Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
عندما يتطاول الجهلاء

 

 

 

 







 

 


تجربة يراد لها الوأد


 

طالما تساءلت وبحرقة عن الأسباب الكامنة وراء تخلف العرب و لماذا باءت كل محاولات التحديث و التنوير بفشل ذريع ؟

       وحاولت طيلة عقدين من الزمن الوقوف علي إجابات ولو مبدئية لمثل هذه إشكاليات التي أقضت مضجعي، وخرجت من الكم الهائل من الكتابات والدراسات التي تناولت الموضوع بعمق ورصانة تارة و بتسطيح وابتسار مخل غالب الأحيان أنه تقف جملة من العوامل الشديدة التداخل وراء الحالة العربية العصية على التغيير لعل أبرز هذه العوامل المتداخلة هو العقلية العربية أو ما بات يعرف بالذهنية الجماعية العربية ذات الخصائص الكابحة و المعيقة و التي ترتكز علي بني وأنساق فكرية قروسطية ترجع في أحسن حالاتها إلي المرحلة العثمانية فضلا عن ضعف الذاكرة التاريخية لدي الإنسان العربي،هذه الذهنية الارتكاسية لعلها تفسر القصور الفاضح للنخب العربية في تقديم مشروع حضاري تنويري يؤثر بفعالية في آليات الواقع و يمس واقع الناس المعاش     و يقدم حلولاً ولو مرحلية للإشكاليات التي يمور بها الواقع المعيشي للعرب.......

مر هذا بخاطري وأنا أتابع السجال الدائر هذه الأيام حول ليبيا الغد و توزيع الثروة وما سيترتب عليه من إعادة صياغة الشكل السياسي في ليبيا وفق متطلبات المرحلة.

ومع فتور همتي وعزوفي عن الكتابة جراء حالة الإحباط التي أصابتنا كعرب بعيد أحداث غزة الدامية التي أبانت القصور الرسمي العربي في التعاطي مع قضايانا المصيرية إلا أن محاولات التشكيك التي انبرى لها أفراد من المعارضة الليبية بالخارج وتوظيفهم لمعطيات غير واقعية و تغريدهم خارج السرب جعلني أقدم على الكتابة لأني أرى أن فرصة تاريخية أخرى بصدد الوأد دون أن نعي نحن العرب أن الفرص التاريخية أثمن من أن تضيع الواحدة تلو الاخري دون الاستفادة منها! لأنها ببساطة تشكل منعطفات تاريخية حادة  تطبع بميسمها قادم الأيام لذا يفترض في كافة المواطنين و تحديدا النخب الثقافية      و القامات الفكرية السامقة أن تساهم بفعالية في التأصيل لها.

لا أجدني مجافياً للحقيقة عندما أقول و بعد متابعة لما يزيد علي عقدين من الزمن للتجارب السياسية العربية أنه من أكثر التجارب العربية التي أسيء فهمها هي التجربة الليبية حيث شابها الكثير من الغبن و التحامل وسوء الفهم، بل الغريب أنها قوبلت بالرفض من عدد لا يستهان به من النخبة الثقافية الليبية و العربية، ليبرالية كانت أو يسارية وتعاملوا معها بازدراء و تعالٍ شوفوني منذ البداية دون مسوغ مقنع، فقد كانت الحجة الجاهزة دائما أنها غريبة الأطوار     و غير مألوفة و لم تراعي الأنساق و البني الفكرية المتعارف عليها وهذا لعمري مكمن قوتها.

الإنصاف يحتم علينا التعاطي مع القضايا السياسية بواقعية نقدية توظف آليات البحث العلمي دون أن تغفل معطيات الواقع التي تشكل الحاضنة و لا تسقط المعطى التاريخي أو ما يسمي الاشتراط التاريخي الموضوعي.

فالمنصف دون تحيز و المثقف الذي يجل العلم ويحترم عقلية القارئ دون تطاول يقول أن كل الشواهد و المؤشرات و منذ العام 1973 تدل على أن تجربة سياسية و مشروع حضاري باذخ الثراء بدأ يتشكل من رحم الأحداث في ليبيا تميز بفرادة ليس علي المستوي المحلي فقط بل إن أصداءه تجاوزت مع الأيام المنطقة العربية لتتكامل أبعاده العالمية منذ العام 1977.

يمكن إرجاع  عدم تقبل النخب الثقافية و الانتلجنسيا العربية لهذا المشروع الحضاري إلي العوامل التالية:

1. صدور هذا المشروع الحضاري من أفراد ينتمون إلي المؤسسة العسكرية ذات الصيت السيئ في المنطقة العربية حيث اتسمت المؤسسة العسكرية في المنطقة العربية بأنها:

·  معول هدم حيث كانت الانقلابات العسكرية تعقب فترة حكم مدني ديمقراطي قصير في المنطقة العربية!

·  تقول دائما ما لا تفعل مما يرسخ ثقافة الاستزلام والتزلف ويفقد الخطاب الرسمي المصداقية.

·       معاداة المؤسسة العسكرية للثقافة والمثقفين.

2. عدم صدور هذا المشروع الحضاري العربي من المراكز العربية التقليدية كالقاهرة و دمشق و بغداد أو بيروت،فقد قرّ في وطر جزء كبير من النخب الثقافية العربية بما فيها المغاربية أن الأطراف العربية دائما متلقية لما تصدره إليها المراكز.

3. خروج المشروع الحضاري الليبي عن ثنائية الاستقطاب الحادة التي اتسمت بها المنطقة و العالم قاطبة، حيث عرف العالم في تلك الحقبة معسكرين رئيسين، معسكر ليبرالي-رأسمالي و آخر شيوعي- اشتراكي.

4. شمولية الطرح الفكري للمشروع الحضاري الليبي الذي تجاوز الثنائية الابستيمولوجية التقليدية ( سياسة / اقتصاد) ليقدم توصيفا شموليا يدرج لأول مرة الأبعاد الاجتماعية و الإنسانية دون مواربة في مشروع فكري يراد به انتشال العرب من وهدة التخلف إلي مصاف و رحاب المدنية.

هذه العوامل و غيرها هو ما جعل النخب الثقافية التي وقفت قاصرة عن إدراك مدي عمق وجدية و شمولية الطرح الجديد الذي تجاوز القوالب بطريقة مبهرة، بل إن رفض هذه النخب التعاطي مع الطرح الجديد لدليل على قصور فاضح في فهمها لصيرورة الأحداث و التاريخ، الشيء الذي أهدر فرصة تاريخية ثمينة لعصر إحياء و تنوير عربي جديد جاء هذه المرة من أحدى الأطراف العربية التي عانت التهميش طويلا.

مدى خطورة و جدية الطرح الحضاري الليبي و دوره المفصلي في إدارة الصراع بين الشمال و الجنوب و السعي الدءوب للقيادة الليبية للتأسيس لعالم أكثر عدالة و التاطير عبر منظومة متكاملة من الاستراتيجيات و حزم من الإجراءات الاستباقية لجعل العالم الثالث ينتزع مكانته التاريخية ويستعيد حقوقه المغتصبة، هذا الدور هو ما جعل ليبيا تساق عنوة من معركة إلي أخري طيلة ثلاثة عقود من الزمن دون أن تجد فرصة لالتقاط الأنفاس الشيء الذي جعل الهاجس الأمني للدولة الليبية يطغي علي ما عداه و تتواري بقية أوجه مناحي الحياة بما فيها البنية التحتية للدولة الليبية والإنسان الليبي وقد عرفت بمرحلة الظروف الاستثنائية و التي عرفت كغيرها من التجارب الدولية إبان الأزمات السياسية و الاستحقاقات  الوجودية وإكراهات الواقع عرفت هذه المرحلة العديد من انتهاكات حقوق الإنسان و سطوة الهاجس الأمني نظرا إلي التهديد المباشر للدولة و المواطن الليبيين.

خرجت ليبيا بعد تلك العقود بحصيلة و حزمة من الانجازات  التي لا تضاهي وزنها الحقيقي وتفوق إمكانياتها البشرية و الطبيعية حيث غدت ليبيا لاعبا من العيار الثقيل علي مستوي الساحة الدولية و حين هدأت المدافع        و توارت الأصوات الزاعقة و المطبلة للحرب و تأليب الرأي العالمي ضد ليبيا، عندها فقط وجدت ليبيا فرصة لالتقاط الأنفاس و بمجرد حصول هذا انطلقت ليبيا فعلا في الخطوات العملية لتطبيق مشروعها الحضاري، و هنا يعتبر المراقبون    و المحللون السياسيون أن العقود الماضية كانت المدخل لتوطيد أركان الدولة    و التي اتسمت بإدارة أزمات فعالة و حرفنة دبلوماسية علي الصعيد الخارجي     و أن المرحلة القادمة هي مرحلة المجتمع المدني و تجذير دولة كل الناس التي يرتكز عليها المشروع الحضاري الليبي.

يري المراقبون أن ابرز ملامح ليبيا القادمة قد بدأت فعلا ، حيث:

1. ولأول مرة تعترف دولة عربية و بجرأة تنم عن الجدية و الصدق عن انتهاكات حقوق الإنسان و ليس هذا فحسب بل وضعت الترتيبات القانونية و الإدارية و النفسية لتعويض هؤلاء المتضررين أو ذويهم عن مرحلة الظروف الاستثنائية و إعادة دمجهم في المجتمع.

2. الدعوة للمصالحة الوطنية و العمل علي تأسيس وفاق وطني شامل عبر إلغاء الأحكام السابقة بحق المعارضة الليبية بالخارج ووضع الترتيبات لدمجهم في المجتمع من جديد.

3. وضعت المخططات و الاستراتيجيات لبنية تحتية حديثة في ليبيا ستجعل من ليبيا وجهة استثمارية قادمة مما سيحقق الرفاه المادي للمواطنين.

لكن الشيء الذي فات المحللين السياسيين و المراقبين أن المشروع الحضاري الليبي جاء كثورة متكاملة الأبعاد تطال الإنسان و البني المعرفية       و الأنساق الفكرية و توظف الموارد الطبيعية لتحقيق دولة الناس.

عدم إدراك المحللين لهذا المرتكز هو ما جعلهم لا يعون أهمية الخطوات التي أقدمت عليها ليبيا مؤخرا، حيث كانت السلطة والثروة و السلاح أي الشكل العام للدولة هو هاجس القيادة الليبية لان تكون كلها بيد الناس و بشكل مباشر دون نيابة أو تمثيل.

هذا التوجه بتوزيع الثروة بشكل مباشر دليل علي صدق التوجهات        والتزاماً بالمرتكزات و الثوابت و نزاهة قل نظيرها في الحياة السياسية.

كان و منذ بداية انطلاق المشروع الحضاري الليبي أن عملت القيادة الليبية وفق منطلقين رئيسين هما الحرية و انتفاء الظلم عن الناس.

و في هذا السياق فإن خطوة كهذه ستعزز هذا المسعى وتوطده، فقط أريد أن أؤكد على أن هذه فرصة تاريخية نادرة للتأسيس لمجتمع الرفاه و الوئام أتمنى لها من كل قلبي النجاح حتي تكون نموذجاً في المنطقة و فتحاً لنا كعرب لولوج عالم اليوم و كلنا ثقة بالمستقبل.

و فرصة كهذه و مسعى رائداً مثل هذا لن يكتب له النجاح إلا إذا ساهمت النخبة الثقافية الليبية بكافة أطيافها في المشاركة لتاصيل هذا الطرح الحضاري.

و لا يداخلني أدنى شك أن ليبيا الزاخرة بالكفاءات و المثقفين و الابداعات الاستثنائية أنها ستكون مرة أخري نقطة إشعاع في المنطقة العربية ولا سيما أنها تتوفر على الإرادة السياسية المفتقدة في جل أقطارنا العربية.

 

و الله من وراء القصد

 

د.حسين الشيخ العلوي

 أديب و كاتب  موريتاني مقيم في طرابلس/ ليبيا


 

Home
Up