|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
التضحية من أجل الوطن التضحية، ما أعمق الكلمة وما أبعد أثرها، تقول فلان ضحى بحياته من أجل فلان أو من أجل وطنه أو من أجل أي قيمة سامية، فتخرس الألسن ويختفي كل مدع، لأنه وبكل بساطة لا يملك الإنسان أن يقدم أكثر من روحه فداءا لما يقتنع به أو فداءا لما يُوقن في أعماقه أنه أكثر قيمة وأشد رسوخاً، نحن هنا نتكلم عن الوطن. التضحية من يُقدم عليها، من هو ذلك الإنسان الذي يصل لمرحلة من الصفاء الروحي ومن الإدراك التام لما هو مُقبل عليه، لا يري فيه إلا قيم الشيء المُضحي من أجله وتجاهلا تاما لأبعاد تضحيته التي لا يُبصر منها إلا أنها فعل لابد منه وضرورة ملحة لاستبقاء شرف أو حماية وطن، أو صون عرض، أو إثباتا لا يقبل التشكيك في عقيدة تُنافس الجبال في رسوخها، هنا يحتار الكاتب وتبدأ في التسلل إلي قلمه أفكار وتساؤلات منها أليس في التضحية مجالا لصنع البطل، أو بتساؤل آخر، كيف يصنع البطل نفسه، لا بل تساؤل آخر أكثر حدة ومضاءا، من هو البطل؟ تساؤل يكاد يكون جوابا لسؤال: من يصنع الأخر البطل أم التضحية؟ من يُقدم نفسه أولا إشكالية أحتار فيها خاصة إذا لم أُسقط من رأسي فكرة أن الأقدار أيضا لها أياد خفية تفعل فعلها في بواطن الأمور ومستحدثات القيم في عالمنا اليوم حتى لنكاد نقول أن عصر التضحيات ولي، وأن صنع الأبطال أصبح له ميدان آخر، لكن نظرة لا أقول ثاقبة بل متأنية للتاريخ لتاريخنا نحن العرب ، نجد أن التضحيات قُدمت في كل عصر، لا بل إنها برزت بشكل كبير في أعتم الظلمات التي مرت بها أمتنا، ربما لتعلق العامة بمن يُعيد إليهم سيرة الماضي، بمن يعزز في ضمائرهم أن جذوة التضحيات من أجل ما نؤمن به لا يجب أن تخمد، وأن للحقيقة رجالا يشحذونها بدمائهم، حينما يظن الجميع أن مصنع الأبطال يشح بمعدنه، وأن حماة الأوطان والقيم قد اندثروا، لكن ألا ترون معي أن التضحية في تلك الأوقات تكون أحلي وأكثر بهاءا عندما لا ينتظرها أحد، وعندما يستولي على الجميع عنكبوت ينسج في الأعماق بخيوط الوهم كلمة المستحيل عندئذ تكون التضحية أشد وقعا وأكثر بروزا وأوفق معني. نظرة عجلي علي أي بلد في العالم أو أي أمة مهما كانت معتقداتها، لن يخلو هذا البلد من تمثال لزعيم أو قائد أو بطل ضحى أو قدم الكثير من أجل وطنه وأبناء وطنه، لن تخلوا ذاكرة أمة من أبطال سطروا ماضيها فكان حاضرها مشعا باسما يتلوا الصلوات علي أرواح وصلت حدود القداسة، وهل هناك جملة في الكون أقدس من جملة – ضحي من أجل وطنه. مات من أجل وطنه ليخلد في قلوب الملايين ليعيش إلي الأبد، وكأني بالأبطال وقد قرروا فعل التضحية يُدركون بأن هذه الحياة – الحياة العادية – لا تليق بهم، لا تليق بإقدامهم بشجاعتهم، بنُبلهم، وهم يرون الوطن يعاني، يُكبل، يُحاصر، يُغزى، كيف لهم الوقوف متفرجين وفي صدورهم أرواح لا تقبل الضيم بل تقايضه طوعا بحتف الأنفس ليصدق عليهم قول الشاعر: رضينا بحتف النفوس رضينا ولم نرض أن يعرف الضيم فينا فأي قيمة تكون تاج القيم بعد التضحية، وأي سُمو ترتجيه النفس أكثر من الخلود الأبدي، أنا لا أري في من يُقدم علي التضحية مجرد بطل أو فارس أو مناضل، أنا أري فيه طموح الكاتب المبدع وقد خلدت أعماله اسمه، أري فيه المناضل الخطيب المفوه، لأن في تضحيته صمت أبلغ من كلام أي خطيب، أري فيه المعلم وقد خضبت يده الطباشير لكنها هذه المرة بلون أحمر يعلمنا ما عجزت عنه المدارس والجامعات، أري فيه الفلاح عندما تسيل دمائه الطاهرة تسقي الأرض الطيبة، أري فيه العاشق المتيم بثري بلاده فضمها وضمته في عناق أبدي يخلوا من كل أنواع الزيف، وبعيدا عن كل المؤثرات الصوتية والبصرية التي ترافق التضحيات في عالم اليوم . لا أستطيع الكتابة ولو أني فعلت، لكنه فعل خال من أي إحساس حقيقي بمعني التضحية ولو سطرت عنها آلاف الكتب، أنا وغيري قاصرون عن إيفائها الحق الكافي، عاجزون عن الغوص في معانيها التي لا تنفد. الكاتب عن التضحية لا يعدوا كونه صياد لؤلؤ فاشل، يبقي بريق اللؤلؤ يُعمي عينيه عن رؤية مقدرته في الوصول إليه، هكذا هي التضحية من أجل عيون الوطن نكتب عنها ولا نفيها، نري من يجسدها وتبقي كتاباتنا عاجزة أن تقوم مقام قطرة واحدة من دم الشهيد النبيل الصادق. تعجُ كتب التاريخ بالمضحين من أجل ما يؤمنون به ، لكن هل فعلا كلهم تسري عليهم كلمة أبطال، هل يتساوون، هل كلهم يجمعهم خندق واحد عندما نصنفهم كأبطال، أنا لا أعتقد بأي حال من الأحوال أن من يُقدم نفسه من أجل محبوبته يساوي من يقدمها رخيصة من أجل الوطن، وإلا لتساوي - روميو- مع عبد القادر الجزائري مثلا، ولكان مجنون ليلي في تشبيبه بابنة عمه جهارا يضاهي جرأة سليمان الحلبي في قتله لكليبر، أو لتساوت نجمات هوليود المنتحرات من أجل عشاقهن، مع شهيدات فلسطين ولبنان البارات، فأين مارلين مونرو وهي تحت الثرى، من سناء أمحيدلي وهي تعانق الثريا، العاقل هو ذلك الذي يُرجح كفة الميزان الثقيلة قبل أن تفعل هي لما له من بعد النظر، وفي اعتقادي أن المضحي من أجل وطنه له من ثاقب النظر، ومضاء الفكر والعزم، ما يجعل إيمانه بفعله واجبا تمليه الضرورة وفعلا يحثه عليه عشق وطنه ومكارم أخلاقه. قوافل الأبطال في أمتنا طويلة وساطعة شمسها بين كل الأمم، ولم نعدم في أي عصر بطلا يهز وجدان الأمة، ليس فقط في تاريخنا الإسلامي لا بل وحتى الجاهلي لم نعدم الرجال لا ولا القيم، كنا نضرب بأفعالنا أصدق الأمثلة للعالم، كنا الأصل وكان لغيرنا فعل التقليد فهل مات صلاح الدين ليموت، وهل اعتلى شيخ الشهداء عمر المختار مشنقة العز إلا ليقول إنها البداية فقط، وأن دماء الشهداء معين لا ينضب، ألم يُنفي عبد القادر الجزائري ليكتب بعزمه ونضاله أن تحيا الجزائر شامخة شُموخ الأوراس، لم يهنوا يوما ولم تخر عزائمهم، ولم يكن الموت المترصد المتربص بهم إلا دافعا للتضحية وسبيلا للخلود، وكأني بهم جميعا كانوا يرددون في أعماقهم ما معناه: لما سلكنا الدرب كنا نعلم أن المشانق للعقيدة سلم هل نسينا ونحن أحفاد عمر المختار ذلك الشامخ شموخ الحياة والأبي إباء ليبيا العز والكرامة ذلك الأسد الهصور الذي أضحى ملحمة سرمدية في سفر الخلود انه رفض النعيم الأرضي والمتع الزائلة حين حاولت ايطاليا شراء ذمته مقابل العيش الرغيد وراتب تقاعدي خيالي وعيشة القصور وأن يكون سيد ليبيا لكن تابعا لايطاليا، بكل شموخ وإباء رفض ذلك العرض لأن فيه خيانة للوطن واختار البديل الثاني الذي هو الموت فداء للوطن، فهل يا تري نسينا ذلك ..... إن المتتبع لأفراد "المعارضة الليبية" بالخارج يدرك بجلاء ألا علاقة لهؤلاء بالوطن وأنه يستحيل أن يكونوا أحفادا لشيخ الشهداء. فهل رخص علينا الوطن لدرجة المساومة به والمتاجرة به والتكسب من وراء خرابه. د. أبـو محمـــد
|
|
|
|