأطفال التي تبرق من عيونهم جميعاً، فهرولت إلى حضور ذلك الاجتماع وتجاهل جميعهم رجال أكتوبر وشهداء ومعتقلي أكتوبر.. فالأموال والوعود والآمال قد غطت على كل تلك المعارك الجانبية الصغيرة مثل أحداث أكتوبر أو حتى مايو 1984.. وسبحان مبدل الأحوال ومقلب القلوب الذي يغير ولا يتغير.."

وما سبق من قول المزوغي لا يبدد أية ذرة من شك حول رغبة الجبهة وتحركاتها في سبيل رؤية ليبيا غارقة حتى الآذان في تناقضات حادة جهوية وقبلية وطبقية فحسب، وإنما أيضاً يفسر تلك الترانيم (الجبهوية) التي شدا بها، في أعقاب الحدث، أنصار الجبهة مديحاً لبنغازي وإشادة ببطولة أهلها ومقدرتهم على تحويل الأرض من تحت أرجل الحكم إلى كرة من اللهب و... و... إلخ تلك الأساليب المكشوفة في تسخين الجماهير وتأليبها ضد الحكم...

ولكن، ولحسن الحظ، رغم كل هذه المحاولات والمساعي الجهنمية لا توجد، لحد الآن، دلائل ذات مغزى على قدرة الجبهة على تحقيق مؤامرتها التمزيقية، وهي المؤامرة التي لن يجد أنصارها بسببها رحمة من جانب التاريخ، ذلك العزيز الذي تنبأ البعض بأنه أوشك على أن ينتهي بينما هو في الحقيقة بلا نهاية.

   د. يوسف شاكير


 

Home
Up