|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
خواطر صبيحة العيد رسالة إلى أمي .. هذه هي صبيحة العيد يا أمي .. تتجدد فيها الخواطر كما تتجدد الثياب للأطفال في كل الأعياد ... لكنها تبقى بنفس الروح التي اهديتني .. كلها الشوق والحنين ... الشوق والحنين إلى الماضي وتذكر ليلة الرحيل... اليوم عيد الأضحى... اليوم تصعد أرواح الأنعام إلى بارئها ملبية طائعة لأمره تيمناً بفداء نبي الله إسماعيل ... وبنفس الوقت تزهق أرواح شعوب بأكملها تحت أقدام طواغيت الأرض ... حالة تضحية تتوحد فيها المشاعر بين الخراف المذبوحة والشعوب التي أزهقت أرواحها ... يا للعجب... صبيحة هذا العيد يا أمي ... على غير عادتي ، لبست العباءة العربية ... نظرت في المرآه ... فرأيت صورتي غير صورتي ليلة العيد التي رحلت فيها عن الديار قبل عشرين سنة .... لقد اشتعل الرأس شيباً وابيضت اللحية، وكأنني حملت من أوزار الغربة ما تبيض له المفارق واللحى ... بل ما تشيب له الولدان ، وكيف لا يشتعل الرأس شيباً وهذا البعد كالنار يكوي أفئدتنا...؟!! كيف لا يبيض الرأس ونحن نعيش الهم مرتين... هم الأهل والأحبة الذين فارقنا ، وهمنا الذي ولد مع غربتنا ومنفانا...؟! ،وضعت كوفيتي الحمراء لاغطي هذا الحقل المشتعل على رأسي ، كانت كوفيتي بلون دماء شعوبنا المسفوحة على الطرقات ... كل عام وأنتم بخير أيها المنفيون المبعدون عن اوطانكم .... كان قد وقع عليّ واجب خطبة العيد ... ولست أحمل هم الحديث كما احمل هم الفكرة التي أطرحها ... فتلك مسؤولية يحاسبني عليها ربي، وما أصعبها من حالة لو وقفت أمامه يسألني ولا أجيب ... فسؤاله ليس كسؤال رقيب الدولة ... فالله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ... ورقيب الدولة لا يعرف حتى اسمه ، فهو الظالم الذي يحكم دون بينة ودون إثبات... قلت لنفسي ... لعل السلامة تكون في سرد قصة أو حكاية ... حينئذ سارويها كما كتبت ، فلا أتقول بشيء من عندي يحاسبني عليه ربي ... يكفيني ما تحاسبني عليه أجهزة الدولة دون ذنب ، ويكفيني أنني أحترق بنار المنفى لراي قلته ... كم أنا حريص أن لا تكون غربتي غربتين يا امي ، واحدة في الدنيا ، واخرى حينما نقف أمام ربنا للحساب ... رأيت أن أسرد على المحتفلين حكاية إبراهيم الخليل ...خليل الرحمان ... وحبيب الرحمان... وحكاية زوجه هاجر ... كما هي قصة إسماعيل الذبيح .... إنها حكاية مولد محمد صلى الله عليه وسلم .. وازدهار مكة... كان إبراهيم يا أمي "أمة" ، هو واحد لكنه بفعل أمة بكاملها ... (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )، وكان رقيق القلب عطوفاً حنوناً .. "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأواه حَلِيمٌ" "... رفض الأصنام رغم ان والده هو صانعها ومروجها ... ورفض الطاغية النمرود وحاججه ... فكان جزاؤه النار ألقاه فيها قومه واهله ... هذا النبي الذي ثار على الأصنام وحطمها ، ألقاه أهله وعشيرته في النار انتصاراً لآلهتهم التي لا تضر ولا تنفع ، فلا تبتئسي إن ألقى اهلي وعشيرتي بي في نار المنفى ... "فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين" ، لا تبتئسي يا سيدتي فما يكون من أمرنا إلا قدر الله وقضاؤه ... ويكفيني أنني مازلت على ملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً وما انا من عبدة الأصنام ... خليل الرحمان مر بكل صروف الإمتحان، فهاجر هجرات ، وهاجر بعد الهجرة ... ألقى بزوجه ووليده في صحراء قاحلة بأمر من الله ،والله يعلم ما سيكون من حال هذه الأرض ، وهاانت ترين ونرى جميعاً كيف صارت مقصد كل مسلم من كل بقاع الأرض ... إبراهيم لم يكن ليفقد الأمل بالله ... فمن أجله ترك والده "آزر" وكل القبيلة التي تعبد الأصنام ومن أجله هاجر وارتحل ... إنه حال الأوابين الخاضعين لربهم ... رفع يديه إلى حيث القوة والرحمة ... إلى حيث تكمن أسرار هذا الكون ... رفع يديه إلى السماء ... وما كان شاكياً ... بل داعياً ... {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ}. كانت هجرته لله ، فكان حقا على الله وصله ، وكان حقاً على الله أن يؤنس غربته وأهله ، وها انت ترين اليوم مكة ... من أكثر بقاع الأرض اكتظاظاً بالناس اختلفت ألوانهم وجنسياتهم ، لقد صارت أرض الأفئئدة اجتمعت حول هاجر وابنها الصغير ...يقصدونها في هذا الموسم ليعظموا اسم الله ... وينعموا بما أتمه الله على أمتنا من خير، وما كان الخير إلا في معول إبراهيم عليه السلام الذي حطم الأصنام ، ثم جاء من بعده من ذريته محمد صلى الله عليه وسلم ليحطم ما تبقى منها وما توارثه المبتدعون من بعد إبراهيم ... وهذه حكاية وعبرة لكل من بعدهم ... وستسقط أصنامنا كلها ولن يبقى منها حتى كبيرهم ... سيسقطون جميعاً لأن الله قال وما أصدقه من قول "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ... وهل نحن إلا من أتباع الرسل وحملة الأمانة... أبشري يا أمي فسيسقط الصنم وسيعلو ذكر الله ؟!! وسيلتم الشمل ... لا تبتئسي سيدتي ... "أسكنت من ذريتي "ذريتك" بمدائن اليباب ... في الطرف الآخر من الكون ... على شواطئ تجمدت وجمّدت العواطف والمشاعر ، لكنني لا زلت أحمل مشاعري ذاتها التي رحلت معي ليلة العيد، ليلة ودعتك بقبلات يدك الكريمة ، وقبلت يد أبي الطاهرة وكانت الأخيرة في دنيانا ... ، ذاك الذي تركنا على محجة أحمد البيضاء فما زاغت قلوبنا وسط أضواء المدائن المحيطة بنا، وما غيرنا القبلة عن ذات القبلة التي كنا نتوجه إليها إذ كنا اطفالاً نتعلم منه الصلاة، وكم علمنا –يرحمه الله- أن جباهنا قد تكرمت بالسجود لله ، فلا ينبغي لها أن تسجد للطغاة أبداً ما حيينا ... أجل كان وداعي له الأخير ، وكنت أرى الدمعة في قلبه دماً لكنه لم يذرفها ... قد كان عصي الدمع لكنه "الأواه الحليم"، ، ثم غادرنا وهو لا يزال يهتف بنا ، بأبنائه ... عليكم بالمحجة البيضاء ... وها هي امامنا كبرهان الله ليوسف في محنته ، وكسكينة الله أنزلها قلب نبيه إبراهيم وهو يلقى في النار، وككلمات الله تثبت فؤاد نبينا محمد في مواجهة أبي جهل وأصنامه...-على رسل الله جميعا الصلاة والسلام-
هل تذكرين يا سيدتي لحظة دخولي بوابة المسافرين ... كنتِ خائفة أن يعيدني أقزام النمرود لإلقائي في النار، وكنت تنتظرين ، وطال انتظارك بسبب تأخر الطائرة، ثم يئست مشهد الفراق وأردت الخروج ، حينها جلست على مقعد أنتظر ركوب الطائرة ... وبعيد لحظات ، هببت من على مقعدي مذعوراً ... اجتزت الحواجز عائداً إليكم... وناديت من على سلم المبنى ... وكدتم حينها تغادرون صالة الوداع ... ناديتك .. وناديت أبي ... كنت أحس أنها ستكون الرؤية الأخيرة ... خبأت إحساسي بالحزن والمفارقة بما تعهدونه من طًرِف أطلقها حينما تضيق نفسي ... ناديتك وكان أبي لا يزال يرمقني ... لم يكن بي من طرفة أحكيها لكنني ابتدعت شيئاً يضحككم ... غير أنها كانت لحظة أتفرس بها وجه أبي... أستزيد لنفسي من رؤيته في دنياي ... أتدرين لماذا ... لحلم راودني قبل ذلك بأيام ... وكنت في مشاهد الكابوس أرمق أبي ... وكأنها النظرة الأخيرة ... وهذا ما حدث ... لقد غادرنا منذ أعوام ... وما أحب لهذا أن يتكرر ... فما زلت أعيش لحظات الشعور بالذنب ، ولم أهنأ بعيدٍ منذ ذلك العيد ...
بعد أداء صلاة العيد والخطبة التي استذكرت فيها حكاية خليل الرحمان، وبعد أن استظللت بما فيها من روحه ، خرجت لأرى الأنعام يضحى بها ... ورايت المقصلة ... تشبه ذات المقصلة التي كان يذبح على أسنتها من يحكم عليهم بالإعدام أيام الثورة الفرنسية ، لكننا هنا نعدها لذبح الخراف ... وتذكرت كم تذبح شعوبنا على مقاصل الطغاة ، وتخيلت كم يموت من الأبرياء دون ذنب ، إنما لأنهم رفضوا السجود للطغاة ...
هذه هي حال الجباه التي تكرمت عن الوثن، إنها لازالت تذبح على المقصلة في سجون "آزر" ومن آزره من أجهزة القمع ... أولئك هم سجناء الرأي ... أولئك هم الذين فرضوا الحجة فقابلهم الجلاد بسيفه ... قابلهم النمرود بناره ... أيها المارقون على إنسانيتهم ... إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتوا بها من المغرب ... ها أنتم تبهتون .... وهكذا تتكرر الحكاية ما بين أتباع إبراهيم وأتباع آزر والنمرود ... فهل تريدينني أن أسلم رأيي لهم ولأصنامهم... ما ظننتك هكذا أبداً ، فقوليها كما قالتها هاجر للخليل وكما همست بها في اذن طفلها إسماعيل... آلله أمرك بهذا ...؟ وحينما ارتد الجواب نعم ... قالتها بنبرة المؤمنة المتيقنة... فلا يضيعنا .... ولن يضيعك الله يا أمي ... فهذه لله وما هي لهوى النفس ... واي لذة في عذاب المنفى نجد ...؟!!
هذا الصباح بدا الناس في حلة العيد غير أنهم تلونوا بحكاياتهم ... وكثيرة هي حكايات المهاجرين، حكايات المنفيين المبعدين الهاربين من مقصلة النظام إلى مقصلة النفي والهجرة ...
قبل عدة شهور اتصلت بصديق لي أعزيه بموت أمه التي لم يرها منذ ثلاثين سنة، كان الحديث معه كدمعة تحجرت على مر السنين، كانت أشد إيلاماً من دموع ساعتها ، هذا الصديق قتلته مقصلة النفي والإبعاد ، كما أراها تقتلني كل يوم ... وبالذات كل ليلة وصبيحة عيد ...
بالأمس كان الوصل عبر الهاتف... أحسست حزنك ، وأظنك متيقنة تمام اليقين من مساحة الحزن التي تسكنني منذ تلك الليلة البائسة –ليلة العيد الذي هاجرت- ، لكنك أفصحت عن الذي يؤرقك ... قلتها وبذات النبرة "الأمومية" ، "اليوم صرت وحيدة لا أسمع اصواتكم إلا من خلال الهاتف، ولا أرى صوركم إلا عبر شاشة الكومبيوتر" لقد أحيت بي كلماتك على الهاتف إحساساً يفوق الرغبة بلقائك ... وها انا أروي لك مشاعري ليلة و صبيحة العيد ... عيد الأضحى ... اليوم انا غريبٌ غريقَ حزني ... لكنني لن ادعك لحزنك و-بإذن الله- وكما أخبرتك على الهاتف ... سابدد حزنك بلقاء آمل أن ياذن الله به ، ليس على أي أرض إلا تلك التي ودعتك وأنا أغادرها قبل عشرين سنة ... حينئذ فليفعلوا ما بدا لهم ... فما وجدت فرقاً بين مقصلة تحز الرأس وأخرى تدمي القلب والروح ... لا فرق بين مقصلة النظام ومقصلة المنفى ...أما أولادي من بعدي ... فلن يضيعهم الله ... فالله خير حافظاً وهو أرحم الراحمين ....
يا نار المنفى كوني برداً وسلاماً على المنفيين ... يا مقصلة الفراق كوني رحيمة بالمهجرين المبعدين ... ويا أيها الوطن المتلظي بنار الطغاة ... قد مات النمرود من قبل ولن يخلد أحفاده ... وقهر "آزر" وتحطمت اصنامه حتى كبيرهم ... وستعود بإذن الله أيها الوطن ملاذاً لأفئدتنا الظامئة للقاء ...
سلمت يا أمي ويا كل أمهات المبعدين المنفيين ويا كل أم على وجه الأرض وكل عام وأنتن بخير ووصل .. صلاح المومني
|
|
|
|