Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
عبد الحليم خدام

 

 

 

 





حماس في بطن الحوت


حينما فازت حماس كانت تحليلات الكتاب والصحفيين جاهزة من يمينييهم إلى يسارييهم ، ثم ظهرت النكات حول كيفية إدارة حماس للسلطة ، بدءاً بتلوين الشوارع باللون الأخضر ومروراً  بتغيير زِي الشرطة إلى "دشاديش" وانتهاءً بمخالفة السائق غير المتوضئ وهكذا استنكاراً وتندراً بوصول حركة تحمل البرنامج الديني ضمن أجندتها السياسية إلى السلطة .

ثم ولأن حماس مصنفة ضمن قائمة الجماعات الإرهابية أمريكيّاً وأوروبياً حتى في الدول العربية التي شنت حروباً في الظاهر ضد إسرائيل، ثم دخلت في العملية السلمية ، لم تتغير لغة الخطاب في التعامل  لدى كثير من هذه الدول معها ، ولم تتغير أجندة أجهزتها الأمنية من مساءلة ومضايقةٍ ليس لمن ينتمي لحماس فقط ، بل لكل من له لحية أو يجد طريقه إلى المسجد ، ظناً أن هذا هو مظهر التأييد لهذه الحركة ، حتى أنه لم ينج من هذه المضايقات من كانوا يطلقون فتاواهم بتكفير حماس ، ناهيك عن مؤسسات وجمعيات العمل الخيري التي تنفق على أيتام فلسطين وغير فلسطين،  ليظل التساؤل قائماً هل ستنجح حماس بفرض إرادتها وخيار الشعب الفلسطيني ؟ وهل سيحترم العالم هذه الرغبة لو صدّقنا المقولة أن دول "الدمقرطة" تسعى حقيقة لنشر الديمقراطية في المنطقة؟ ثم نتساءل:  حينما اختار الإسرائيليون المتطرف شارون لقيادتهم؛ لماذا لم ينظر العالم من ذات الزاوية ولماذا تحترم إرادة الشعب الإسرائيلي بينما لا تحترم إرادة الشعب المصري بوصول الإخوان أو الفلسطيني بوصول حماس ؟ ثم لنتساءل أخيراً؛ هل دخلت حماس بهذا الفوز بطن الحوت دون وهل ستحسن التعامل مع هذا الظرف؟

من أين أبدأ رحلتي لاستكشاف بطن الحوت الذي ربما دخلته حماس يا ترى بعلم أو بدون علم ؟ من  مرحلة دخول موسى أبو مرزوق السجن وتوسط الملك حسين لإخراجه وترحيله إلى الأردن ؟ أم من تصريحاته بعد إطلاق سراحه من سجنه في نيويورك باستعداده للسلام مع إسرائيل إذا ما انسحبت الأخيرة دون شروط من الضفة والقطاع ؟ أم من محاولة اغتيال خالد مشعل رئيس الجهاز السياسي لحماس في الخارج  والتي استثمرها الملك حسين بإخراج الشيخ أحمد ياسين من معتقله؟  هل كان لاستبعاد الحركة من عمان لاحقاً دور في الوصول إلى هذه المرحلة ؟ ربما فالبعرة تدل على البعير، وهل كان اغتيال الدكتور عبد العزيز الرنتيسي والشيخ أحمد ياسين وبقية القيادات "المتشددة" في نظر الأطراف الأخرى ضمن أجندة العمل للوصول إلى هذه الحالة ، وهل  تقصد السياسة الدولية اللاعبة في الشرق الأوسط إدخال حماس اللعبة السياسية "بطن الحوت" لتصفيتها ؟  كلها أسئلة أستعين على إجابتها بتحليل لسلسلة العقد الماضي بكل ما حمل من آلام وآمال على الساحة الفلسطينية.

لقد كانت قضية موسى أبو مرزوق البداية في سياسة العصا والجزرة ، حيث تلقفته السلطات الأمريكية بعد أن حوصر ولم يجد مكاناً يلجأ إليه في المنطقة العربية ، وإلا ما بال قطر وسوريا بقيتا بعيدتين عن خيار استقباله فيهما ليضطر للعودة إلى أميركا؟ لقد كان استدراج الفريسة للفخ لتمهيد الطريق نحو تطبيقٍ لذات التصريحات " استعداد حماس للسلام مع إسرائيل" فدخول المفاوضات لن يكون دون صعوبات ، ثم عاد أبو مرزوق بعدها ليعلن أنه سيلتزم بما تمليه معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية ولن يصدر من على الأراضي الأردنية أي تصريح يمس أمن إسرائيل 

هذه التصريحات لا شك ولدت انطباعات لدى حكومة إسرائيل والإدارة الأمريكية أن التحاور مع حماس ممكن لكنه لا ينبغي الإعلان عنه حتى يأتي الوقت المناسب ، ولعل الوقت المناسب يكون بعد ترويض الفرس الجموح ، وبعد التخلص من كل القيادات التي تشكل عائقاً في تغيير مسار المقاومة لدى حماس ، ثم إنه لا بد من وضع حماس في مقعد القيادة إذ ليس بالإمكان التفاوض معها بينما قيادة السلطة لغيرها حيث سيكون هذا التفافاً على أصول العمل السياسي.

لقد وجهت إسرائيل وحكومات العالم ضربات قوية لحماس، فهي المطاردة عسكرياً في فلسطين كلها، وقضائياً وأمنياً في باقي دول العالم،  بما في ذلك الدول العربية باستثناء مؤقت لسوريا ولبنان ، وكان الهدف من هذه الضربات إما الاجتثاث أو الإضعاف لكي تسيطر إسرائيل على طاولة الحوار وتضع ما تريد من شروط .

المحرمات في اللعبة السياسية ليست دائمة ، والأمثلة كثيرة على ذلك ، فقد كانت منظمة التحرير من المحرمات إسرائيلياً وعند الكثير من دول العالم الحليفة لإسرائيل ،  لكن عادت القيادة الإسرائيلية لتصافح ياسر عرفات ثم لتقتله في مقر سلطته ، ولن تكون حماس أقل من ذلك ولا أكثر ، لكن الأسلوب قد يتغير بما تمليه المصلحة.

أما محاولة اغتيال خالد مشعل والتي انتقدت من قبل الكثير من الساسة العالميين فقد كانت لجس النبض العالمي إزاء التفاعل مع بعض التيارات داخل حماس، لذا وبغض النظر عن أن العملية كانت قد وقعت على أرض الأردن وتسببت بإحراج الملك والحكومة الأردنية إلا أنها أيضاً بنظر اللاعبين تعد خطوة غبية حيث سيتم تغييب الفئة التي يمكن التعامل معها من القيادة، لذا كان من السهل على الملك حسين أن يستحضر طاقاته وعفاريته ويأتي بالدواء من ذات الجهة التي خططت للاغتيال ، بل وتم إخراج الشيخ أحمد ياسين من سجنه ليقتل لاحقاً هو والرنتيسي ليتم التخلص من قطبين هامين في قيادة حماس المتشددة.

كل هذه الحركات البهلوانية تشبه حركات المراهقين في التقارب تبدأ بالشتم والتهم والضرب وتنتهي بالتقاء لا يدوم أكثر من نزواتهم ، غير أنها تختلف بشراستها  ، فقد كان ثمنها اغتيال مجموعة من قياديي حماس ومؤسسيها، ولم تكن المعركة "معركة الالتقاء والحوار" لتطال قياديي حماس فقط ، فقد وصلت إلى عمق الشعب الفلسطيني وأثخنت فيه الجراح لتطويع الشريك الجديد ووضعه ضمن طاقة التحكم الإسرائيلية ، وذهب ضحيتها الكثير بدءاً من تكسير العظام ومروراً بأحداث جنين وانتهاءً بحرب الاغتيالات، وبقيت القيادة من الفئة الثانية والأكثر قدرة على مرحلة العمل السياسي ، ومعظمهم ممن يعرف تطوير أجندته وفق المعطيات الجديدة.

أما إخراج حماس من الأردن " البلد الذي يشكل الفلسطينيون نصف سكانه على الأقل"، فقد كان وفق أجندة معدة، أهم ما فيها عدم تسيير الشارع الأردني خلف حماس وبالتالي زيادة قوتها ، وعدم خوض تجربة الأردن التي خاضتها مع المنظمة في نهاية الستينات ومطلع السبعينات .

تحديات أمام حماس "السلطة"

ربما تكمن التحديات بين داخلية وخارجية في أمرين ، قلة الخبرة وضغوط الأطراف الأخرى ، فحماس لا تملك الخبرة التي تمكنها من إدارة الدولة والتعامل مع المعطيات الجديدة ، فإدارة منظمة تختلف عن إدارة دولة ، وهي حديثة التأسيس نسبياً ، ولا تمتلك القدرات التي من الممكن أن تحل محل القائمين على العمل ضمن أجهزة الدولة وموظفيها وإدارييها الكبار علماً أن السلطة ما قبل حماس كانت تعاني الكثير رغم التدريبات التي قدمت من كل دول العالم المتقدمة وفي كل المجالات ، لكن الإدارة نظرية وتطبيق وهنا يكمن الخلل في التعامل مع الوضع وإدارة البلاد داخلياً. 

أما خارجياً فإن حماس ستضطر للتخلي عن الكثير من شعاراتها المرفوعة وإلا فستواجه الرفض من كل الأطراف حتى تلك الحليفة ، فمثلاً على صعيد المفاوضات مع إسرائيل عليها أن تتخلى عملياً عن شعار "فلسطين من البحر للنهر" لأن هذا الشعار يعني استمرار العمليات المسلحة ، وكذلك التخلي عنه  يعني أن تعترف بحق إسرائيل في الوجود ، ثم على حماس أن تقاوم فكرة الإفساد التي ستستخدم ضد رموزها وقيادييها لتسقطهم في الشارع الفلسطيني وبين صفوف الأتباع  ، وهذه معضلة إذ لا ضمانات وتكفي فضيحة واحدة لأحد قياديي الحركة لتهبط أسهم الحركة، بل ليفقد الشارع الفلسطيني الذي يعاني فساد السلطات أي أمل بالتغيير والخروج من الأوضاع السيئة التي يعيشها الشعب.

ثم إن السلطة الجديدة ستواجه مشكلة التعامل مع الأجهزة الأمنية والتي في غالبيتها تدين لفتح أو للمنظمة، وهذا سيجعل مصداقية تنفيذ القرارات خاضعة للتساؤل دائماً، مما سيجعل المؤسسات الأمنية مرتبكة ، فالشرطي الذي كان يعتقل حماس بالأمس هو نفسه الذي سينفذ قراراتها ، فهل سيكون التنفيذ مخلصاً وهل سيكون التطبيع بين الأجهزة الداخلية والسلطة أمراً يسيراً ، وكذلك الأمر بالنسبة لمختلف المؤسسات المدنية التابعة للدولة؟

لا أشك أن دولاً كثيرة ستتجه  للتعامل مع السلطة الفلسطينية الجديدة ، بغض النظر عن التصريحات الآنية، لكن هذا التعامل لن يكون إلا وفق نظريتين ، الأولى محاولة تسيير حماس وفق المعايير الجديدة للشرق الأوسط الكبير والتي ستكون فلسطين جزءاً منه ، والثانية إذابتها في الأجندة الجديدة لقطب العولمة المسيطر، ولكل نظرية خصائصها ولا تعارض بينهما لأن الأولى وليدة الثانية . 

إن قبول الطرف الآخر للتفاوض ليس بالضرورة القناعة بمثيله ، لكن وهذا هو الأرجح أن تكون وسيلة لتصفيته وابتلاعه ، ومن هنا قد تكون حماس قد ألقت بنفسها في بحر مليء بالحيتان ، إن سلمت من أحدها  لم تسلم من الآخر ، لكن يبقى التساؤل قائماً ، لو لم تخط حماس هذه الخطوة ، وبقيت السلطة السابقة بكل ما تحويه من فساد ، أتراها ستسلم من هذه الحيتان ..؟ لا أظن ذلك ، لذا أعتقد أن حماس قد فعلت الصواب بدخولها العمل السياسي كسلطة ، وأعتقد أنه ينبغي أن تغير في برامجها وفق مرحلتها الجديدة ، بعيداً عن الشعارات التي ربما لن تنفع كثيراً في خضم واقع جعل الفلسطيني سواء زمن أوسلو أو الآن يعيش فترة عزلته عن عالمه العربي المتشرذم المقطع الأوصال . 

العمل السياسي خطوة جريئة ومطلوبة، والأخطاء مهما كثرت في هذه المرحلة ستكون أقل ضرراً من خطأ التقوقع، لان الحوت فاغر فمه بكل الأحوال والدخول لحلبة السياسة بعد عقود من التأزم قد يخفف المصاب.  ولو لم تخرج حماس من هذه التجربة إلا بتخفيف حدة الفساد وكسب بعض المواقف الدولية "كروسيا" مثلاً لكفاها، وكما رفضت منظمة التحرير سابقاً من قبل الكثير من دول العالم ثم عادت لحيز الاعتراف فستجد السلطة الجديدة "حماس" ذلك الاعتراف لكن عليها أن تحسن قيادة نفسها داخل بطن الحوت لكي لا تنتهي خارج الحلبة ...  غير أنها حينئذ ستخسر مصداقيتها التي أهلتها لنيل ثقة الشارع الفلسطيني.   

صـلاح الـمومنـي


 

 

 

 

 

 

Home
Up