Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
معركة الكرامة

 

 

 

 





حمى السياسة الأردنية


قاتل الله الحمى، فهي التي أيقظتني بعيد منتصف الليل لأكتب هذا الرأي فيما يتعلق بالحكاية الجديدة التي ظهرت على سطح العلاقات الأردنية الفلسطينية ، -حكاية الصواريخ وشوية الفشك الفاسدة المكتشفة-، والحمى لها نفحات من فيح جهنم تخرج بالعقل عن مساره فتراني على صعيدي الخاص أتحدث بما يجوز وما لا يجوز ، وكذلك الأمر في السياسة ، فحينما يصاب النظام بالحمى يصبح حديثه من قبيل الهلوسة السياسية وليس حديث عقل.  

للحق بقيت صامتاً طوال هذه الفترة لاستقراء مستجدات الحدث، لأنه وفي حالة أي ادعاء لا نملك من الحقائق إلا ما تجود علينا به الجهات المدعية، وفي هذه الحالة كان على النظام الأردني وجهازه الأمني أن يقدم أدلة مقنعة لأن البينة على المدعي ، لكن يبدو أن السياسة قد ألغت هذا المبدأ العدلي ولم نرَ إلا بعض الصور لأسلحة ربما هي من تلك الأسلحة الفاسدة التي زودتنا بها بريطانيا في معاركنا المفتعلة مع إسرائيل في حرب الجيوش السبعة أو حرب الأيام الستة كما يحلو للبعض تسميتها.

غير أنه لفتها نظري عدة أمور أود التعليق عليها:  

مسألة التوقيت: حيث تزامن هذا الاكتشاف الرهيب مع زيارة الدكتور محمود الزهار للأردن ، وهذا يجعلنا غير مصدقين للرواية ، إذ ليس من المعقول أن تقوم حماس "السلطة" والتي بدأت بتوجهها نحو العملية السياسية ، ليس من المعقول أن تبدأ خطواتها الدبلوماسية لحشد التأييد بعمل كهذا ، حيث تعلم ذات الجهة –حماس- أن النظام الأردني يعمل جنباً إلى جنب مع الكيان الإسرائيلي من ناحية فيما يتعلق بالقضايا الأمنية والدبلوماسية ، كما أن النظام الأردني يعد مفتاح العلاقات المستقبلية لأي كان في السلطة الفلسطينية مع دول أوروبا وأمريكيا من ناحية أخرى ، لذا فالقائمون على الأمر في غزة ليسوا أغبياء ليتجاهلوا هذه الحقائق فيقوموا بعمل كهذا. 

الأمر الآخر الملفت للنظر في هذه الحكاية ، هو إدعاء النظام الأردني أن هذه الصواريخ موجهة للقصر ومبنى المخابرات ، وما أدري لماذا تتجه الحكومة نحو تصعيد العلاقات؟!! رغم معرفتها التامة أن حماس لو أرادت فعل شيء كهذا لفعلته قبل لبس الثوب السياسي الذي يتخذ من الخط الدبلوماسي وسيلة لإيصال الفكرة ، فحماس التي عانت بسبب تشريد قيادتها السياسية الخارجية كان أولى بها منطقاً أن تلجأ لمثل هذا العمل غير الأخلاقي في ظل تصرف غير أخلاقي قامت به الحكومة على يد عبد الرؤوف الروابدة حينما نقل قادة المكتب السياسي من السجن معصوبي الأعين إلى طائرة لتسيح بهم في الأرض والسماء دون وجهة أو مهبط لتستقر بهم الأمور في قطر ثم سوريا، حيث تم هذا بعيداً عن الإجراءات القانونية .

لذا أجد كما يجد الكثيرون مشكلة بتصديق مثل هذا الحدث وهذه التهمة رغم أن كل شيء ممكن في هذا الزمان ، لكن القرائن كلها لا تشير ولو لدرجة واحدة إلى صدق الرواية ، بل كل القرائن تثبت ضعفها ، بغض النظر قبلنا أم رفضنا وجود حماس في السلطة. 

استقبال عباس وإلغاء زيارة الزهار مأخذ سلبي ، وهو من قبيل دق الإسفين في قلب الوحدة الوطنية الفلسطينية ، حيث بدت مظاهر هذا الفعل تطفو على السطح باشتباكات بين عناصر فتح وحماس ، ولن أحمل الحكومة الأردنية مسئولية هذا الحدث وحدها ، لكن كان لتصريحات "مشعل" غير الحكيمة وزيارة عباس المرحب بها أردنياً كان لها دور في إذكاء الفتنة وإشعال فتيلها ، ثم هي من الناحية السياسية غير منطقية وليست مقبولة ، فحكومة حماس ليست منفصلة عن رئيس الدولة وهناك التزام قانوني سياسي بين طرفي السلطة في فلسطين ، ومحاولة التفريق هذه تعد محاولة رخيصة للنيل من وحدة الفلسطينيين ، لا نلوم عليها الطرف الأردني بقدر ما نلوم عليها عباس الذي تصرف بمنأى عن شعبه وبلده ، وذهب بصورة الأب الذي يسعى لتأديب أولاده لخطأهم بحق الجيران.  

أجل لقد بدت زيارة عباس هذه شرخاً حقيقيا في الصف الداخلي خصوصاً أن عباس يمثل اتجاهاً آخر في السلطة وبالتالي فإن كل من ينظر للأمر لن يحسن تفسيره ، لذا كانت تصريحات مشعل هجومية مما دعا الأطراف للاشتباك وتحويل بنادقهم  ومديهم إلى نحور بعضهم البعض. 

لمصلحة من ؟!!! 

ليست هذه الضربة موجهة فقط لحماس ، لكنها موجهة للتيارات الإسلامية في المنطقة بأسرها ،  بل هي موجهة لكل الأيدي النظيفة ، فجميع الأيادي التي تدير الأنظمة ملطخة بالفساد ، ولم يكن اختيار حماس إلا ردة فعل على فساد رموز السلطة التي جاءت بها أوسلو ، لذا فإن هذه واحدة من سلسلة أحداث قد "تفبرك" وتلفق للنيل من التيارات الوطنية والنظيفة للحد من وصولها إلى السلطة في أي دولة عربية ، وهي سياسة واضحة جلية تسعى لإبقاء شعوب المنطقة تحكم وفق أجندة إدارات فاسدة. 

لقد اختار الشعب الفلسطيني حماس لتدير البلاد ، ونحن أحببنا أم لم نحب ، علينا قبول خيار الشعب، وقد كانت انتخابات فلسطين نزيهة كما لم تشهد أي دولة عربية نزاهة مثلها ، وكان للبعض اعتراضات على وجود ياسر عرفات رئيساً للسلطة وطلبوا منه النظر في المرآة ، واليوم وبعد ذهاب عرفات لم تعد المرآة تكفي بنظرهم فدخلوا مرحلة التلفيق ، وهذا بحد ذاته سواء الطلب بالنظر في المرآة أو تلفيق تهمة لتوريط شعب بأكمله ليس أخلاقياً ، لأن أدنى حد للأخلاق احترام رغبات الغير. 

وبذات القدر الذي نرفض فيه أن يصبح بلدنا سواء كان القصر أو مبنى المخابرات مستهدفاً لأي من القوى في المنطقة، بذات القدر نرفض القصص والحكايات التي لا ترتقي لمستوى العقلانية والمنطق لأن هذا انتقاص لنا كأردنيين قبل أن يكون ظلماً للآخرين. 

مسألة العلاقات الفلسطينية الأردنية هي في غاية الأهمية، ووضعها في إطار الريبة والشك ليس في مصلحة أي من الأطراف، وإشعال فتنة وخصومة بين الشعبين لن يعود بخير على أي منهما وهي ليست أكثر من خدمة مجانية للإسرائيليين، ولكل من يريد السوء لشعبنا الأردني الفلسطيني.

هذا الذي حدث يذكرنا بما تم التمهيد به لفتنة السبعينات، ونحن كأردنيين نرفضه رفضاً قاطعاً ، فوحدتنا وألفتنا مع أهلنا في فلسطين مطلب قومي وطني إقليمي في ظل ما يجري في المنطقة ، وكما نرفض هذا الذي حدث نرفض زيارة عباس ، فلو كانت الحكاية حقيقة مبرهنة فعباس طرف فيها ، لأننا نتعامل مع سلطة فلسطينية ، لذا على الحكومة الأردنية أن توضح لنا حقيقة هذا المسار ، فالبينة على المدعي ، وبينة الحكومة لا ترتقي لمستوى التصديق العقلي ، وفي مسألة كهذه تمس الشعب الفلسطيني بأسره نرفض أي رواية كائناً من يكون مروجها ، لأن مصلحتنا مع أهلنا وإخوتنا الفلسطينيين فوق كل اعتبار، ونكرر أن البينة على المدعي وليس "التلفيق".  

صلاح الـمومنـي


 

Home
Up