|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
سطـوة الحقيقيـة
اعتادت الجماهير العربية التعاطف مع المعارضة العربية دون تمحيص أو تحديد لطبيعتها, كما أنه زرع في الوعي الجماعي العربي التعاطف مع الخارجين والمعارضين للنظم الحاكمة لاعتبارات شتي أوجز منها: 1. فقدان المصداقية للخطاب الرسمي العربي نتيجة لنصف قرن من اتباع سياسة قول ما لا يفعل. 2. ضيق افق السياسات المتبعة من قبل النظم الحاكمة التي لازالت ترسف تحت إغلال عقلية القرون الوسطي التي تري ان اتباع سياسة القمع و تكميم الافواه والترغيب تارة والتهديد تارات أخرى كفيل بإسكات المعارضين وضمان ولاء العامة, مما أفضي إلي انسداد الأفق و الخوف من المستقبل و انعدام لغة الحوار. 3. غياب مفهوم التداول السلمي للسلطة. 4. الفشل الذريع للخطط التنموية المتعاقبة نتيجة لسياسات الارتجال و العشوائية وغياب الآليات العلمية والعملية لتحقيق المسعى التنموي. تلك السياسات التي اتسمت بالتفرد بالسلطة واعتبار أي رأي مخالف عدو يجب التخلص منه, فضلا عن تهميش المواطن العربي وابعاده بصفة مستمرة عن المشاركة الفعلية في الحياة السياسية ضمن مؤسسات مجتمع مدني فعالة وما ترتب علي ذلك من استزلام وفساد إداري وخنوع وسيطرة مراكز القوي علي مقدرات الشعوب كل ذلك احدث شرخا في العلاقة بين العامة والنخب السياسية الحاكمة مما جعل العامة تتعاطف تلقائيا مع كل معارض دون تحديد لماهيته. وبلغ بنا هوس التعاطف مع الضحية كعرب درجة ان البعض منا يشرع ويبرر التحالف حتى مع الشيطان لاسقاط تلك الانظمة. وفي الخضم تناسينا ان اي رؤية سياسية مهما كانت طبيعتها ان خلت من مرتكزات و ثوابت أدناها الممارسة الأخلاقية واحترام قيم المجتمع لن تكون باي حال من الاحوال بافضل من سابقتها. وفقا للرؤية أعلاه كنت أحجم دائما عن قراءة ما يكتب عن المعارضة العربية لانها للاسف عودتنا ألا تخرج في معظمها عن سياقين رئيسين: السياق الأول: يتمثل في كتابات المعارضة التي تصب جام غضبها علي النظم الحاكمة وتنعتها بشتى الأوصاف والنعوت مستخدمة السباب والشتم والقذف ولا تتواني عن النهش في الأعراض, ويغيب عن معظم تلك الكتابات التحليل الرصين والصوت الهادئ المعبر والتروي في إصدار الأحكام القطعية! هذا الطرح المحموم الذي لا يراعي ابسط مقومات الممارسة السياسية الواعية وركونه للتسطيح والهشاشة وتبادل التهم والتشهير جعل المعارضة العربية تفقد دعم ومساندة نخب الشرائح الواعية والمتعلمة في المجتمع. السياق الثاني: تمثل في الكتابات المضادة والتي لا تقل سطحية وهشاشة عن سابقتها, لأنها لا تخرج عن كونها محاولات رخيصة لتلميع صورة النظم الحاكمة و جنوحها المبالغ فيه لوصم المعارضة العربية بالعمالة للغرب ولدوائره الاستخباراتية دون تقديم أدنى دليل علي صحة مزاعمها. هذا الراي تولد عندي بعد السيل الجارف الذي امطرتنا به دور النشر أبان عقدي الثمانينات و التسعينات من القرن المنصرم حول المعارضة العربية وتحديدا المعارضة العراقية والسورية والمصرية والسعودية والليبية والتونسية والمغربية والموريتانية. عليه ومنذ ما يزيد علي العقد من الزمن أحجمت عن التعاطي مع مثل هذه المواضيع حتي وقفت مؤخرا علي كتاب "صناعة معارضة / العلاقة بين ال CIA والمعارضة الليبية" لصاحبه الدكتور يوسف أمين شاكير . في البدأ ظننت أن هذا الكتاب لن يخرج عن السياق العام لمثل هذه الكتابات , وعلي حد قول الممثل عادل إمام في مسرحيته الشهيرة "شاهد ما شاف حاجة" ......يا أبيض يا أسود....., فغياب الألوان الرمادية عن وعينا السياسي جعل ذلك الانطباع النمطي يتبادر الي ذهني منذ الوهلة الاولي. لذا كانت المفاجاة كبيرة وفرحتي أكبر بعيد الانتهاء من قراءة الكتاب وهذا ما جعلني أُبادر إلى الكتابة عنه. فالكاتب عايش المعارضة الليبية كجزء منها منذ البواكير الأولى وساهم في معظم الاحداث والوقائع المفصلية لما يزيد عن نصف عقد من الزمن كما هو مبثوث في ثنايا الكتاب, وخروجه من الجبهة الوطنية للانقاذ (التنظيم إلام للمعارضة الليبية) جاء كرد فعل مبدئي لارتماء تلك المعارضة في احضان الدوائر الاستخباراتية الأمريكية و للعلاقة المشبوهة التي تاكدت مع الايام مع الموساد الإسرائيلي وللاستبداد الذي مارسته قيادة المعارضة. والذي يميز هذا الكتاب ليست المعايشة المبكرة ولا لكون المؤلف كان ضمن المعارضة لسنوات و إنما الذي ميز هذا السفر: · بُعد الكاتب عن التجريح والإسفاف في تناوله لحيثيات المعارضة التي ينتقدها وفقا لمعطيات المعايشة وما لديه من وثائق, ونأيه عن التزمير والتطبيل لتلميع صورة النظام الليبي. · علي المستوي الابستيمولوجي لجوء الكاتب الي الاسلوب التقريري المكثف الذي يجعل القارئ مشدودا للنص وكأنه يقرأ رواية بوليسية شيقة وبعده عن التشبيهات والمحسنات البديعية التي عادة ما يلجأ اليها الكتاب لتمطيط النص وشحنه بدلالات استباقية تجعل القاريئ يلهث وراء الاستنتاج الذي عادة ما ما يساق عنوة بعد ارهاق ملكة الربط والتحليل لدي المتلقي الشيء الذي يجعله ينساق بسهولة وراء الأحكام القطعية والاستنتاجات المبتسرة والتي تستخدم في الغالب للي عنق الحقيقة وتطويعها للنص بغية ايصال معني مخاتل يعصب تسويغه أو تمريره في حالة اتباع الانساق و البني المتعارف عليها في مثل هذه الكتابات التقريرية. · الميزة الاهم للكتاب أن المحتوي صادم إلى حد التهور فهو يضع القاريء دون مقدمات امام الوقائع من غير مواربة أو غموض أو تورية! وفي عالم السياسة المتسم بالوحشية وخسة الوسائل فان هذا الاسلوب يعتبر جرأة و شجاعة تصل الي حد التهور من الكاتب. فهو يذكر التواريخ والأمكنة والأسماء الكاملة للأطراف المشاركة عندما يكون مشاركا في الواقعة أو الحدث في حين يحيل الي المصدر أو الوثيقة التي استقي منها تلك المعلومة في حالة عدم المشاركة. ومما يعاب علي الكتاب أمرين أحدهما يحط من القيمة الحقيقية للكتاب أن لم يتم تداركه في حين أن الأمر الثاني يمكن تلافيه بسهولة في الطبعات القادمة. هذان الأمران هما: 1. خلو الكتاب من فهرس للصور والوثائق التدعيمية. 2. عدم اهتمام المؤلف بلغة الكتاب الشيء الذي جعل بعض فقرات الكتاب تأتي مهلهلة دون ربط مع السياق العام مما خلق نوعا من التشويش وسوء الفهم في بعض فقرات آخر فصلين من الكتاب, وأظن ذلك مرده حرص المؤلف علي ايصال الحقيقة دون رتوش أو تنميقات أو أن المؤلف تعمد ذلك ظنا منه أن الأسلوب المباشر دون اهتمام بالشكل يقدم الحقيقة بشكل صارخ و بارز! وإن كنت لا اُقر ذلك. ورغم تلك الهنات و السقطات فاني انصح القراء و المهتمين بقراءيه لانه ببساطة كتاب يستحق القراءة. وكما قال أندريه جيد ".......أن للحقيقة حضورها الطاغي" وعربيا قال الجابري "ان للصدق سطوته......" فان الحضور الطاغي والسطوة المتجلية في رقي الطرح ورصانة الأسلوب والبعد عن الإسفاف لدليل علي نشدان الحقيقة والصدق الذين توخاهما المؤلف و يكفيه فخرا أنه احترم عقلية القارئ دون تطاول. ولأهمية هذا الكتاب الذي ولج إلي قضية شائكة تعتبر تابو في واقعنا العربي دون أن ينحاز لغير الحقيقة فاني اعد القراء الكرام بالقيام بدراسة نقدية وافية في قادم الأيام إذا سنحت الفرصة. للعلم كتاب "صناعة معارضة / العلاقة بين ال CIA و المعارضة الليبية" لصاحبه الدكتور يوسف أمين شاكير (المولود في مدينة بنغازي الليبية العام 1952), صدرت الطبعة الأولي منه عن دار أكاكوس للنشر والتوزيع والترجمة في القاهرة العام 2004. أرقام المصنف: · رقم الإيداع المحلي 15969 / 2004 · رقم الإيداع الدولي I.S.B.N. 977.6139.08.6 لقراءة الكتاب علي الانترنت فهو منشور في حلقات على: للمزيد عن المؤلف انصح بزيارة موقعه علي الانترنت:
د.حسين ولد الشيخ العلوي موريتانيا
|
|
|
|