|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
ساعة بصحبة مدربة الكلاب كان منتصف النهار ممطراً لا يخلو من ريح هائجة تهب بين الحين والآخر ... ، حينها بدأت الطائرة تتأرجح فوق مطبات هوائية فوق مدينة بروفيدنس (Rhode Island (... أمسكت بمسندة المقعد الأمامي ، وساندتني يد سيدة تجلس بجانبي تقول : لا تعبأ بهذا ، ليس الأمر بتلك الخطورة ... فأنا أسافر كثيراً ، وأعرف وواجهت ما هو أشد من هذا في رحلة طيران بين استراليا وبلادي (أميركا) ، ظننت أني مع ابن بطوطة أو بنت بطوطة فسألتها عن رحلاتها وهل مهنتها تتطلب ذلك فأجابت وبعد أن سار الحديث بيننا هيناً ليناً سلساً أجابتني بقولها : لا فانا اعمل مدربة للكلاب ... ثم أخذ الحوار يطول بطول الرحلة التي امتدت ساعة ونيف ... إذن ، انت مدربة كلاب ... ؟ أجابت وتبدو عليها مسحة فخر وتواضع : نعم ... مدربة كلاب .. سألتها : وهل تدريب الكلاب مهنة ...؟ قالت ... نعم ... هي تعقل ، وتستطيع أن تجعل منها جندياً أمينا مخلصاً ... قلت: ها... لهذا سمعنا من كبرائنا ورددنا خلفهم هذه الكلمة ...!! سألتني بتعجب: وأي كلمة ؟ أجبتها : "كلاب النظام" ... هل كان كبراؤنا يعنون ما فسرت لي اليوم ... ثم أردفت ، سبحان الله ...! الشعوب تتشابه بأشياء كثيرة .. لكنكم أيها الأمريكيون اختلفتم عنا في هذا المصطلح ... قالت وكيف ؟ الكلاب هي الكلاب ... أجبتها: لكن كلاب الأنظمة في بلادنا بصورة بشرية ، إلا أن فعلها فعل كلابكم "الحيوانات" أقطبت حاجبيها وقالت : أرجوك ... وضح ما تقصد ؟!! أجبت: حسناً سيدتي: الكلاب كلها تنهش ، وكلاب أنظمتنا تنهش لحومنا –نحن الشعوب- ليلاً نهاراً ، وهنا وجه الشبه ... احمر وجهها غضباً وقالت: يا سيدي ، أنا أدرب الكلاب كي تكون نافعة .. فمنها ما يرقص ، ويلتقط الصحن الطائر ، ومن هذه الكلاب ما يحرس العجائز ، ويقود الأعمى ... ثم أتدري يا سيدي العربي ؟ هناك أمر لا بد أن تعرفه ... سألتها: وما ذاك؟ أجابتني : نحن نتخير الكلاب الذكية ، فليس أي كلب هو قادر على أداء المهمات ، حتى كلاب الحراسة ، فكما ينبغي أن تكون كبيرة الحجم ، عالية الصوت بنباحها ، إلا أنها لا بد أن تكون في غاية الذكاء ... قلت: ولم هذه بالذات يجب أن تكون في غاية الذكاء ؟ قالت وقد رفعت حاجبيها للأعلى : لكي تميز بين الأعداء والأصدقاء ... إذ ليس المطلوب منها أن تنبح وتزعج الجيران وأهل البيت ... ولا أن تنهش لحوم المارة من أمام العمارة ، بل لا بد أن تعرف أن الشخص الذي تنبحه أو تهاجمه هو لص أو معتدٍ يريد إيذاء أصحاب الكلب ...
فغرت فمي ثم تنحنحت
وتنهدت فبادرتني : ولم هذا كله يا سيدي ...؟ (انظري: هذه صورة كلاب النظام يركلون مواطناً ولم يتركوه حتى مات ، ومثل هذه الصورة تتكرر في كل عالمنا العربي) هنا استوقفتني وسألت: وما وجه التفضيل ...؟
قلت: كلابنا البشرية
يشترط فيها الغباء ، أتدرين لماذا؟ لأن النظام لا يميز بين مواطن شريف ومواطن مشاغب
، ولا يفقه مسألة مذنب وغير مذنب ، فكلنا مذنبون بنظره ، إذا تظاهرنا بسبب رفع
أقساط الجامعة فنحن مذنبون ، وإذا طالبنا الحكومة بتخفيض الضرائب نحن مذنبون ،
وإذا صار أحدنا ذا رأي سياسي ، فالويل له ولأهله وعشيرته ... احترت كيف أوصل الفكرة لها: يا سيدتي –هداك الله لما يحبه ويرضاه- ألم أقل لك إنهم يشترطون في كلابهم الغباء...؟! هؤلاء يا سيدتي يرون في كل محجبة عدوة إذا ما سارت سيدة محجبة في مظاهرة ... لذا لا يهم الشخص بعينه ، بل تسري العقوبة على كل جنسه ، وهم يسعون بين المتظاهرين أو السياسيين ، وألئك الذين يرون غير ما يرى النظام ، فيتمعنوا في وجوههم ، فإذا كانوا من ذوي اللحى ، صارت كل لحية عدوة ، فهم لا يميزون بين لحية لينين التي عفنت وعفا عليها الدهر وعلى فكر حاملها ، وبين لحية محمد ومن سار على نهجه بحق دون تحريف أو تزوير ، فكلها لحى بالنسبة لهم ، لذا لا تستغربي أن تجدي في السجن بنفس التهمة ، شيوعي ومسلم أو مسيحي ، هل لك في هذه الطرفة ؟ أجابت ، تفضل يا صديق الساعة: ثم ذهبت أسرد لها الحكاية: في جامعة من جامعات بلادنا ، تظاهر الطلبة مطالبين بتخفيض رسوم الجامعة لأن ذويهم دخلهم محدود أو بدون دخل، ولا يستطيعون دفع تلك الرسوم ، فلما يئست إدارة الجامعة من مطلبهم ، استدعت –كلاب النظام- وقالت لهم هؤلاء لا يحبون سيدكم ، وهم ثائرون ضده ، وصل الكلاب ، أحاطوا بأسوار الجامعة ... ثم اقتحموها وبدؤوا بجمع الطلبة بعد ضربهم في شاحنات لا تصلح لنقل الحيوانات ، وحينما تقدم "نائب في البرلمان" ليتوسط للطلبة واعداً بوقف الإضراب ، حملوه وألقوا به مع الطلبة وقالوا له "هناك الفرز" ، حتى صاحب الحصانة البرلمانية لم يسلم منهم وهو وسيط بين الطلبة والحكومة ... لذا ينبغي أن يكون الواحد منهم غبياً أشد الغباء ، ولو تبين أن أحدهم على درجة يسيرة من الذكاء ، أو حاول التفكر في أمر يسدى إليه ، لاتهموه بجناية وعقدوا له محكمة وأبعد من صفوفهم ولربما يسجن أيضاً ... التفتت إليّ تلك السيدة ، وللحق لها أسلوب جذاب في الحديث ، ولا أعتقد أنها بدون هذا الأسلوب تستطيع التعامل مع كلاب لا تجد في قاموسنا العربي إلا اللعنات ، أو ربما هي وسيلتنا للعن حينما نغضب من أحد هذه الكلاب... قل لي يا سيدي العربي: ما الذي أتى بك إلى أمريكيا، وكم أخذك من الوقت لتعلم اللغة الإنجليزية...؟ جئت إلى أمريكيا مبعداً من قبل واحد من الأنظمة التي حدثتك عنها ، وقد حول الوطن إلى سجن كبير ... لقد جئت طالباً للحرية ... وصدقيني أنني وكل من جاء من بلادنا نرضى بنفس القدر من الحرية التي تعطى للحيوانات هنا... السيدة: بل لك كل الحرية ، فالدستور ينص على أن كل من يسكن الولايات المتحدة يتمتع بنفس القدر من الحرية بغض النظر عن لونه وجنسه وأصله ... أما اللغة الإنجليزية ، فقد تعلمتها في الجامعة ومن الناس ، وخصوصاً إن كان المعلم سيدة جذابة مثلك ... ها ... وما تعلمت مني ؟ تعلمت الكثير ومجاناً، تعلمت أن اختلاط الشعوب هو الأجدى لبناء العلاقات السلمية بينها، وليس بناء السفارات ... تعلمت أن الحوار له فن وخلق لا بد من التحلي به لنصل إلى نتيجة... قالت: لكنك محاور لبق ، وتعرف كيف تنتقي كلماتك ... علقتُ على قولها: لباقة الحديث تصنعها ملامح ومنطق وهيئة الطرف الآخر المشترك في الحديث ... أترينني لو كنت في مكتب تحقيق في دائرة المخابرات ، هل سأتحدث بنفس الطلاقة وبشفافية الروح هذه .. سألتني ولم لا؟ أجبت: في تلك الدوائر يا سيدتي يفسرون الكلام على غير موضعه، وبما يخدم تثبيت التهمة الموجهة لصاحبها ، بينما كنت تستوضحين مني ببراءة حينما يلتبس الأمر عليك ، أو حينما تكون عبارتي كحديث الدبلوماسيين يحمل معنيين ومعنىً آخر يخفونه ليستخدموه عند الحاجة ... أراك قد شملت الدبلوماسية بحديثك، هل لك أن تحكي لي ما تقصد ؟
أراكِ تدخلينني كهف
السياسة ، وأنا أحاول الخروج منه ، لكن لا بأس يا صاحبة الصون: سألتني بعد ذلك ، وكيف ترى صورة الولايات المتحدة في بلادكم ...؟ أجبتها: لها صورتان ، واحدة جلية وواضحة ، والأخرى ربما تأخذنا العمر كله لنوضحها ، أما الصورة الجلية الواضحة فهي صورة الولايات المتحدة في العراق ... صورة القاذفات التي دمرت ملاجئ وبيوتاً سكنية ، صورة السياسة التي تحمل المنطقة كلها على كف عفريت لتلقي بها في جهنم ... أميركا الحرب ... ودبلوماسية العصا ... الدبلوماسية التي لا ترحم أحداً خارج ما يسمى بالمصالح الأمريكية... (American Interest) والحقيقة ، هذه مصالح أناس معينين في الحكم وليست مصالح أميركا... سألتني وما الصورة الثانية التي ربما تأخذكم عمراً من الزمن لتوضيحها؟ قلت: صورة أميركا الإنسان ، الشعب الطيب ، الحياة والعمران ... صورة أميركا تمثلها سيدة لبقة مثلك ، تتقن الحديث عن العادات والتقاليد ... أميركا الطبيب الذي يجعل الإنسانية طريقه لعلاج مريضه قبل مشرطه وقبل وصفة الدواء الكيماوية ، نعم أميركا الجميلة كلها وبكل مظاهرها التي اختفت وراء أخطاء الساسة ، واختفت وراء قاذفات الصواريخ والقنابل ... شعوبنا يا سيدتي طيبة ، تريد من يحسن إليها ، تريد من يعيد لها إنسانيتها ، تبهرها الكلمة اللطيفة ، بل تأسرها ، نريد من أمريكيا أن تقدم للعالم صورة شعبها الذي بنى حضارة تستطيع أن تقود العالم بأسره لما هو خير ... تخيلي يا سيدتي .. تخيلي لو أن هذا العالم ،عالم الكوارث ، عالم الأعاصير والحرائق ... عالم الظلم والسجون والإبادات الجماعية ... لو أن هذا العالم المهتز المرتجف قد لامسته كف كتلك التي لمست قلبي وهو يرتجف مع اهتزازات الطائرة ... أترينه سيبقى يرتجف ؟ ... سيدتي : لمسة كهذه تغير العالم وتهدئ من روعه ... لكنها لمسة مدربة الكلاب وليست لمسة سياسي أو عسكري في قبضة يده قلم يوقع به قرار حرب وأصبع على الزناد ... دمت بخير سيدتي ... لقد هدأت روعي لساعة ... سأروي لعالمنا ما حدث ... وربما أقول لأصدقائي الأمريكيين ... لتكن رئيسة الولايات المتحدة للمرحلة القادمة مدربة كلاب ... تملك تلك اللمسة الإنسانية ... يا شعوبنا ... لا تأخذوا صورة أميركا من عسكري ودبلوماسي ... بل هاهي تتجلى في صورتها الإنسانية بلمسة مدربة الكلاب ... الحوار القادم سيكون مع القطين "أسود وكوكي" وحقوق الإنسان .... صلاح الـمومني
|
|
|
|