|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
بسم الله الرحمن الرحيم المقالة السادسة والعشرون درء المفاسد مقدم على جلب المنافع إلى منظمي ما يسمى بمؤتمر المعارضة أهديكم هذه الهدية الشرعية ألا وهي القاعدة الفقهية ((درء المفاسد مقدم على جلب المنافع)) التي أجزم يقينا صادقا أن من تمعن فيها منكم سيرى جليا أن مفاسد حضور هذه الفتنة والمشاركة فيها أعظم وأكثر وأكبر من المزاعم التي تدعي أن لها منافع بل وهي تناقض أصلا عظيما من أصول الشريعة الإسلامية القائمة على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد ومحوها (وما تفعلونه هو على وجه التحقيق باجتماعكم التخريبي هذامن أوضح أوجه الإفساد). فمعنى القاعدة: أنه إذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالبًا، لأن أمر الشرع بترك المنهيات أشد وأكبر من أمره بفعل المأمورات، لقوله صلى الله عليه وءاله وسلم: ((إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه))[1]
قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ
كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن
تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ
تَعْلَمُونَ}[2]
وأيضا هناك قوله تعالى {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا}[3]، فقد أمر الله تعالى في أكثر من آية بطاعة الوالدين، لكن مفسدة الشرك بالله أكبر من مصلحة طاعة الوالدين. وقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّاً مُّبِيناً }[4]، فمفسدة الأذى من الكافرين قدمت على مصلحة إتمام الصلاة. هذه بعض الأمثلة من القرءان الكريم وسنعرج أيضا على شواهد هذه القاعدة الفقهية من السنة: فقد أخرج البخاري بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها ((يا عائشة، لولا أن قومك حديثُ عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابًا شرقيًا وبابًا غربيًا، فبلغت به أساس إبراهيم))[5]. قال الحافظ ابن حجر: لأن قريشًا كانت تعظم الكعبة جدًا، فخشي صلى الله عليه وسلم أن يظنوا لأجل قرب عهدهم بالإسلام أنه غيَّر بناءها لينفرد بالفخر عليهم في ذلك، ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة.
فترك النبي صلى الله عليه وسلم مصلحة بناء الكعبة
على قواعد إبراهيم عليه السلام دفعًا لمفسدة راجحة.
((وهذا وجه آخر يدعوا من تذرع بوجود مصلحة في
مؤتمر الضرار هذا إلى تركه حتى يأمن من الوقوع في المفاسد السالفة الذكر))
وفيه: تقديم الأهم فالمهم من دفع المفسدة وجلب المصلحة، وأنهما إذا تعارضا بدئ بدفع المفسدة، وأن المفسدة إذا أمن وقوعها عاد استحباب عمل المصلحة. وقال الإمام النووي: وفي هذا الحديث دليل لقواعد من الأحكام، منها: إذا تعارضت المصالح أو تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة بدئ بالأهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن نقض الكعبة، وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم عليه السلام مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه وهي خوف فتنة من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة فيرون تغييرها عظيمًا. وبعد توضيح هذه القاعدة الجليلة وأدلتها من الكتاب والسنة وأقوال العلماء‘ فهذه نصيحة لهؤلاء المنساقين وراء أهواء شتى وتيارات مختلفة‘ أن يتقوا الله ويراجعوا أنفسهم فيما يفعلون‘ فمجرد انجرارهم وراء المغرضين وأدعياء الإصلاح ممن لهم مصالح خفية ظهر بعضها ومازالت بقيتها تنتظر فضيحة من هنا أو هناك لايعفيهم من مسؤولية أم سيدخلون في محظورات شرعية لها أول وليس لها آخر‘ وإلا فليبتعدوا عن المستنقع الذي يغوصون فيه من اتباع للمفسدين في الأرض‘ الداعين إلى فرقة الإسلام وتشتيت شمل المسلمين‘ وإلا فكيف يدعون لدخول الكافر المحتل بلاد المسلمين مقابل إزاحة ولي أمر مسلم. فمهلا يا من خدعتم بالخطابات الرنانة والكلام المنمق‘ لايغرنكم هذا الاجتماع وما فيه‘ فشهادات الخيانة معلقة على بابه وتنتظر كل من ينضم إلي هذه الشرذمة حتى تلتصق به كالوباء الذي لاشفاء منه‘ وما أفظع هذا الوباء وباء الخيانة فانتبهوا فإن الرجوع من منتصف الطريق أجدى من المضي قدما فيه‘ وخاصة إن علمتم ما فيه من المحظورات الشرعية‘ وأما بالنسبة لهذه المسرحية المسماة مؤتمرا‘ فقد مكر أصحاب المؤتمر الأول واجتمعوا فما كانت النتيجة انهيار سقف المؤتمر على رؤوسهم‘ فاحذروا أن تكونوا ممن نزلت فيهم هذه الآية: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ}[6]. فهذه قواعد المؤتمر قد نسفت بالأدلة من الكتاب والسنة الصحيحة‘ فهل ستنتظرون تحت سقف هذه المهزلة حتى يخر عليكم كما خر على من قبلكم من أعضاء المؤتمر الأول‘ الذين لعن بعضهم بعضا وكفر بعضهم بعضا ووشى بعضهم ببعض‘ أرجوا أن تكون الرسالة من مقالتي هذه ومن المقالات السابقة قد وصلتكم‘ وأرجوا أن تكونوا استوعبتم الدرس الأول حتى لاتتلقوا الدرس الثاني وما أقساه‘ واعلموا أن من انسحب من هذا المؤتمر علم يقينا أنه فاشل وأنه غير ذي جدوى لأنه كان يرجوا منه منفعة لنفسه‘ فلما انتفت تلكم المنفعة وجد أن حضوره كعدمه فآثر النفاذ بجلده. وللحديث بقية إن شاء الله تعالى والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الشيخ عبد الله عبد العزيز الميلادي الهوامش: 1. الراوي: أبو هريرة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري - المصدر: الجامع الصحيح - الرقم: 7288 2. سورة البقرة الآية 216 3. سورة العنكبوت الآية 8 4. سورة النساء الآية 101 5. الراوي: عائشة - خلاصة الدرجة: صحيح - المحدث: البخاري -المصدر: الجامع الصحيح - الرقم: 1586 6. سورة النحل الآية: 26
|
|
|
|