Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
تجربة يراد لها الوأد

 

 

 

 







 

 


قضايانا واللعبة السياسية

فكر الساسة


       أن يتحول المنظر وصاحب الفكر إلى سياسي وفقاً لتقلبات الزمان ومتطلبات المراحل التي تمر بها الدول فهذا شيء ألفناه رغم ما فيه من انتقاص لمكانة صاحب الفكر لأن التنظير من أبراج عاجية بعيداً عن معصرة الواقع العابقة عفونة شيء مريح ويحقق المنزلة الرفيعة لصاحبه.

 وربما هذا ما يفسر إصرار المفكرين وأصحاب الرأي العرب على التشبث بتلك الأبراج العاجية ومجافاة الواقع رغم مغريات التجربة، لكن أن يتحول السياسي الذي أدمن اللعبة السياسية بكل تجلياتها بما فيها من تقلب ونكوص وتحالفات وانفراط صداقات قديمة وتجدد عداوات جلها مفتعل[1]، أن يتحول هذا السياسي إلى منظر ومفكر يحلل وفق منظور السياسة لمجتمع برمته فهذه فرية وجسارة تنقصها الحنكة والرشد ولعل هذا التحول تحديداً الذي لا يحترم التخصص تجسيد للرعونة وجرأة تصل إلى حد التهور أو أنها استخفاف بعقلية الملايين[2]!!

هذا التحول من لعبة السياسة التي تنطلق من قاعدة واحدة ووحيدة هي المصالح؛ ففي عرف السياسة لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة، وإنما مصالح دائمة[3]، حيث الغاية تبرر الوسيلة وحيث تتوارى المثل والقيم الأزلية[4] لتحل محلها تحالفات هشة وتوازنات أكثر هشاشة لاقتسام الكعكة التي هي دائما المصلحة العليا للوطن.

هذا التحول من لعبة السياسة بكل حربائيتها إلى رحاب الفكر حيث يفترض وجود آليات البحث العلمي الرصينة ومنهجية صارمة تنطلق من فرضيات وتوظف جملة من الأدوات والأوليات للتحقق منها فتثبتها أو تنفيها فتلغيها.

لكن الذي يحدث عادة جراء هذا التحول عكس للمسار الطبيعي حيث يسقط هذا السياسي منطق السياسة المراوغ والمخاتل على صرامة البحث العلمي المصاحبة عادة للفكر فيقوم بلي عنق الحقيقة وتطويع المعطيات والاستشهاد في غير محله ويأتي بمقارنات غير موفقة والأدهى من هذا كله الأحكام القطعية الحدية، ولأن هذا المفكر والمنظر الوافد من عالم السياسة ولعبتها الكبيرة التي يراد لها أن تدير مصائر أمم الأرض، هذا الوافد إلى عالم الفكر عادة ما يتسم بالشمولية في الطرح وضيقه بالرأي الآخر.

وعلى حد قول المرحوم زكي الأرسوزي:

       ".... مصيبتنا أن جل مفكرينا ومنظرينا كانوا ساسة خبروا كل خبائث السياسة!!....".

ولا يخفى على ذي بال مدى خطورة هذا الوضع وخصوصا عندما يتعلق الأمر بتقييم تجارب أمم وشعوب يرتبط مصير الملايين منها بتلك التجارب؛ فالصحيح أن ينبري الباحثون والأكاديميون لدراسة وتقييم تلك التجارب لا أن يترك الساسة لنفث سمومهم بحجة حرية التعبير!

جرني لهذه المقدمة ما لمسته من تخبط وقصور فاضح لمحاولات عواجيز المعارضة بالخارج تحليل الوضع القائم في ليبيا، حيث درجوا مؤخرا علي كتابات مقالات مطولة و القيام بأبحاث مضنية لا يخفي الجهد المبذول فيها لتقييم التجربة الليبية خلال العقود الأربعة الأخيرة، كل ذلك للقول في نهاية المقال او البحث أن التجربة الليبية كانت خطأ تاريخيا فادحاً جر الوبال على الليبيين و العالم!

·  معظم تلك الكتابات ما فتأت تصف ما حدث في 01/09/1969 بالانقلاب العسكري بل إنها لا تتوانى عن وسم نظام طرابلس بالنظام الانقلابي وهنا يبرز السؤال المحوري متى كانت التحولات الكبرى و المنعطفات التاريخية الحادة غير انقلاب علي الواقع الذي وصل إلي طريق مسدود؟

·  و في محاولة منه للي عنق الحقيقة تقوم تلك الكتابات بتقييم تجربة أربعة عقود مرت بها ليبيا بأدوات و معايير ليبرالية صرفة لتوهم القارئ  أن التجربة الليبية برمتها ليست كفؤة و لا تنطبق عليها معايير الحكم الرشيد!

فهل نسي أصحاب تلك الكتابات أن المقارنة لا تصح إلا على نفس الجنس و بنفس الأدوات المنهجية، فكيف يمكن المقارنة بين نظامين يختلفان كل الاختلاف ؟!

ووفق أي معيار و بأي أدوات ستحتكم ؟ و ما هي المرجعية في حالة غياب تقاطع أو اشتراك المنظومتين في قواسم مشتركة معرفيا أو إجرائيا؟

و هل يجوز إبستيمولوجياً الحكم على ظاهرة اجتماعية بأدوات و معايير بيولوجية مثلا ؟! وهل يمكن إسقاط مفاهيم و أدوات علم الاقتصاد علي علم الأجنة ؟!

وهل يكفي أن التجربة الليبية مجالها السياسة و علم الاجتماع و الاقتصاد للادعاء بان أدوات و آليات الفكر الليبرالي هي الفيصل و المحك للحكم علي مدي النجاعة من عدمها؟!

يبدو من الاستشهادات و من الأمثلة غير الموفقة مدي التسطيح          و الهشاشة التي اعترت البني و المرتكزات الفكرية و لمنظومة الأنساق و البني المعرفية التي لجأ إليها تلك الكتابات و التي تقترب من الأداء السوقي المتسم بالضحالة و الذي يذكر بالحملات الدوغمائية الفجة فتلك الكتابات بمجملها تصلح لبكائية في مطلع مسرحية أكثر منها تحليل لبنية سياسية متماسكة أفرزتها تجربة أربعة عقود.

الادعاء بان الفكر الليبرالي بشقيه الجمهوري أو الملكية المقيدة تصلح لان تكون قاعدة و مرجع للحكم علي أهلية أي نظام سياسي أو أنها نهاية التاريخ علي حد زعم فوكوياما فيه كثير من الغرور و الإسفاف.

فمن صميم هذا النسق الفكري و تلك المنظومة خرج علينا مفكرون      و منظرون من العيار الثقيل ينعونه و يعلنون وصول الفكر الليبرالي إلي الإفلاس السياسي بعدما أدى غرضه التاريخي بامتياز و جدارة غير مسبوقتين!

و أكد هؤلاء أن علي الفكر الإنساني البحث عن بدائل أكثر عدلا و شمولا و تراعي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في صنع القرار السياسي.

·  فهل يا تري قرأ أصحاب هذه المقالات  كتاب " الموجة الثالثة" للكاتب الأمريكي " ألن توفلر" الذائع الصيت؟ و الذي يعلن فيه بصراحة و دون مواربة أن البشرية علي أعتاب عصر جديد لم تتبلور ملامحه بعد سيوسع من قاعدة المشاركة الشعبية و يصحح المسار السياسي الذي راكم الثروة في يد القلة حيث يستحوذ 2% من مجموع سكان الأرض على 80% من ثروة العالم، هذه المنظومة الأخطبوطية التي جعلت السيطرة و التوجيه السياسي العام حكرا علي مراكز النفوذ و لوبيات المال و الصناعة حيث مكنت 7% من سكان المعمورة من الممارسة الفعلية للسلطة و سلمتهم القياد العالمي لإدارة و توجيه دفة العالم لتحقيق مصالح القلة و بالتالي همشت و حرمت المليارات من البشر من ممارسة حقها الطبيعي في صنع قرارها و المشاركة في الفعل السياسي العام!

·  و هل سمع هؤلاء بإرهاصات الغد للكاتب الأمريكي "نعومي تشومسكي"  اليهودي الرافض للصهيونية ، عن بداية تشكل ملامح مجتمع السيادة المشاعة !! و التي عنى بها سيطرة الجموع علي مؤسسات المجتمع المدني بما فيها السلطات الثلاث، و هل يا تري قرأ هؤلاء كتاب " حوار الحضارات" للكاتب و المفكر الفرنسي روجيه غارودي الذي يصف فيه وصول الليبرالية كممارسة سياسية إلي طريق مسدود  و الذي أكد علي أن التفوق التقني الغربي هو وحده ما يمد و يطيل من عمر هذا الفكر الذي يحتضر!

إن الفكر الليبرالي الذي يسوق مثل هذه الكتابات كان فتحاً و جاء حلا لإشكاليات العالم عندما كانت الشعوب تساق كالقطعان دون هوادة  و عندما كان الملك أو الإمبراطور و حاشيته الإقطاعية تتحكم بمصائر العباد و البلاد.

هذا الفكر الذي حد من سلطات و صلاحيات الملك و قيدها بضوابط دستورية ووزع الصلاحيات بين سلطات ثلاث فصل بينها بشكل حاسم لكيلا تتحكم سلطة ما بأخرى الشيء الذي قد يفتح الباب لعودة الدكتاتورية من جديد!

و رغم ذلك فان هذا الفكر الذي تتغني به هذه الكتابات هو وحده المسئول عن أهوال لم تشهد البشرية لها نظير! حتى تحت ظل دكتاتوريات الملوك و الأباطرة! سيبرر أصحاب هذه الكتابات صفحة الاستعمار القاتمة السواد في سفر الإنسانية تلك الحقبة المسئولة عن تخلف و تأخر الجنوب و تحديدا إفريقيا القارة النازفة.

و كيف سيبرر أصحاب هذه الكتابات رحلات المعاناة لملايين العبيد الأفارقة الذين سيقوا عنوة لصنع رفاه الإنسان الغربي في العالم الجديد.

و هل يكفي اعتذار بعد قرون لشطب و محو معاناة إنسانية لا زالت تبعاتها تحاصر الملايين!

هل منع الفكر الليبرالي من ظهور الدكتاتوريات الفاشية في ألمانيا و ايطاليا و التي جرت البشرية إلي أتون حربين عالميتين راح ضحيتها ما يزيد عن 65 مليون قتيل فضلا عن عشرات الملايين من الجرحى و المشردين و المعوزين و المختلفين عقليا!

من المسئول عن  ظاهرة الاحتباس الحراري و عن معدلات التلوث الكارثية و التي أضحت تهدد الحياة برمتها علي كوكب الأرض؟! وعن ثقب الأوزون الذي يتسع مع الأيام ؟! أليست هي بيوتات المال و الصناعة الليبرالية الجشعة هي التي صنعت أسلحة الدمار الشامل وأوصلت العالم إلي حافة الهاوية بعد الأضرار الفادحة بالتوازن البيئي الحيوي ؟!

مواطنيِّ في المعارضة إن التجربة الليبية المتمثلة في النظرية العالمية الثالثة  و سلطة الشعب جاءت استقراء للتاريخ و استشراف لعلاقات إنسانية أكثر عدلا لكن سوء حظ هذه التجربة أنها حدثت في المنطقة العربية و لان الشعب الليبي جزء من التركيبة و الذهنية العربية التي تحمل أنساق و بني فكرية موغلة في الظلامية و التخلف و النكوص ، فالفكر العربي إجمالا يتحدد و يتجلى في عبادة الفرد و الزعيم المخلص و لم يمر فكرنا العربي بالمرحلة الليبرالية ليتسع أفقه لحمل أعباء تجربة باذخة الثراء كالتجربة الليبية التي جاءت في الزمان و المكان الخاطئين.

فالإنصاف يستدعي من أصحاب هذه الكتابات و من الذين يتناولون التجربة الليبية ألا يغفلوا المعطيين التاريخي و الاجتماعي.

فالمعطي التاريخي ينبئنا بجلاء أن ليبيا و منذ 01/09/1969 و حتى مطلع الألفية لم تعطي فرصة لالتقاط الأنفاس لتقييم التجربة فقد سيقت عنوة من معركة إلي أخري  و للأسف ساهمت المعارضة الليبية بالخارج بدور مذل و مخزي عندما قبلت أن تتآمر مع أعداء الدين و الوطن في سبيل مجد زائف هو الوصول إلي سدة الحكم!

و عندما أتيحت فرصة لليبيا لالتقاط الأنفاس و تقييم التجربة أدركت فداحة الثمن الذي دفعته نظير موقفها المبدئي و الثابت و لأنه في حمأة الصراع لم يكن هناك متسع من الوقت للتفكير في البنية التحتية فأرادت ليبيا تعويض ذلك القصور بان أعلنت في خطة استعجالية تحويل ليبيا إلي دولة رفاه لكافة المواطنين الليبيين فيما بات يعرف بليبيا الغد فقد كان حريا بنا كليبيين جميعا سواء كنا مع النظام أو علي خلاف معه أن نسعى لما فيه صالح ليبيا و خصوصا أنه في حمأة الصراع لم يكن يسمح للأصوات المعارضة بالظهور لأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة و لان أمن البلاد و العباد على المحك و لا سيما من الذين يتآمرون مع الأعداء.

فاليوم عندما خفت دوي المدافع و أعلنت المصالحة الوطنية و تناسي الجميع عثرات و أخطاء الماضي و سعي الجميع للحمة و التكاتف لمصلحة الأجيال القادمة فالوطن يسع الجميع.

في هذه اللحظات التي تستدعي نفوساً كبيرة و همماً عالية تعرف معني المواطنة حق المعرفة لتنخرط في مسيرة البناء التي انطلقت و بقوة.

أما التغريد خارج السرب و محاولات تثبيط العزائم و الهمم و الاصطياد في المياه العكرة و تسقط عثرات الآخرين و التهجم و السباب و الشتم و إلصاق صفات العمالة و المنبطحين و الساعيين إلي مكاسب مادية للذين أعلنوا  أوبتهم الراشدة إلي أحضان الوطن ، لعمري إن هذا النوع من التصرفات لشطط في الخيال و اعوجاج في الفكر و سقم في الطبيعة فلا يستقيم الظل و العود اعوج و من تعود علي العيش في الحفر لا يقوي علي تحمل وهج الشمس في وضح النهار.

و المتتبع لهذه  الكتابات هذه الأيام يلحظ أن :

1.   هذه الكتابات تبدأ بتقرير نتائج قبل الشروع في المقدمات و الحجج المفضية إليها

2. أنها في معظمها نتاج عقلية ارتكاسية تعيش بعيدا عن الواقع السياسي الراهن الذي لفظها لفظ النواة، فهي تدور كلها في عوامل تجاوزتها المرحلة و تقدم حجج و أسانيد سوقية ترفع عنها الخدج في عالم السياسة!

من هذه الملاحظات ندرك مدي إفلاس المعارضة الليبية بالخارج و التي تجاهد باستماتة للبقاء علي السطح بعد أن لفظت من قبل سدنة العالم بعد استنفاذها لغرضها و أداءها لدورها طيلة الفترات السابقة حيث وظفت و بشكل سافر من قبل أعداء طرابلس في كافة المواقع وتم التخلي التدريجي عن هذه المعارضة عندما  لم تعد هذه المعارضة  جزء من أدوات الحاضر و بعد أن فقدت القدرة علي التوظيف الاستخباراتي للمرحلة الراهنة!

لمثل هؤلاء نقول لن تجدوا أرحم و لا أحن و لا أصدق من صدر الوطن الذي لم يرفض أحداً، حتى الأبناء العاقون حضنهم بحنين دافق كله رقة و سمو و ترفع عن خطاياهم بحقه.

 

عبد السلام الفيتوري

 


[1] جان جاك سوفاليه، تاريخ الفكر السياسي من المدينة الدولة إلى الدولة القومية. ترجمة: محمد عرب صاصيلا،  المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت ، طـ 3، 1995.

[2] محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي – محدداته وتجلياته، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ، طـ 1، 1990.

[3] روبرت م. ماكيفر، تكوين الدولة، ترجمة: حسن صعب، دار العلم للملايين، بيروت، طـ 2، 1989.

[4] نيقولو ميكافيللي، الأمير، تعريب: خيري حماد، تعقيب: د. فاروق سعد، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.


 

Home
Up