|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
هديل على رمل أحمر لم يبق لك شيء يا هديل... لم يبقوا لك شيئاً... كلهم رحلوا ... كلهم أسلموا أنفاسهم على رمل الشاطئ ... نزفوا دماهم عليه ليصير أحمراً يا هديل كشفتيك ... ليصير أحمراً كالمرجان المغتصب من أعماق البحر ... كلهم نزفوا يا هديل ... نزفوا ساعة واستراحوا ... وبقيت كي تنزفي العمر كله ... ألماً وحسرة... كي تنزفي العمر كله كمداً وهماً ولوعة فراق ... ايه يا هديل ... احكي لنا ما جرى ، خبرينا عن ساعتك الأخيرة ... لحظاتك الأخيرة معهم قبل رحيلهم ... لحظات لهوك المفعمة بالسعادة ... خبرينا عن آخر لحظات الفرح... هديل تروي الحكاية ... كنتُ وأمي ، أبي وإخوتي ... نعد للبحر عدته ... اليوم يوم خروجنا من بيتنا الصغير ... غرفة في مخيم ... أبي وأمي يسكنان إحدى زوايا الغرفة ، إخوتي في زاوية أخرى ، وأنا قرب الباب ... وبقيّة البيت ... ما بقية البيت يا هديل ... ؟ وهل هناك متسع لشيء ... هديل تغض طرفها الناعس ... هكذا المخيم يا سيدي ... أتظننا في قصر من قصور الملوك ... أتظن أننا نسكن قصراً من قصور أنبياء الثورة ... هذا مخيم الشاطئ ... هديل تتم الحكاية ... تسابقت وإخوتي الصغار إلى آخر الحي ، حيث تقبع سيارة سنستقلها إلى هناك ... إلى حيث نلهو على الرمل ... كلهم سبقوني ، لقد كنت متعبة ... وصلنا جميعاُ واستقللنا السيارة ... مضينا نبحث عن مكان خالٍ على الشاطئ ... فوصلنا إلى حيث يسكن قدرنا... وصلنا وعلى رمل البحر جلسنا نلهو ... هيا أكملي يا طفلتي ... كنت ألهو مع الحَمام والنوارس وإخوتي الصغار ... نطعمها من بقية خبزنا ... فخبزنا محاصر منذ شهور، بل دهور... أما قمحنا فقد أحرق في سنابله ، ولم يبق لدينا سوى بضع سنابل منه نقيم بها أودنا ... فتقاسمناها والحمام... كان الحمام يتطاير حولنا بأجنحة مهيضة ، فحمام شواطئنا محاصر ونوارسه أيضاً ، لهونا ولعبنا ، ضحكنا كل الضحكات وكأننا نعلم أنها الأخيرة ، تركني إخوتي والحَمامات، لم آبه لهم ، فمتعتي أن أرى الطيور ، أحدثها ... هي تفهمني فأنا هديل، أغني لغة الحمام واحكي نفس الكلمات، وأطرب وتطرب معي العصافير ... تركني إخوتي وبقيت ألهو ... ذهبوا إلى حيث يجلس أبي وأمي... يا لقلة ذوق الصغار... ألا يتركونهما ليتهامسا ذكرياتهما؟!! يسترجعا حكاية حبهما... يقلبان الرمل كما كانا يقلبان قلبيهما على لظى الجمر... كنت أكثر ذوقاً، لذا بقيت مع الطيور أغني ببراءة ... تعالين أيتها اليمامات نغني ، نصدح بأصواتنا ... بهديلنا لكل من على الشاطئ ... فمنذ زمن لم نفرح ، منذ ساعات الحصار الأولى ... حينما أوقفوا قوافل الخبز، وأحرقوا سنابل القمح واقتلعوا زيتون الأرض... تعالين نصنع فرحنا رغم الجوع والحصار ... فمحمد سيدنا عاش سنوات الحصار العجاف، ولم يستسلم ، ومحمد كان يناغي الجوعى من أطفال الحصار ... آهٍ ... محمد النبي ليس بيننا يا يماماتي ليواسينا... محمدنا الجديد يسكن أفخم القصور واسمه ليس في وثيقة الحصار ... إنه يعيش كما الملوك ... باع قضيته وشعبه وأسلم أهله للموت ... لا عليكنّ يا حماماتي الصغار... فنحن نتقن الغناء حتى ساعة الموت ، سنشدو كما يشدو أولاد الملوك ... هم في حدائقهم والنعم ، ونحن على شاطئنا والرمل والجفاف، هم في قصورهم ونحن في المخيم ... ماذا يا هديل ... وما بقي من الحكاية ...؟ هديل: رحتُ أغني ... شط البحر ملوّن ... مثل الطيف ... شط البحر صافي .. مثل الشمس بساعة صيف ... شط البحر ملوّن... وبكل الألوان... أصفر أخضر أزرق ... شط البحر ملوّن مثل الزهرة ومثل النرجس ... شط البحر يا ما أحلاه... دافي مثل حضنك ماما دافي مثل قلبك يابا ... شط البحر ملوّن ... شط البحر ملوّن ... شط البحر مموج ... مثل ضحكة أخوي وأختي ... مثل حكاية شعبي وأهلي ... شط البحر ملوّن ... يا ما أحلاه... شط البحر ملوّن ... كنّ اليمامات يرددن خلفي ... وفجأة خَفَتَ الصوت ... وتناثر الرمل ... لم يرق للوحش هذا الغناء ... ألقى علينا ناره وحممه ... رحت أبحث عن أبي ... أمي ... إخوتي... لكن لا أحد يجيب ... كلهم تحت الرمل ... بيتنا فوق الرمل يا أمي ... قومي... لمَ تاهت خطاكِ ، أبي انهض ... وانتم يا أشقياء ... يا إخوتي ... عودوا لصخبكم .... مالكم صامتون ... غنوا معي واليمامات ... شط البحر ملوّن ... لونه أحمر .. لون الدم شط البحر مموج مثل الحزن الساكن قلبي ... مثل الهم ... غنوا معي مالكم صامتون... أنا هديل وصوتي لا يزال كالهديل ... شط البحر ملوّن ... لونه أحمر ... لون الدم ... شط البحر مموج مثل الحزن الساكن قلبي ... مثل الهم ... شط البحر ملوّن ... لونه أحمر ... لون الدم ... رحل الأحبة كلهم يا هديل ... وبقيتِ وحدك ... بقيت على الشاطئ مغروسة في رمله ... مشرئبة كالمنارات القديمة ... تنادين التائهين ... ها أنا ... لا زلت هنا ... لا زلت احمل الناقوس وأشعل القنديل ... عودوا أيها التائهون ... عودوا فالشاطئ يتسع لكم رغم ازدحامه ... رغم دمائه ولونه الأحمر ... ارجعوا ، لا زلت أفتح ذراعيّ للعناق وامسح الرمل عن شفتيّ ، أتهيأ لتقبيل العائدين .... وحدك يا هديل ترابطين قرب الموج بعد رحيل أحبتك... لم يعد في الكون "ماما" ، رحلت ماما ، من سيغني لك ..."ماما زمنها جاية جابة بعد شوية " لم يبقوا لك "بابا" رحّلوه هو الآخر ، مضيا ومعهما كل الأحبة وأبقوك وحيدة ... !!! ربما لأنك حمل ثقيل على القافلة ... وربما لأن قدميك الصغيرتين غاصتا في الرمل فلم تقدري على اللحاق بالركب ... كفي يا هديل ... ساغني معك وصبيتي .... فهيا نغني ... شط البحر ملوّن ..لون النار شط البحر بيهتف فينا.. صغار.. كبار شط البحر ينادي علينا بده الثأر ... غني معي يا هديل ... فقد نسمع الأموات اللاهين في قصورهم... قد نسمع العالم حكايتك ... حكايتنا ... شط البحر ملوّن .. لون النار شط البحر بيهتف فينا صغار.. كبار شط البحر ينادي علينا بده الثأر ... غني يا هديل ... غني يا هديل ... صلاح الـمومني
|
|
|
|