|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
الفصل الثالث مقتضيات حق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة
توطئة: إن حق التقاضي ليس هبة من أحد، بل هو حق مقرر للإنسان من عند العلي القدير مثلما أكدت على ذلك المحكمة العليا في حكم رصين لها، فلكل فرد الحق في رفع مظلمته إلى القضاء دفعاً لأي اعتداء يقع عليه. ويتفرع من هذا الحق عدم جواز إنزال العقاب بأحد إلا بعد أن تجرى له محاكمة عادلة تتحقق له فيها كافة ضمانات الدفاع عن نفسه. فقد انتهى منذ زمن بعيد عهد الاحتكام إلى القوة، واختفى مبدأ تحقيق العدالة للنفس، فلم يعد يحق للفرد أن يحقق العدالة لنفسه وبنفسه. Personne ne peutse Faire Justice a soi même.. كما لم يعد مقبولاً في ظل النظم القانونية المعاصرة حجب حق التقاضي عن أحد لأي سبب من الأسباب، فالناس سواسية أمام مؤسسات العدالة والقانون، كما لا يجوز بحكم اللزوم المنطقي الانتقاص من الضمانات المقررة للمتقاضين بمن فيهم المتهم باعتباره خصماً في الدعوى الجنائية. تلك هي المبادئ الأساسية التي ترتكز عليها العدالة في قوانيننا المعاصرة والتي جرى صياغتها في مبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير بقولها (المجتمع الجماهيري يضمن حق التقاضي واستقلال القضاء، ولكل متهم الحق في محاكمة عادلة ونزيهة)([1]). ولأجل وضع هذه المبادئ السامية موضع التنفيذ صدر القانون رقم "20" لسنة 1991 ف بشأن تعزيز الحرية ليصوغ تلك المبادئ في قواعد قانونية واضحة الدلالة في معانيها قابلة للتطبيق العملي كقواعد أساسية. ومن أبرز القواعد التي جاءت متصلة بحق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة بحسب التسلسل المنطقي في المعالجة ما يلي:- 1. لكل شخص الحق في الالتجاء إلى القضاء وفقاً للقانون، وتؤمن له المحكمة كافة الضمانات اللازمة بما فيها المحامي وله حق الاستعانة بمحام يختاره من خارج المحكمة ويتحمل نفقته (القاعدة الثلاثون). 2. القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في أحكامهم لغير القانون. (القاعدة الواحدة والثلاثون). 3. المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي، ومع ذلك يجوز اتخاذ الإجراءات القانونية ضده مادام متهماً ويحظر إخضاع المتهم لأي نوع من أنواع التعذيب الجسدي أو النفسي أو معاملته بصورة قاسية أو مهينة أو ماسة بالكرامة الإنسانية. (القاعدة السابعة عشرة). 4. لا يجوز سلب أو تقييد حرية أي إنسان أو تفتيشه أو استجوابه إلا في حالة اتهامه بارتكاب فعل معاقب عليه قانوناً وبأمر من جهة قضائية مختصة وفي الأحوال والمدد المبينة في القانون. ويكون العزل الاحتياطي في مكان معلوم يخطر به ذوو المتهم ولأقصر مدة لازمة للتحقيق وحفظ الدليل. وبعد مضي ثلاث سنوات تقريباً من تاريخ صدور الوثيقة، أصدر مؤتمر الشعب العام القانون رقم "5" إفرنجي بشأن تطبيق مبادئ الوثيقة([2]) مقرراً في المادة الأولى منه وجوب تعديل التشريعات المعمول بها قبل صدور الوثيقة بما يتفق ومبادئ هذه الوثيقة، ولا يجوز إصدار تشريعات تتعارض مع تلك المبادئ. وأوجبت المادة الثانية على الجهات المختصة إعداد التعديلات المشار إليها سلفاً خلال سنة من تاريخ نشر هذا القانون، ويجوز عند الاقتضاء تمديد هذه المدة بقرار من اللجنة الشعبية العامة لمدة أو مدد أخرى. وبمقاربة هذه النصوص الأساسية يتضح جلياً أن المشرع الليبي قد أدرك الحقائق الأربع التالية: الأولى: أن التشريعات المعمول بها قبل تاريخ إصدار الوثيقة ليست في كليتها موافقة للمبادئ الحقوقية الواردة في متن هذه الوثيقة. الثانية: وجوب تعديل تلك التشريعات خلال سنة إن أمكن- بما يتفق ومبادئ الوثيقة. الثالثة: عدم جواز إصدار تشريعات لاحقه بالمخالفة لمبادئ الوثيقة. الرابعة: عدم شرعية أي نص قانوني يصدر بالمخالفة لقواعد قانون تعزيز الحرية استناداً إلى نص المادة الخامسة والثلاثين منه التي وصفت أحكام هذا القانون بأنها أساسية، وبأنه لا يجوز أن يصدر ما يخالفها ويعدل ما يتعارض معها من تشريعات. وفي ضوء المقاربة السابقة يمكننا أن نقرر دون تردد أن المشرع الليبي صار مثقلاً بالتزامين اثنين أحدهما إيجابي متمثلاً في وجوب مراجعة التشريعات السابقة لصدور الوثيقة وقانون تعزيز الحرية لتصير موافقة لهما، أما السلبي فيتمثل في منع إصدار أي تشريع – أيّاً كانت درجته- بالمخالفة لتلك القواعد الأساسية([3]). بعد هذا التمهيد والمقاربة بين النصوص يمكننا أن نتساءل عن مدى التوافق والتعارض بين أحكام قانون الإجراءات الجنائية الصادر في سنة 1953 إفرنجي، والمبادئ والقواعد التي تقرر حق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة. وبعبارة أخرى هل تضمن نصوص قانون الإجراءات الجنائية بحالتها الراهنة حق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة.؟ إن الإجابة عن هذا التساؤل تفرض علينا أولاً تحديد مفهوم المحاكمة العادلة والنزيهة، يلي ذلك عرض وتقييم أهم الأحكام ذات الصلة بالموضوع محل البحث وذلك من خلال مرحلتي التحقيق الابتدائي ومرحلة المحاكمة. مفهوم المحاكمة العادلة والنزيهة أولاً: مفهوم العدالة في القوانين القديمة.. ظلت القوانين القديمة - العرفية منها والمكتوبة- تنظر إلى المتهم على أنه شخص غير مرغوب فيه لأنه خرج عن القانون، فلا ينبغي الاعتراف له بأيّة حقوق أو ضمانات، فمن يخرج عن القانون لا يحق له من بعد الاحتماء به. وتأسيساً على هذا، كان العقاب في ظل تلك القوانين عبارة عن ردة فعل للجريمة المرتكبة يتم إنزاله بالجاني حال اعترافه بالجرم طوعاً أو كرهاً، وكانت العقوبات في معظمها قاسية وكانت أساليب التنفيذ أشد قسوة منها. وكانت لا تفرق في العقاب بين الصغار والكبار والعقلاء والمجانين، بل كان العقاب يطال حتى الحيوان والجماد. عكست تلك القوانين الحالة الفكرية السائدة آنذاك ولاسيما في أوروبا ما قبل عصر النهضة (العهد المظلم) الذي عم فيه الجهل وساد في ظله الظلم والاستبداد، في حين كانت ديار الإسلام تنعم بالحرية والعدالة والإنصاف في ظل شريعة سماوية مقدسة تكرم الإنسان وتحمي حقوقه وتحث على إقامة ميزان العدل، يقول الله في محكم كتابه ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾([4]) ذلك هو القرآن الكريم شريعة المجتمع في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى. ومن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب عندما ولاه اليمن "يا علي إن الناس سيتقاضون إليك فإذا أتاك الخصمان فلا تقضينّ لأحدهما حتى تسمع منه كما سمعت من الأخر، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء". ومن جملة ما ورد من مبادئ أساسية في كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري لما ولاه القضاء "لا يمنعك قضاء قضيته اليوم من أن تعيد النظر فيه غداً إذا بان لك وجه الحق". كما أرست الشريعة الإسلامية مبدأ قرينة البراءة حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم "ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فلئن يخطئ الإمام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". ومن فضائل الشريعة الإسلامية أيضاً أنها أرست مبدأ علنية المحاكمة، وشفوية المرافعة وحق المتهم في الاستعانة بمحام، وكان المحامي يعرف باسم وكيل الخصام. كما يعود إليه الفضل كله في إرساء مبدأ النزاهة في البحث عن الأدلة استلهاماً من قصة الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب مع الفتية الذين كانوا يحتسون الخمر داخل دار فتسلق عليهم الحائط وهم في حالة الجرم المشهود. تلك هي المبادئ العامة التي تحكم نظام العدالة الجنائية في الإسلام، فما هو مفهوم المحاكم العادلة والنزيهة في تشريعاتنا المعاصرة.؟ ثانياً: مفهوم العدالة في القوانين المعاصرة.. دون الخوض في مختلف التعريفات الإجرائية، تعنى المحاكمة الجنائية في معناها الأوسع مجموعة الأنشطة الإجرائية التي تبدأ بتوجيه الاتهام للمتهم وتنتهي بصدور حكم نهائي بات فيها إما بالبراءة أو الإدانة. وهذا التعريف الشكلي للمحاكمة يكاد يتطابق مع تعريف الخصومة الجنائية التي يعد المتهم طرفاً رئيسياً فيها إلى جانب النيابة العامة كسلطة اتهام. وهذا التعريف - كما هو ظاهر- يختلف عن تعريف الدعوى الجنائية التي تبدأ بأول عمل من أعمال التحقيق وتختتم بصدور الحكم البات. كما ينبغي عدم الخلط بين مصطلح الدعوى الجنائية والخصومة الجنائية، فالأولى هي الطلب الموجه من الدولة من خلال سلطة الاتهام إلى القضاء لإقرار حقها في العقاب عن طريق إثبات وقوع الجريمة ونسبتها إلى متهم معين، أما الخصومة الجنائية فتشمل هذا الطلب وكافة الإجراءات التالية له حتى تنقضي بحكم نهائي بات أو بغير ذلك من أسباب الانقضاء. والخصومة الجنائية وفق التعريف الموضوعي لها تعني المركز القانوني الذي يتمتع به المتهم في خضم الأعمال الإجرائية التي تقوم بها بالتعاقب سلطات الاتهام والتحقيق والمحاكمة. وبعبارة أكثر وضوحاً جملة الضمانات التي يقررها القانون للمتهم تمكيناً له من تحقيق دفاعه ودفوعه وإبداء طلباته. وتشمل هذه الضمانات دون خوض في الجزئيات ولاية الهيئة المختصة بتوجيه الاتهام واتخاذ إجراءات التحقيق والمحاكمة، ومقدار الحيدة والنزهة الذي تتمتع به في مواجهة السلطة التنفيذية. وتعني فيما يخص المتهم، مجموع الضمانات التي يقررها له القانون لدفع الاتهام ودحض الأدلة وحقه في الاستعانة بمحام يختاره بنفسه من خارج المحكمة، وحضور الإجراءات والمشاركة فيها وإعلامه بها إذا ما اتخذت في غيابه، وحقه في الطعن عليها بكافة طرق الطعن المقررة قانوناً. تلك هي الملامح العامة لمعنى المحاكمة العادلة والنزيهة التي تفترض مسبقاً قيام دولة القانون والمؤسسات، وسيادة مبدأ الشرعية، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، والمتهم بريء إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي صادر عن محكمة جنائية مختصة. وفي ضوء ما تقدم، يتضح جلياً أن حق المتهم في محاكمة عادلة ونزيهة صار اليوم حقاً أصيلاً ومبدأً حقيقياً مقرراً في كافة الوثائق الحقوقية الوطنية منها والعالمية، فلنتبين مدى مراعاة قانون الإجراءات الجنائية الليبي لهذا المبدأ عبر مرحلة التحقيق الابتدائي ثم المحاكمة. الضمانات المقررة للمتهم في مرحلة التحقيق الابتدائي.. أشرنا من قبل إلى أن الخصومة الجنائية تبدأ عندما يواجه المتهم بالتهمة المسندة إليه، ويكون ذلك على صعيد الواقع بعد توافر قدر من الأدلة الثبوتية ضده. وما أن يوضع المتهم موضع الاتهام حتى يهتز كيانه وتتشتت أفكاره، وتسيطر على تفكيره غريزة الهرب خوفاً مما سيحل به، ووصفاً لهذا الحال قال الأديب الفرنسي المعروف فكتور هيجو "لو اُتهمت يوماً بسرقة أجراس كنيسة نوتردام للُذت بالفرار"، إذ بعد توجيه الاتهام للمتهم صارت الأدلة تأخذ بخانقه، فلم يعد مجرد إنسان تحوم حوله الشبهات (المشتبه فيه)، بل صار متهماً بالمعنى الاصطلاحي لهذه الصفة التي تضع المتهم في مركز قانوني له جوانبه السلبية والإيجابية في آن معاً. حيث تجيز القوانين اتخاذ كافة الإجراءات الاحتياطية ضده من قبض وحبس وتفتيش..... وبالمقابل يحق له أن يستعين بمحام للدفاع عنه كما يحق له عدم الإجابة عن الأسئلة التي تطرح عليه من قبل المحقق أو ما يعرف بحق المتهم في الصمت، كل ذلك بعد إحاطته علماً بالتهمة المسندة إليه، علماً بأن المشرع الليبي لم ينص على هذه الضمانة في قانون الإجراءات الجنائية، لكن عدم النص عليها لا يعني تجريد المتهم منها، وبقول آخر لا يجوز إجبار المتهم عند مثوله أمام المحقق على الكلام ولا ينبغي اعتبار سكوته إقرارا أو اعترافاً بالتهمة الموجهة إليه([5])، ذلك أنه من حق المتهم ألا يتكلم إلا في حضور دفاعه إذا طلب الاستعانة به، وقبل هذا يقر له القانون مكنة طلب ندب قاض للتحقيق بدلاً من النيابة العامة بالإضافة إلى حقه في الطعن في قرارات التحقيق والإحالة، فلنتبين ذلك من خلال الفقرات التالية:- أولاً: حق المتهم في طلب ندب قاضِ للتحقيق بدلاً من النيابة العامة.. على خلاف بعض التشريعات المعاصرة ومن بينها التشريع الفرنسي الذي يشكل المصدر التاريخي للتشريع الليبي، تبنى هذا الأخير مبدأ الجمع بين سلطة الاتهام والتحقيق مستهدفاً من وراء ذلك سرعة إنجاز الإجراءات والحفاظ على سرية التحقيقات، ولم يرْ المشرع في هذا ضيراً، بحجة أنَّ النيابة العامة ليست خصماً لدوداً يخشى انحرافه أو تحيزه، بل هي في نظره – كما يبدو- خصماً شريفاً يُعنى ببراءة البريء بقدر ما يُعنى بإدانة المذنب. لعمري تلك نقيصة كبرى في التشريع الإجرائي الليبي، ذلك أن أعضاء النيابة العامة يتأثرون حتماً عند مباشرتهم أعمال التحقيق بالشواهد الأولية في الدعوى، مما قد يدفعهم للانحراف والتحيز. وقد أدرك المشرع هذه الحقيقة فأخذ بنظام قاضي التحقيق على سبيل الاستثناء رغم أسبقية النصوص المنظمة له من حيث الترتيب في متن قانون الإجراءات الجنائية، فنصت المادة "51" على أنه (للنيابة العامة في مواد الجنايات والجنح قبل بدء التحقيق أو بعده أن تطلب إلى رئيس المحكمة الابتدائية ندب قاضٍ للتحقيق أو أن تباشره بنفسها. ولرئيس النيابة المختص أن يطلب من محكمة الاستئناف ندب مستشار للتحقيق في جريمة معينة أو جرائم من نوع معين، ويكون الندب بقرار من الجمعية العامة وفي هذه الحالة يكون المستشار المندوب هو المختص دون غيره بإجراء التحقيق من وقت مباشرة للعمل. ويجوز للمتهم في مواد الجنايات أن يطلب ندب قاضٍ لتحقيق ويصدر رئيس المحكمة في هذه الحالة قراره بعد سماع أقوال النيابة العامة، ويكون قراره غير قابل للطعن، وتستمر النيابة في التحقيق حتى يباشره القاضي المندوب). وبمطالعة هذا النص يتبين جلياً أن حق المتهم في طلب ندب قاضٍ للتحقيق جاء معلقاً على شرطين: أولهما: وجوب أن تكون الجريمة محل التداعي جناية، والآخر: وجوب سماع أقوال النيابة العامة([6]). وطلب المتهم جائز القبول والرفض، وذلك على خلاف طلب النيابة العامة الذي لا يجوز رفضه سوى كانت الجريمة محل الدعوى جناية أو جنحة. أما على صعيد التطبيق فقلما تتخلى النيابة العامة عن وظيفة التحقيق، مما جعل حالات الندب نادرة الوقوع. أما فيما يخص المتهم فلم يطرق سمعنا بعد أن حظي مثل هذا الطلب بالقبول في تاريخ القضاء الليبي رغم زوال كافة الأسباب التي كانت كامنة وراء عدم تمتع المتهم بهذه الضمانة ألا وهي نقص عدد القضاة عشية نفاذ قانون الإجراءات الجنائية في عام 1954 إفرنجي، والآن وبعد مضي نصف قرن من الزمان تقريباً هل تدب الحياة في هذا النص المعطل.؟ ثانياً: حق المتهم في الاستعانة بمحامٍ.. إن حضور المحامي إلى جانب المتهم يعد في المقام الأول ضرباً من الحماية له يدرأ عنه اتخاذ إجراءات تعسفية ضده باستخدام وسائل غير مشروعة كالإكراه والخداع والتضليل ونصب الكمائن للإيقاع به والحصول منه على اعترافات غير صحيحة إبان استجوابه، ويضفي فضلاً عن ذلك شيئاً من الثقة على الاستجواب الذي تنهض به سلطة التحقيق، فيجعله أبعد منالاً من أي طعن أو تجريح. وبمطالعة قانون الإجراءات الجنائية الليبي يبدو لنا أن هناك قصوراً واضحاً في إقرار هذا الحق للمتهم عند مثوله لأول مرة أمام المحقق، وذلك على خلاف كثير من التشريعات المعاصرة التي أوجبت على المحقق - عند الحضور لأول مرة في التحقيق- أن يحيطه علماً بالأفعال المسندة إليه والنصوص القانونية المنطبقة عليها، ويتلقى جوابه بعد إن ينبهه بأن له الحق في أن لا يجيب إلا في حالة حضور محام يختاره بنفسه([7])... كما أن هذه الضمانات غير مجدية في العديد من الحالات الأخرى التي عدّدتها المادة "106" من قانون الإجراءات الجنائية، حيث يجوز استجواب المتهم ومواجهته بغيره من المتهمين والشهود في غياب محاميه في مواد الجنح عموماً وفي مواد الجنايات في أحوال التلبس بالجريمة. وكذا في حالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة. بل إن المشرع أجاز اتخاذ تلك الإجراءات في الأحوال الأخرى العادية عندما لا يكون المتهم قد اختار محامياً للدفاع عنه. وفي حالة حضور المحامي إلى جانب المتهم فإن دوره يكاد يكون معدوماً، ذلك أن عجز المادة "106" من قانون الإجراءات الجنائية لم يجزْ له الكلام إلا إذا أذن له المحقق، وإذا لم يأذن له، وجب - فقط- إثبات ذلك في المحضر. وفي ضوء ما تقدم نخلص إلى القول بأن حق المتهم في الاستعانة بمحام في هذه المرحلة الحاسمة من الدعوى (الاتهام والاستجواب والمواجهة) يعد مبتوراً من ناحية ومشلولاً من ناحية أخرى، وبيان ذلك من جهة ثالثة، أن حضور المحامي يكون عديم الفائدة عندما تحجب أوراق الدعوى عنه، فلا يتمكن من الاطلاع على ما جاء فيها من أدلة وإثباتات وأوراق ومستندات، فيصير حضوره بجلسة الاستجواب والمواجهة هو العدم سواء، لذلك كان ينبغي على المشرع تضمين نص المادة "106" حكماً يوجب على المحقق تمكين المحامي من الاطلاع قبل تاريخ استجواب المتهم مثلما هو مقرر في التشريعات الأخرى كالتشريع المصري والتونسي، ولا يكفي لتبرير هذا النقص ما قاله بعض الشرّاح المتفائلين من أن إطلاع المحامي على الأوراق لا يتطلب نصاً من القانون بحكم تفرعه عن وظيفة الدفاع. وفي ضوء ما تقدم نقترح على المشرع الليبي إعادة النظر في نص المادتين "105، 106" إجراءات جنائية على نحو يكفل للمتهم حقه في الصمت وفي الاستعانة بمحام منذ اللحظة التي يمثل فيها أمام المحقق، والقول بغير ذلك يعني تفريغاً لهذه الضمانة من محتواها. ثالثاً: حق المتهم في الطعن في أوامر التحقيق.. يمكن تصنيف الأوامر التي تصدر في مرحلة التحقيق الابتدائي إلى عدة تصنيفات لعل من أبرزها التوقيت الذي تصدر فيه من ناحية، ومدى مساس تلك القرارات بحقوق المتهم وحريته من ناحية أخرى، والذي يعنينا في هذا الشأن النوع الأخير من القرارات ومدى قابليتها للطعن فيها أمام القضاء. في حقيقة الأمر، إن المشرع الليبي لم يتبنْ في هذا الشأن خطة واضحة المعالم، فمكنة الطعن على القرارات جاءت مرتبطة بالجهة المختصة بالتحقيق، فمن الأوامر ما يجوز الطعن فيه إذا صدر من جهة معينة فإذا صدر من غيرها امتنع الطعن فيه. وبالنظر إلى تشعب الموضوع واتساع نطاقه فإن المعالجة في هذا المقام تقتصر على القرارات المتعلقة بالحبس الاحتياطي ورفض طلبات الإفراج وقرارات الإحالة إلى غرفة الاتهام. أ- الأمر بالحبس الاحتياطي.. يعتبر الحبس الاحتياطي من حيث مساسه بالحرية من أخطر إجراءات التحقيق على الإطلاق، ذلك لأنه يؤدي إلى سلب حرية إنسان لازال في نظر القانون بريئاً، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم نهائي من القضاء. وتلك هي قرينة البراءة التي يستظل بها المتهم خلال مرحلة التحقيق والمحاكمة، والتي يشكل الحبس الاحتياطي خرقاً فاضحاً لها، لكن التشريعات المعاصرة لم تشأ التضحية بمصالح الهيئة الاجتماعية في حفظ الأمن والنظام وتحقيق العدالة لأجل صون هذه القرينة صوناً مطلقاً، لذا أجازت في أحوال معينة وبشروط محددة اتخاذ بعض الإجراءات الاحتياطية ضد المتهم وعلى وجه الخصوص منها الحبس الاحتياطي. ودون خوض في التفاصيل - يمكننا أن نقرر دون تردد- أن أسوأ مؤسسة قانونية في ظل قانون الإجراءات الجنائية الليبي هي مؤسسة الحبس الاحتياطي وفق تنظيمها الراهن([8]). وذلك راجع إلى جملة من الأسباب، منها أن الشروط الموضوعية المتعلقة بالجريمة جاءت فاقدة لأي معنى، ذلك أن الحبس الاحتياطي جائز بشكل مطلق في مواد الجنايات، وفي مواد الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر. أما إذا لم يكن للمتهم محل إقامة ثابت ومعروف في ليبيا فإن الحبس الاحتياطي جائز حتى لو كانت مدة الحبس تقل عن ثلاثة أشهر. وبمقارنة هذه الضمانة (الجريمة محل الاتهام) بالجرائم الجنحية المعاقب عليها بالحبس مدة تزيد عن ثلاثة أشهر أو بالحبس مطلقاً، يبين لنا على وجه قطعي أن الحبس الاحتياطي جائز في كافة الجنح عدا القليل منها، الأمر الذي يجعل هذه الضمانة فاقدة لأي معنى. أما فيما يخص شرطي الاستجواب وكفاية الأدلة فهما مجرد ضمانات شكلية ليس من شأنهما الحد من سلطة المحقق في اللجوء للحبس الاحتياطي، ناهيك عن أن تقدير كفاية الأدلة يعد من المسائل التي تخضع لتقدير المحقق وهذا، إذا ما أدركنا أن الأمر بالحبس الاحتياطي هو من جملة الأوامر التي لا يجوز للمتهم الطعن فيها أو حتى مجرد الاعتراض عليها، فهو والحال هذه من الأوامر المحصنة([9]). وإذا كان الحال هكذا على صعيد النصوص، فرب متعرض يقول أن الحبس الاحتياطي هو مجرد إجراء جوازي، إن شاء لجأ إليه المحقق وإن شاء أهمله وقد يستبدله بإجراء أخر كالكفالة أو شرط التردد... إلى آخره، لكن الأمور لا تسير على هذا النسق في التطبيق، وآية ذلك أن حوالي 70% من إجمالي نزلاء مؤسسات الإصلاح والتأهيل هم في حالة حبس احتياطي. إن هذه النسبة تعد دليلاً كافياً على وجود ما يسمى بظاهرة الإسراف في اللجوء للحبس الاحتياطي دون مبرر. بيد أن المسئولية عن هذا الإسراف لا تقع على كاهل المحققين من أعضاء النيابة العامة الذين يقع في مجال اختصاصهم -بحسب الأصل- الأمر بالحبس لأول مرة عند مباشرة سلطاتهم في التحقيق بالإضافة إلى سلطة الاتهام المسندة إليهم، بل نرى أن شطراً من المسئولية يقع أيضاً على كاهل القضاة الجالسين سواء في مرحلة تمديد الحبس بعد استنفاذ المدة المقررة للنيابة العامة، أم كان ذلك خلال مرحلة الفصل في الدعوى بعد الإحالة. وبيان ذلك أن القضاء الجالس درج على صعيد التطبيق العملي الاستجابة لمطالب النيابة العامة في تمديد فترات الحبس، وبالمقابل رفض طلبات الإفراج من جانب المتهم، الأمر الذي جعل من رقابة القضاء على الحبس الاحتياطي مجرد ضمانة نظرية فاقدة لأي معنى على صعيد الواقع. وكان من نتائج هذا التطبيق ارتفاع عدد نزلاء مؤسسات الإصلاح والتأهيل قياسا بعدد النزلاء المحكومين نهائياً بعقوبات سالبة للحرية أو بعقوبات أخرى. ويكفي للتدليل على ذلك –في ظل عدم وجود أرقام دقيقة- أن معظم النزلاء المحبوسين حبساً احتياطياً هم في انتظار الفصل في الدعاوى الجنائية المرفوعة ضدهم بعد الإحالة، وهذا يعني أن المحاكم تميل على صعيد التطبيق إلى الإبقاء على المتهم في حالة حبس إثناء فترة المحاكمة التي قد تطول مدتها في ظل تراكم القضايا أمامها، وكذا لأجل ضمان حضور المتهم جلسات المحاكمة، متأثرة في ذلك بالوضع الذي وجد عليه المتهم لحظة إحالته إليها محبوساً. إن مساوئ الحبس الاحتياطي لم تعد تخفي على ذي بصيرة، فهو في جوهره سلب لحرية إنسان لازال في نظر القانون بريئا بكل ما يترتب على ذلك من أضرار تمس المحبوس في مختلف جوانب شخصيته - بدنياً ونفسياً وعقلياً واجتماعياً - بل أني أرى في هذا الحبس المؤقت أشد وطأة على المرء من عقوبة الحبس ذاتها، ذلك لأن المحكوم عليه قد تهيأت نفسه لاستقبال العقوبة عند إدانته، في حين يصطدم المتهم بها على غير اقتناع في عديد الحالات، كما لو كانت الجريمة بسيطة، وكان المتهم رب عائلة وصاحب وظيفة وليس له سوابق جنائية... ولا يخشى المحقق بحكم طبيعة الجريمة والظروف التي ارتكبت فيها أي خطر على سير التحقيق أو التأثير على الشهود أو العبث بالأدلة... ففي مثل هذه الحالات تتلاشى مبررات الحبس الاحتياطي، وإذا ما لجأ إليه المحقق يكون قراره تعسفياً. لذلك ما انفك الباحثين في كثير من المحافل العلمية الدولية يؤكدون على وجوب تجنب اللجوء إلى الحبس الاحتياطي إلا في أضيق الحدود تجنباً لأضراره السيئة التي أشرنا إليها سلفاً وهي ذات الأضرار المترتبة عن العقوبات السالبة للحرية قصيرة المدة... وهذا ما تم التوكيد عليه في الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان وقواعد قانون تعزيز الحرية حيث نصت المادة الرابعة عشرة منه على أنه (لا يجوز سلب أو تقييد حرية أي إنسان أو تفتيشه أو استجوابه إلا في حالة اتهامه بارتكاب فعل معاقب عليه قانوناً وبأمر من جهة قضائية مختصة وفي الأحوال والمدد المبينة في القانون. ويكون العزل الاحتياطي في مكان معلوم يخطر به ذوو المتهم ولأقصر مدة لازمة للتحقيق وحفظ الدليل). إن الحبس الاحتياطي لم يشرع إلا لأغراض محددة ويحظر اللجوء إليه كعقوبة سابقة لحكم الإدانة أو لأجل التنكيل بالمتهم أو لإكراهه على الاعتراف... لذا كان ينبغي على المحقق مراعاة للحيدة والنزاهة أن يعلل أمر الحبس في كل حالة يلجأ فيها إلى ذلك الإجراء الخطير، ولا يكفي في ذلك ذكر صيغة عامة، بل يجب بيان الأسباب الواقعية التي دعته إلى حبس المتهم حبساً احتياطياً، مع تمكين المتهم في المقابل من ممارسة حقه في الطعن على القرار وكذلك في أحوال رفض الإفراج. ولا ضير في ذلك، لأن الطعن ليس من شأنه أن يوقف إجراءات التحقيق. وإذا ما تجاوزنا مسألة الإسراف في اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، فإن هناك إشكالية أخرى أبلغ سوءاً من سابقتها ألا وهي الإسراف في مد الحبس الاحتياطي، وبيان ذلك أن المدة المقررة للحبس لا زالت طويلة رغم محاولة المشرع الليبي خفضها ووضع سقف أعلى لمدتها بموجب القانون رقم 3 لسنة 1371 و. ر. بشأن تعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية حيث تستطيع النيابة العامة قبل انتهاء مدة الحبس المقررة لها وهي ستة أيام من تاريخ القبض على المتهم أو تسليمه لها أن تطلب من القاضي الجزئي مد حبس المتهم لمدة أو مدد متعاقبة لا تزيد في مجموعها عن ثلاثين يوماً، وهذه المدة يملكها أيضاً قاضي التحقيق في الأحوال التي يباشر فيها التحقيق بدلاً من النيابة العامة، وهو أمر نادر الوقوع على صعيد التطبيق، حيث قلما تتخلى النيابة العامة عن سلطتها في التحقيق بالإضافة إلى سلطتها في الاتهام، وإذا ما رأت النيابة العامة أو قاضي التحقيق مد الحبس الاحتياطي لأكثر من المدة السابقة وجب عليها عرض الأوراق على المحكمة الابتدائية مشكلة بهيئة استئنافية من ثلاثة قضاة لتأمر بمد الحبس مدة أو مدداً أخرى لا تزيد في مجموعها عن تسعين يوماً، ولا تزيد في كل مرة عن ثلاثين يوماً. أما إذا رأت سلطة التحقيق ضرورة مد الحبس لمدة أخرى لاستكمال التحقيق والتصرف في الدعوى وجب عليها في هذه الحالة عرض الأمر على النائب العام أو من يقوم مقامه بطريقة التفويض ليطلب من هيئة التمديد المشار إليها سلفاً وهي المحكمة الابتدائية مشكلة بهيئة استئنافية مد الحبس وفق الآلية السابقة ولمدة إجمالية لا تزيد عن 90 يوماً. ولعل الجديد الذي أتى به القانون رقم 3 لسنة 1371 و.ر هو خفض مدة الحبس فيما يخص قاضي التحقيق حيث صارت ثلاثين يوماً بعد أن كانت خمسة وأربعين يوماً من ناحية، وجعل المدة تسعين يوماً لهيئة التمديد مجزأة في ثلاثة أشهر. بحيث لا يجوز تمديد الحبس في كل مرة عن ثلاثين يوماً بعد أن كانت المدة خمسة وأربعين يوماً من ناحية أخرى. وإذا كان المشرع قد سعى إلى وضع سقف أعلى لمدة الحبس الإجمالية في مرحلة التحقيق الابتدائي من خلال تحديد المدة الإجمالية في كل تمديد وهي تسعون يوماً لمدة واحدة بالطريق العادي، ولمدة أخرى فقط بطريقة استثنائية عن طريق عرض الأمر على النائب العام لكي يطلب من هيئة التمديد مد الحبس لفترة أخرى مماثلة لفترة التمديد العادي الأولى، فإنه وبمطالعة أحكام هذا القانون الجديد، يتضح لنا ما يلي: 1. مدة التمديد لازالت طويلة ولاسيما في الجرائم الجنحية. 2. إن التمديد الاستثنائي لا يشكل ضمانة تحول دون الإسراف في تمديد الحبس، حيث غالباً ما يجري تمديد الحبس من هيئة التمديد بطلب من وكلاء النائب العام وهم رؤساء النيابات أو المحامون العاملون وذلك بحكم انشغال النائب العام بقضايا أخرى عديدة، لذا يلجأ النائب العام إلى تفويض اختصاصه في هذه المسألة لبعض وكلائه. 3. بعد مضي أكثر من خمس سنوات على صدور القانون رقم 3 لسنة 1371 و.ر أثبت الواقع من خلال الإحصاءات المتعلقة بعدد نزلاء مؤسسات الإصلاح والتأهيل أن عدد النزلاء بها من المحبوسين حبساً احتياطياً لازال مرتفعاً كما كان عليه الحال قبل صدور القانون والعمل به. 4. ولعل هذا ما دعا إلى تشكيل لجان قانونية متخصصة لمراجعة قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجنائية لتصير أحكامها موافقة لمبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير وقانون تعزيز الحرية الذي نص في مادته "14" على وجوب أن يكون اللجوء إلى الحبس الاحتياطي في أضيق الحدود ولمصلحة التحقيق أو لأغراض أخرى متعلقة بحفظ النظام والاستقرار ومنع المتهم من الفرار، وينبغي في جميع الأحوال أن يكون لأقصر مدة ممكنة مع إخطار ذوي المتهم بمكان حبسه والجدير بالملاحظة في هذا الشأن أن مدد الحبس الاحتياطي المنوه عنها سلفاً تتعارض مع المبدأ المقرر في المادة (14) من قانون تعزيز الحرية، حيث لم يضع المشرع في التعديل الصادر بالقانون رقم "3" لسنة 1371 و. ر سقفاً أعلى لمدد الحبس، سواء في مواد الجنح أو الجنايات، وكان ينبغي –على الأقل- في خطوة أولى نحو الحد من الإسراف في طول المدد أن تكون أقصى مدة للحبس الاحتياطي في مواد الجنح 90 يوماً يتعين قبل انتهائها إحالة المتهم للمحكمة أو الإفراج عنه، وفي مواد الجنايات 90 يوماً قابلة للتمديد مرة واحدة فقط لتكون المدة الإجمالية القصوى في مواد الجنايات هي 180 يوماً. وقد تبنت تشريعات عديدة هذا الاتجاه وكان من نتائج ذلك تسريع نشاط التحقيق في الدعاوى الجنائية، أما المحاولات المترددة التي وردت في التعديل المشار إليه سلفا بشأن التقصير من مدة الحبس خلال فترة التحقيق الابتدائي فهي – في نظرنا- غير مجدية. مع التذكير بأن استمرار حبس المتهم بعد الإحالة إلى المحكمة يعود السبب فيه إلى انسياق المحاكم وراء أمر الحبس الصادر عن النيابة العامة، ورفضها في الواقع العملي طلبات الإفراج المقدمة إليها من المتهمين في مرحلة المحاكمة بمظنة أن المتهم الذي أحيل إليها محبوساً يخشى هروبه في حين يمكن للمحكمة أن تفرض ضمانات لحضور المتهم جلسات المحاكمة مع الإفراج عنه. وفي ضوء التحليل السابق نقترح على المشرع الليبي ضرورة إعادة النظر في نص المادة "115" إجراءات جنائية على نحو يجعل الحبس الاحتياطي غير جائز عموماً في مواد الجنح المعاقب عليها بالحبس مدة لا تزيد عن سنتين ويستثنى من ذلك الجنح ذات الخطورة الخاصة كجرائم السرقة والاعتداء الشديد على الأشخاص والأموال، وبضرورة تسبيب الأمر بالحبس وكذا في حال تمديده، وقابلية الطعن على القرارات المتعلقة به - حبساً ومداً ورفضاً للإفراج- أمام القضاء أو جهة التحقيق العليا من الدرجة الثانية في حالة اعتماد نظام قاضي التحقيق. كما ينبغي وضع حد أقصى لمدة الحبس في كافة الجرائم التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي مع استثناء بعض الجرائم ذات الخطورة الخاصة كجرائم المساس بأمن الدولة، ولا ينبغي لنا أن نغفل مبدأ حق المتهم في التعويض إذا ما تعرض لأضرار غير عادية من جراء الحبس الاحتياطي وظهرت براءته يقيناً بحكم من القضاء، إذ أنه من غير المنصف أن يتحمل المتهم وحده وزر أخطاء العدالة. ب- حق المتهم في الطعن في قرارات الإحالة إلى غرفة الاتهام.. إن غرفة الاتهام ليست درجة من درجات التقاضي في التشريع الإجرائي الليبي، بل هي سلطة اتهام أصلية خصها القانون دون غيرها بالإحالة إلى محكمة الجنايات إذا ما تبين لها من خلال التحقيقات التي قامت بها النيابة العامة أو قاضي التحقيق - بحسب الأحوال- أن الواقعة تشكل جناية وغير مقترنة بعذر قانوني أو ظرف قضائي مخفف يستوجب تجنيحها. وقد أجاز المشرع الليبي للنيابة العامة الطعن في أمر الإحالة إلى محكمة الجنح والمخالفات الصادر من غرفة الاتهام، لكن المشرع الليبي أنكر - بالمقابل- على المتهم حقه في الطعن على الأمر بالإحالة إلى محكمة الجنايات الصادر عن غرفة الاتهام، رغم قيام شرط المصلحة في الأحوال المشار إليها عاليه. وكان ينبغي – في إطار حفظ التوازن- بين المراكز القانونية للخصوم (المتهم والنيابة العامة) الإقرار للمتهم بحقه في الطعن على هذا القرار، مع ملاحظة أن غرفة الاتهام وفق تشكيلها الحالي من قاضي فرد لا تعدو أن تكون مجرد حلقة غير مفيدة في مسار الدعوى الجنائية، وآية ذلك أنها لا تستطيع في خضم القضايا التي تحال إليها إجراء تحقيقات تكميلية لاستجلاء الواقعة، وأغلب الظن أنها تقوم فقط بمراجعة ما أُنجز من تحقيقات سابقة وما انتهى إليه المحقق من وصف وقيد ومدى مطابقة ذلك للقانون توطئة لإصدار قرار بالإحالة إلى محكمة الجنايات دون إضافات جديرة بالذكر. لذا نقترح على المشرع الليبي إعادة النظر في هذه الهيئة إما بإلغائها وإما بجعلها هيئة تحقيق من الدرجة الثانية تختص بالفصل في الطعون المتعلقة بأوامر التحقيق، شريطة أن تكون مشكلة من ثلاثة قضاة. مرحلة التحقيق النهائي وإصدار الحكم.. في هذه المرحلة من الدعوى تخف القيود والضغوطات عن المتهم وذلك على خلاف المرحلة السابقة، بحكم مثوله أمام هيئة قضائية تتمتع بالحيدة والاستقلال. وتلك بلا جدال ضمانة تقي المتهم من كافة ضروب التحكم والظلم. وهذه الصفة لا تتحقق في المحكمة إلا بتوافر شرطين أساسيين هما: إن تكون المحكمة المشكلة تشكيلاً عادياً، وأن تلتزم في إجراءاتها بالأحكام العامة المقررة في قانون الإجراءات الجنائية، وذلك بصرف النظر عن حدود اختصاصها النوعي، أي فيما إذا كانت مشكلة لأجل الفصل في نوع معين من القضايا كمحكمة المرافق والأحداث والمحكمة الزراعية، أو في عدد من القضايا غير النوعية التي تحال إليها من النيابة المتخصصة مثلما هو معمولاً به الآن في الجماهيرية دون معيار موضوعي يمكن الاستناد إليه في تصنيف القضايا. وتجدر الإشارة مرة أخرى إلى وجوب تدخل المشرع الليبي لإلغاء الإجراءات الاستثنائية التي آلت النيابة العامة والنيابات والمحاكم التخصصية بموجب القانون رقم "7" لسنة 1373 و.ر بشأن إلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي. إذ من غير المنطقي أن يخضع متهم ما في ظل قضاء موحد لأحكام قانون الإجراءات الجنائية، ويخضع متهم أخر - وربما في جريمة مماثلة - لإجراءات استثنائية استناداً إلى الصلاحيات الاستثنائية التي كانت مقررة لمكتب الادعاء الشعبي ومحكمة الشعب. وخلاصة القول أن مقتضى حق المتهم في محاكمة عادية ونزيهة يستوجب دون شك خضوعه لأحكام القانون العام الذي يتساوى أمامه كل شخص يدخل في نزاع مع القانون الجنائي، ومثوله أمام محكمة جنائية تخضع في تشكيلها وفي الإجراءات المتبعة أمامها للقانون العام. ([1]) البند التاسع من الوثيقة الصادرة بمدينة البيضاء يوم الأحد 27 شوال 1397 و.ر. الموافق 12 من شهر الصيف 1998 ف. ([2]) صدر هذا القانون في 8 محرم الحرام 1401 و.ر. الموافق 20 من شهر ناصر 1991 إفرنجي. ([3]) كان ينبغي على المشرع بيان الطريق الذي يجب إتباعه لغرض احترام قدسية هذه النصوص السامية، ونعني بذلك طرق الرقابة على شرعية القوانين (دستورية القوانين)، علماً بأن المشرع كان قد أقر مبدأ الرقابة من خلال إعادته لدائرة الطعون الدستورية ضمن دوائر المحكمة العليا (راجع قانون المحكمة العليا رقم "6" لسنة 1982 م بإعادة تنظيم المحكمة العليا المعدل بالقانون رقم "17" لسنة 1423 م، والقانون رقم "8" لسنة 1372 و.ر. ([4]) سورة النساء الآية 58. ([5]) من المبادئ المقررة أن لا ينسب لساكت قول. ([6]) إن اشتراط سماع أقوال النيابة العامة يعني على صعيد الواقع موافقة النيابة العامة على الطلب المقدم من المتهم، ولعل هذا الشرط هو الذي جعل الأساتذة المحامين يترددون في طلب تنحي النيابة العامة عن سلطتها في التحقيق لصالح قاضي التحقيق. ([7]) راجع المادة (105) إجراءات جنائية التي جاءت خلواً من ضمانة حق المتهم في الصمت، اكتفاء منها بالنص على أن يتثبت المحقق من شخصية المتهم ثم يحيطه علماً بالتهمة المسندة إليه، ويثبت أقواله في المحضر. ([8]) انظر للمؤلف، الحبس السابق للحكم في القانون الفرنسي والليبي، رسالة دكتوراه الدولة (باللغة الفرنسية) جامعة بواتييه، فرنسا 1979م. ([9]) انظر نص المادة (139) من قانون الإجراءات الجنائية الليبي.
|
|
|
|