Libya4ever                 ليبيا أبدا

 

 

 

 





بسم الله الرحمن الرحيم

المقالة الثامنة عشر

((الدرر السنية في ألوية مؤتمر المعارضة الليبية))

اللواء الأول: الغدر


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الكريم وعلى ءاله وصحبه أجمعين.

أما بعد يقول تبارك وتعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}[1].

فهذه الآية وعيد شديد ومنتهى التشديد  في تحريم الغدر،وفي الحديث الصحيح "أنه ينصب للغادر لواء عند أسته بقدر غدرته يقال: هذه غدرة فلان"[2].

وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}[3].

قال أبن كثير رحمه الله: "قوله: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ} أي: الذي تعاهدون عليه الناس، والعقود التي تعاملونهم بها؛ فإن العهد والعقد كل منهما يسأل صاحبه عنه، {إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} أي: عنه"[4].

وقال تعالى: {وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِين} [يوسف: 52].

قال القرطبي رحمه الله: "معناه أن الله لا يهدي الخائنين بكيدهم"[5].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من الجوع؛ فإنه بئس الضجيع، وأعوذ بك من الخيانة؛ فإنها بئست البطانة))[6].

قال المناوي رحمه الله: "((فإنها بئست البِطانة)) بالكسر، أي: بئس الشيء الذي يستبطنه من أمره ويجعله بطانة. قال في المغرب: بطانة الرجل أهله وخاصته مستعار من بطانة الثوب. وقال القاضي: البطانة أصلها في الثوب فاستعيرت لما يستبطن الرجل من أمره ويجعله بطانة حاله. والخيانة تكون في المال والنفس والعداد والكيل والوزن والزرع، وغير ذلك.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر))[7].

قال النووي رحمه الله: "الصحيح المختار أن معناه أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلّق بأخلاقهم؛ فإن النفاق هو إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أنه منافق نفاق الكفار المخلدين في الدرك الأسفل من النار"[8].

وقال ابن تيمية رحمه الله: "فذمّ الغادر، وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر"[9].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكلّ غادر لواء، فقيل: هذه غدرة فلان بن فلان))[10].

لعلنا وبعد مدارستنا للأدلة السابقة وصلنا إلى مفهوم الشارع الحنيف شدد على تحريم الغدر والخيانة‘ بل وأغلظ العقوبة في حق صاحبها‘ حتى إنه هدده بأنه سيفضحه أمام رؤوس الخلائق في يوم يتمنى الإنسان فيه الستر من رب العباد .

وإذا كانت للمسلم خصومة مع حكومة بلده أوقيادتها وهو عاجز عن مناظرتها أو محاورتها لنقص في نفسه (ونحن هنا لانفتح مجالا ولا مدخلا للعنف كما يتوهم البعض من مرضى النفوس والقلوب)‘ فلماذا يدفع عامة المسلمين الثمن ومعظمهم ممن لا يجوز للمسلم أن يتعمد إيذائهم ابتداءً وهل هذا المسلك إلا ثارات الجاهلية؟ التي نهى الله عنها في قوله تعالى «...وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى...»[11]، بل وانظروا إلى تنزه الصحابة عن الغدر حتى مع من قاتلهم من المشركين وحادثة الصحابي خبيب بن عدي رضي الله عنه خير مثال على ذالك  ففي خبر استشهاده أنه كان أسيرًا عند كفار مكة (بعد حادث بعث الرجيع) وهو متيقن أنهم سيقتلونه، وجاءه صبي منهم يزحف ومع خبيب الموسي وبوسعه أن يقتل الصبي انتقامًا منهم أو يأخذه رهينة، ومع ذلك لم يؤذ الصبي لأنه لا يجوز له أن يقتله، ولما رأى خبيب الفزع لدى أم الصبي قال لها «أتخشين أن أقتله، ما كنت لأفعل ذلك» فقالت أم الصبي بعد ذلك «والله ما رأيت أسيرًا خيرًا من خبيب» والحديث بطوله رواه البخاري، ولم يرد خبيب أن يختم حياته بذنب عظيم وهو الغدر ونحن نرى أن هذه الأفعال كلها حرام وننهى جميع المسلمين عنها ، ويجب أن يتنزه المسلم عن هذه المحرمات من الغدر والفتك والخيانة..

وقديمًا أسلم كثير من الكفار بعدما خالطوا[المسلمين ورأوا ما هم عليه من مكارم الأخلاق من العدل والإنصاف والوفاء وعفة اليد واللسان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له))[12].

فكيف بمن يغدر بولي الأمر المسلم ويخرج عليه ‘الم يصله إجماع الأمة على حرمة ذالك؟؟؟

((ونقل الإمام النووي - رحمه الله - الإجماع على ذلك فقال في            ((وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على ماذكرته واجمع أهل السنة انه لاينعزل السلطان بالفسق....... ))[13].

ألم يبلغ هؤلاء الذين نصبوا لواء الغدر في مؤتمرهم هذا قوله صلى الله عليه وءاله وسلم ((((لما سأله رجل: يا نبي الله أرأيت إن قامت علينا أمراء يسألوننا حقهم ويمنعوننا حقنا فما تأمرنا؟ فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه، ثم سأله في الثالثة فجذبه الأشعث بن قيس، فقال صلى الله عليه وسلم ((اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ماحملوا وعليكم ماحملتم))[14].

لا أدري أين كانت عقولهم من كل هذه الأدلة ؟؟؟

ولكن صدق الله العظيم حين يقول {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[15].

وختاما أهدي لمن رفعوا لواء الغدر بالليبيين هدية أخيرة!!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله :-

 ((فطاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد، وطاعة ولاة الأمور واجبة لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاع الله ورسوله بطاعة ولاة الأمور لله فأجره على الله ومن كان لايطيعهم إلا لما يأخذ ه من الولاية فإن أعطوه أطاعهم وإن منعوه عصاهم، فماله في الآخرة من خلاق، وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم : رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع رجلاً سلعة بعد العصر فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو غير ذلك ورجل بايع إماماً لايبايعه إلا لدنيا ، فإن أعطاه منها وفا وإن لم يعطه منها لم يف))[16][17].

عسى أن يتعظ إخواننا فيكفوا عن تخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعداء المسلمين

وللحديث بقية إن شاء الله

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الشيخ عبد الله عبد العزيز الميلادي


-------------------

الهوامش:

1.          سورة النساء الآية: 107

2.    الراوي: عبد الله بن عمر  -  خلاصة الدرجة: صحيح  -  المحدث: البخاري  -  المصدر: الجامع الصحيح  -  الرقم: 6177

3.          سورة الإسراء الآية: 34

4.          تفسير القرآن العظيم (3/40) ابن كثير

5.          الجامع لأحكام القرآن (9/209)

6.    الراوي: أبو هريرة  -  خلاصة الدرجة: إسناده صحيح  -  المحدث: النووي  -  المصدر: الأذكار  -  الرقم: 484

7.    الراوي: عبد الله بن عمرو بن العاص  -  خلاصة الدرجة: صحيح  -  المحدث:  البخاري  -  المصدر: الجامع الصحيح  -  الرقم: 2459

8.          صحيح مسلم بشرح النووي (2/47)

9.          مجموع الفتاوى 29/145

10.  الراوي: عبد الله بن عمر  -  خلاصة الدرجة: صحيح  -  المحدث: مسلم  -  المصدر: المسند الصحيح  -  الرقم: 1735

11.     سورة الأنعام الآية: 164

12.  الراوي: أنس بن مالك  -  خلاصة الدرجة: إسناده قوي  -  المحدث: الذهبي  -  المصدر:المهذب  -  الجزء والرقم: 7/3805

13.     صحيح مسلم شرح النووي 12/229

14.     رواه مسلم ( 1846)

15.     سورة الحج الآية 46

16.     مجموع الفتاوى ( 35/16-17).

17.  للاستزادة من هذه النصوص الرجاء الرجوع إلى المقالتين السابقتين(السابعة والثامنة) بعنوان(حجة المحققين في الرد على المتشدقين).



 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ج