|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
من أين تؤكل الكتف؟ "حوار مع الدجاجة" الساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً ، كنت خارجاً للتو من اجتماع مملٍّ في العمل ، ومن قال أن اجتماعات العمل مسلية ؟!! المهم؛ ها أنا أتضور جوعاً، ولست بصدد الذهاب إلى البيت، ليس زهداً ، إنما لكون عملي يبعد عن بيتي ثلاث ساعات تقريباً مما اضطرني للعيش أعزباً في شقة شقّ عليّ الوقوف فيها للطبخ، لا بأس ؛ سأتعود مثل هذه الحياة بشظفها ، فأنا أردد دائماً "والنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم" وقد آن لي الفطام. ينبغي أن أفكر بوجبة العشاء ، فليس هناك من سيعدها لي كما هي الحال من قبل ، ثم إنني قد مللت مطاعم الوجبات السريعة ، فهي سريعة في كل شيء ، تفريغ الجيب ، والهضم ، وهي سريعة في نقل الأمراض بسبب القذارة التي تتمتع بها هذه المطاعم ، أين المفر ؟! لا بد من شيء أقيم به أودي (عفواً هذه الكلمة من حديث نبينا صلى الله عليه وسلم ، حسب ابن آدم لقيمات يقمن أوده) وليست من حديث (عبد الهادي أودي) ، أعوذ بالله ، لم أشأ التحدث بالسياسة والسرقات والاختلاسات ... إنه الجوع ، أعذروني أرجوكم .. فأنا حينما أجوع لا أكتم شيئاً من أسراري، زوجتي تعرف هذا عني جيداً، لذا دائماً آكل قبل دخول البيت بقليل لكي لا أضطر وأفصح لها أين أمضيت سهرتي، ولكي أجيب على أسئلتها الكثيرة دون الوقوع في المحظور. فكرت في وجبة دسمة، لا شك لحمٌ أو دجاج ، لكنني مضرب عن اللحوم منذ زمن ، حتى أولادي قرروا جميعاً أن يصبحوا نباتيين ، ليس بسبب عدم وجود اللحوم في أميركا ، لكن تضامناً مع أهلنا الذين لا يجدون الخبز ناهيك عن اللحوم في بغداد وعمان وغزة وكل الوطن المسلوب . قررت كسر الإضراب ودخلت محلاً لبيع الفروج فكان لي هذا الحديث مع إحدى الفراريج الشهية، حيث كانت تقطر دهنا، وقد احمرّت من وهج الفرن، وتفسخت وانسلخ اللحم عن العظم: مساؤكِ سعيد سيدتي الدجاجة ... لم تجب ... لا أدري لماذا لا ترد الجواب ، لا مشكلة لدي ، سأسْمِعُها رغماً عنها، صرخت بأعلى صوتي : مساااااااااااااااااااااؤك سعيد سيدتي الدجاجة : لم تجب للمرة الثانية ... قلت: أدللها في ندائي ، فقبائل الدجاج تحب الدلال حتى في المسلخ أو الفرن ، هي تحب أن تخرج للدنيا مدللة ، وتحب أن تغادرها بذات الحال وسيبعث الدجاج على دلاله ... ناديتها: ددددددجوجة ... فروجة ... ردت الجواب وقالت: أهلاً بآكلي بعد حين .... تساءلت : كيف عرفت هذه اللئيمة أنني آكِلها ...؟ أجابت: يا لغبائك يا رجل، وهل أعد الدجاج إلا للأكل...؟!! تماماً مثلكم يا سيدي الأكول ... ها ... ها ... مثلنا ...؟!! أجل مثلكم؛ ألستَ من الشرق...؟ كل شيء هناك معد للأكل؛ الطيور بكل أنواعها، الأغنام والأبقار والبشر... ألا ترى ما يجري في بلادكم ... كلكم لا تعدلون دجاجة أمام القذيفة. ويلك... جعلتنا في صف الحيوانات المعدة للأكل ...؟! أجابت: أليست هي الذئاب تحكمكم، تحتلكم ؟ فما الفرق عند أنياب الذئاب بين دجاجة وإنسان ؟! بل إن كثيراً من تلك الذئاب تحبذ لحومكم وتصنع النبيذ من دمائكم... قهرتني هذه اللئيمة فوبختها بغضب: ويحك ثم ويحك أيتها الفروجة ، سأحاسبك بتهمة إطالة اللسان ... وسآكلك جميعك دون رحمة... لكن قولي لي ، كيف يصنعون النبيذ من دمائنا ...؟!! قالت: لأنكم مخدرون يا سيدي الأكول ... فصار دمكم مصدراً لتصنيع النبيذ وكل أنواع المخدرات... ألا ترى ما يحدث وشعوبكم لا تحرك ساكناً...؟ قلت: يا إلهي ...!!! هذه ليست دجاجة ... لقد تحدثت في شؤون السياسة ... لا بد أنها سياسيّة بارعةٌ متخفية في جلد دجاجة ... أجابت ساخرة: بل أنا دجاجة يا سيدي ،واسأل رفيقاتي الدجاجات اللواتي بصحبتي في هذا الفرن الملتهب ... رفيقاتك...؟ لكن ما بالك تختلفين بالشكل عن بقية الدجاجات...؟ اعذرني يا سيدي الشرقي، نسيت أن أخبرك... أنا من دجاجات الشرق أيضاً، لذا عرفتك منذ الوهلة الأولى... سألتها : وهل يختلف دجاج الشرق عن الغرب ... ؟ وبهمهمة قالت: همممممممم... دجاج الشرق يا سيدي يشبه دجاج الغرب ، إلا أن دجاج الغرب يتمتع بحقوقه كاملة حتى عند الذبح ... لذا اخترت أن أذبح هنا وأن أؤكل هنا في الغرب لكي أنال حقوقي كلها قبل المنية ، لكنني حزينة اليوم كل الحزن ... يا للعجب ...!!! وما يحزنك بعد هذا الذي جرى لك ...؟ وبعد هذا الشواء ... قالت: يحزنني يا سيدي أنك تركت جميع الدجاجات الشهية وأتيتني آكلاً دون رحمة... ولن أنال أمنيتي ويأكلني غربي... ضحكت ساعتها وقلت : تعرفين سيدتي الدجاجة مقولتنا " الطيور على أشكالها تقع"، ثم إنك قد تؤكلين بأفواه الغرباء حتى في بلدك ، لكن أصدقيني القول ، كيف أتيت إلى هنا ...وكيف دخلت هذه البلاد ...؟ أجابت وبتلكؤ: هل لديك مكان للسر... ؟ أقسم لي بأعز شيء عندك أنك لن تبوح بالسر الذي سأخبرك به لأحد... ها أنا أقسمُ: أقسمُ بالنظام أنني لن أبوح بسرك لأحد، ولن أخون العهد... قالت: أنا دجاجة أفلتت من طوابير إعدام الدجاج التي اقترفتها الحكومة في بلادنا "بلادكم" بافتعال أزمة "فيروس الطيور" ، فحينما رأيت أن الطيور تعدم بلا ذنب، وبالذات فصيل الدجاج "طعام الفقراء" قررت الهروب ، فاغتنمت أول رحلة بحرية إلى بلاد الحرية وخرجت .. سألتها: وكيف دخلت هنا ...؟ وهل أعطوك أذناً بالإقامة ...؟ أجابت: دخلت بِجِلد قطة، فهم في هذه البلاد يحبون القطط والكلاب أكثر من البشر... تساءلت : لكن ما الذي جاء بك إلى المسلخ ثم الفرن ... وببراءة أجابت: اكتشفوا أنني دجاجة، وبما أنني دخلت بطريق التهريب وبسبب شهادة المنشأ وجواز سفري قرروا إعدامي لكن على طريقتهم وبأسلوبهم الرحيم... إعدام رحيم...؟ شوقتني لمعرفة هذا الأسلوب ، كيف يكون الإعدام رحيماً ...؟ قالت: أخضعوني لفحوصات كثيرة ، وحينما تأكدوا من سلامتي من "فيروس الطيور" قرروا إرسالي إلى المسلخ وليس إلى المحرقة لأموت فيها دون أن يستفيد أحد من لحمي ، وفي المسلخ تم الإعدام بطريقة سلسة جداً ومع مجموعة كبيرة من الدجاجات من ذوات العيون الملوّنة والمعدة للطبخ ... تم ذلك دون تمييز...أما المحرقة في بلادكم فللحيوانات والبشر... هذا جميل ... إذا كان الدجاج هنا يعامل هذه المعاملة فكيف بالإنسان ؟ لا شك انه سيخضع لمحاكمة عادلة جداً...!!! قالت الدجاجة: لا ... لا يا سيدي ، ليس الأمر بهذه الصورة ... فالمحاكم هنا تنظر في القضايا حسب اللون وشهادة المنشأ... ها ... وما تقصدين بهذا أيتها الفروجة العزيزة ... قالت بانكسار: أقصد ... حينما تدخل المحكمة ، يصبح القانون وحكم القانون بلونك وأصلك ، فتكفي مرافعة الإدعاء لكي تدان ، ولن يكفيك كل المحامين لو وقفوا في صفك ... وهكذا تحاكَم شعوبكم ودولكم هنا... إذنْ؛ كيف أعدموكِ بطريقة رحيمة، ولم يرسلوا بك إلى المحرقة رغم أنك من لوني وبلدي...؟ تنهدت الفروجة قائلة: شفعت لي إحدى الدجاجات الأمهات يا سيدي ،تبنتني ثم دعت جمعيات حقوق الدجاج ووقفت كلها في صفي، فاضطر القاضي لقبول مرافعة الدفاع، فقرر إعدامي وفق أصول الإعدامات هنا ونجوت من المحرقة... تعجبت فقلت متسائلاً : محامي الدفاع كان في صفك ؟ لكن لم الإعدام بعد قبول القاضي طلبه ؟ قالت: لقد كان طلبه يا سيدي أن أعدم وفق قانون هذه البلاد لا قانون بلادي التي خرجت منها، واحتسب هذه القضية نصراً له وشهرة لاسمه... همست لنفسي: هكذا الحال.... موت وإعدام على كل الأحوال؟ فسألتني: ماذا تقول يا سيدي ؟ هل أنت محكوم بالإعدام ؟ أجبت غاضباً: لا يا صاحبة الفأل الشؤم، أنا لست مجرماً ولا إرهابياً... قالت: كل هذا لا يهم يا سيدي، فقد تكفيك تهمة واحدة لكي تكون في مثل هذا الفرن... صرخت بها: أنا وسطيّ يا دجاجتي العزيزة ، وأحب التوسط في كل شيء ... سخرت مني وقالت: هل لك أن تسمع حكاية الدجاجة الوسطية يا سيدي علك تستفيد ؟ آه ... هاتِ ما عندكِ ؟ قالت: كانت بيننا دجاجة في بلادنا، وكانت دائماً وسطية، تهز وسطها للديك عند كل صباح وفي كل مساء، إلا أنها انتهت أوراقها في اللعبة بين الديك وأقرانه فقرر ربها ومالكها إرسالها ضمن بقية الدجاج للمحرقة... قلت: سأصبح يمينياً أو يسارياً لا وسطياً ولن أجعلهم ينالونني بسوء.. قالت: جرب، لكن برأيي لن ينفعك أيٌّ من هذا... قلت: خبريني يا من أوتيت الحكمة ، ما الذي سينفعني إذنْ؟ أجابت: أن تصبح سياسياً... حسنٌ ، سأصبح سياسياً ... وأن تكون متملقاً ... أجبت : لا أستطيع ... قالت: أنت خارج حدود اللعبة ولن ينفعك شيء، ثم نصحتني بقولها: ليس بالضرورة أن تقول أنا متملق، وصولي ، انتهازي ، وبلغتكم "تشعبطي" بمعنى متسلق ... وضحي أكثر ... أجابت: بكل بساطة، عليك أن تعرف من أين تؤكل الكتف... عفواً سيدتي الدجاجة، هل من مثال...؟ أرجوك اغفري لي غبائي.. قالت: هناك أشخاص يسكنون القصور وشعوبهم في المحارق ... ليس لهم من المهارات إلا أنهم يعرفون كيف ومن أين تؤكل الكتف... سألتها: من تقصدين ... ؟ أجابت: البهلوان ودحلان وأبو مازن والطريفي وعبد الله ورانيا وجنبلاط وكثير غيرهم من الذئاب التي تحكم هناك .... قلت بعد أن أحسست نوعاً من الهزيمة: لا شك يا سيدتي الدجاجة... هم يعرفون كيف ومن أين تؤكل الكتف، لكن ليس كتف الدجاجة... بل كتف ................ أما أنا.... أما أنا.... فسآتي عليك كلك لأسكت جوعي... لأني لن أعرف كيف ومن أين تؤكل الكتف، حتى لو عرفت... شتان بين كتف دجاجة... وكتف ............ صلاح الـمومني
|
|
|
|