Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
إهداء إلى المرأة الشرقية  في يوم

 

 

 

 





أحلام مسافرة في طيات السحب


          لم أكن لأتمنى يوماً أن تتوقف عقارب الساعة إلا تلك الساعة... وما كانت أحلامي لتتحقق عند لحظة اللقاء... حتى غادرتِ ... كلها أحلام ... أليس كذلك ...!!!؟ والحلم قصير قصر أنفاس المتعبين اللاهثين ... قصر أنفاس الراحلين .... وقصر أنفاسي المتلهفة للقائك ... 

يا أيتها السحب المترامية بآفاقي... يا أيتها السحب المتعالية في سمائي الرحبة... أيتها الغمامات البيض... اليوم أودعتكن أجمل أحلامي... بالله ترفقن بها ... احملنها أينما شاءت على أكف الراحة ، أمطرنها في سمائي حباً أبدياً ... أمطرنها ساعة تُغشّى عيناي النعاسَ.. أمَنَةً وهناءً  ... أمطرنها كما يحلو للبرَدِ أن يكون على قلبي المحترق الظامئ.... يطفئ لهيبه وتوقده ... أمطرنها ليكون الهتاف الرحمانيّ " يا نار كوني برداً وسلاماً"  ..ايهٍ كيف يكون الفراق برداً وسلاماً على قلوبنا ...؟!!

الآن فقط أحسست بالغربة الحقيقية... أحسست بالوحدة وسط كل من حولي ... لأنك كنت العالم بأسره ، كنت عالماً خاصاً يأسرني ، أعيش في بواطن فكره ومعتقده ... الآن فقط أحسست بغربتي ... لم يخطر لي يوماً أن يكون موطني امرأة... وأنّ الأرض والسماء وكل الدنيا تضيق على نفسي بما رحبت إن هي غادرت... إنْ هي غابت... أو رحلت ... 

هل تذكرين هذه العبارة ، يوم كان حديثٌ روحانيٌّ يسري  بيننا ، ينبئ بصمت فاق في حسن تعبيره كل الكلمات ... هل تذكرين يوم قلت لك " يكفيني صمتك كي يوحي بي ألف عبارة تكون الأجمل في تاريخ قلمي" أيكون البعد صمتاً يحيي بي كل أحزاني وآلامي... ؟ يوحي لقلمي مرثياته التي اختزلتها يوم التقيتك وأعلنتُ فرحه ... من اعتاد اللقاء يقتله الفراق... ومن أدمن الفرح لا يروق له الحزن... ولكل مقتله... فهذا أنا ومن هنا تؤتى نفسي....لكني لا زلت أحيي الفكرة من وحيك ... وحسبي هذا... حسبي هذا سيدتي...

 

      جميلة هي الأحلام... تحملنا في عوالمها خارج المحسوس من عالمنا ... تضفي على النفس بهجتها رغم القلق ورغم اضطرابها ... تشدنا حول مكنوناتها بعيداً عن العقل وتصحره ... جميلة هي الأحلام رغم أنها لا تسكن واقعنا...

 

      ليلة الأمس ... رأيتكِ في المنام ... كنت ملكة احتفال ضم الكثيرين من أصحاب القلم والفكر... كان بدء حديثك: "بسم الله الرحمن الرحيم" ثم حمدتِ الله أن انعم علينا بالعقل للتفكر في آلاء الله... أحسست بفخر إذ كنت أستمع إليك... لم تكن كلماتك متساقطةً متهافتةً كما يكون من حال دعيّات وسيدات الثقافة المستوردة، أصغيت لحديثك بكل خشوع... وكيف لا يخشع قلب أحب وعقلٌ وعى، ونفس اطمأنت لفكرك الذي لا يزال مرابطاً عند حدود الفضيلة، بل سما وحلق في سمائها ... كيف لا اخشع أمام صورة وهوية لا أجدها إلا امتداداً للماضي بكل مفاخره، واستمراراً لعمر الزمن بما يليق به من التغير والتبدل دون نكران الماضي...

 

      لقد ولدت القناعة اليوم في ذهن رجل القبيلة بعيداً عن إرهاصات السيادة التقليدية ، سيادة الذكورة لا العقل ، سيادة الشعور العلوي لا الشعور الإنساني ... لقد ولدت اليوم قناعتي أنك جئت لتقودي مجتمعك ورفيقاتك نحو عالم الفضيلة ...

 

      لم نعد بحاجة لتنظير أنصار حقوق المرأة الشرقية، لا لقاسم أمين ، ولن يجد رفاعة الطهطاوي سبيله نحو الشرقية بزيف المبادئ ، أجل سمعتكِ تخلقين تلك الحقوق لبنات شرقنا من كتاب الله .. بلغة العقل والتفكر، لا بالتقليد والانقياد الأعمى... كان حديثك كالطلّ للسنابل يحييها ويزيدها نضرة وبهاءً ... يزيدها ألَقاً فترتفع رؤوسها معانقة السحاب...

 

      في رحلة الرجل الشرقي وقفات ... أعظمها ما كان من صنع شريكة رحلته ... وفي مسيرة المرأة الشرقية عثرات ... قل أن تحدث إلا بفعل شريك الرحلة... غير أنكِ كنتِ محرك التغيير في علاقة لا تجد في صور تلك العلاقات ذات الصورة السلبية، إنما هي صور المرأة الإيجابية... تبحث عن ضعف شريكها لتقويه، وتبحث عن ضعفها لتجد في شريكها قوتها من ذلك الجانب ... تعرفين كيف تكتمل معاني الخلق الأول ، بصورة آدم وحواء ... لو خلت الجنة من أحدهما لصارت جحيماً على الآخر ومللاً لا يطاق...

 

      لقد كانت لبناتُ فكرك تشد وتقوي بنيان فكري... نحلّق في سمائنا الرحبة غير آبهين لما يدور في هذا العالم من صخب فكري أجوف... صخب كالطبول الفارغة،  لا نجد إلا فرقعتها وصوتها المنبعث من فراغ... فرقٌ بين فكر امرأة تنهل من نبعٍ رباني، وأخرى تحمل بعض ابتهالات المشعوذين من أدعياء الفكر والثقافة... وفرق بين رجل يسعى بين يدي سيدةٍ أغراه بريق طلائها وبين رجل يسعى بين يدي امرأة ينجذب إليها بقوة عقلها ونورانية قلبها وسعة مداركها...

 

      حينما ألقي نظرة خاطفة على الجموع المتناثرة تحت الأضواء ، وغانية  تغني وتتمايل بإغراء جسدها ، أجد آلاف الآلاف من ذكور القبيلة يرقصون تحت ذيل زيّها العاري ، حينما ألقي تلك النظرة تأخذني الحيرة في مدى الهوس الغريزي الذي جعل كل من يدّعون السمو ينحدرون إلى مثل هذا المستنقع ...فأتساءل حينئذٍ ...!!!  أين تكمن الفضيلة في شرقيتنا ؟!!! رجالاً ونساءً ؟ أهي في امرأة تدعو إلى حرية جسدها لرجل يطلق العنان لغرائزه... أم لامرأة اتسع افقها لرجل يسبح في فضاء ورحابة ذلك الأفق...؟  ينهل من نبع فكرها وتنال حظها من فيض نبله وسموه ؟ أين تكمن الفضيلة يا ترى ؟!!!

 

      ألا إن الفضيلة كلها فيكِ سيدتي... استقرأتها من كلماتك التي أتتني في المنام ... بدأتِ باسم الله ، وحلقتِ في عالم الفضيلة ، فانتشرتْ تلك الكلمات كالنجوم والكواكب الدرية في سماء شرقيتي فأرغمتني على النظر، ولم أجد بداً من إطالة النظر والتمعن في هيبة النور المنبعث منها... فرأيتُني وقد غشيتني الرحمة، ونالت نفسي حظها من السكون.... هناك سيدتي كتبتها في سجل الزمن ... هناك فقط انهمرت دمعة فرحي بك وامتناني، وللرجال دموع لا تنهمر إلا أمام الخطوب العظيمة... أمام امرأة عظيمة ، أمام امرأة شرقية تؤمن بطهرها وعفتها ... أمام امرأة شرقية لا زالت تؤمن بفضيلتها كي تصنع فضيلة رجل الشرق ...

 

      اليوم سافرت أحلامي في طيات السحب ... ألا أيتها السحابات المثقلات بها ... أمطرنها على صفحة الشرق طلاً  ... وسرن بها تحت شمس الصحراء ظلاً...  ألا أيتها السحب... أمطرن أحلامي في سماء الشرق فضيلة... أمطرنها، فكلنا نستسقي لصحرائنا ...

 

      اليوم سيدتي أذنت لدموعي أن تكون أختام رسالة تحمل بين طياتها الإذعان والقبول والرضا... لكِ ... ولك وحدك... أرجو القبول ....

صلاح الـمومني


 

 

 

 

 

Home
Up