|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
عقوبة القطع في جريمة السرقة المعاقب عليها حداً وحق الإنسان في سلامة بدنه
توطئة وتقسيم: خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان واختاره من بين الخلائق جميعاً لكي يكون خليفة في الأرض، وهو من بعد خلقه لم يجعله وحيداً ولم يتركه سدى، بل امتدت إليه يد الرحمة لتنقذه مما هو فيه من ضلال وتهديه سواء السبيل، فبعث الله الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجَّة. وكان القرآن الكريم آخرَ خطاب نزل من السماء إلى الأرض مصدقاً لقوله تعالى ﴿ اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً﴾([1]). قد تبنت الجماهيرية العظمى الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريع منذ زمن مبكر، ثم صدر إعلان قيام سلطة الشعب ليعلن أن القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية الليبية([2]). وإذا كنا نتعرض في هذا البحث الموجز إلي عقوبة القطع في جريمة السرقة المعاقب عليها حداً، فإننا نقر منذ البدء بعدم إيفاء الموضوع حقه من البحث والتمحيص بسبب اتساع نطاقه وتشعب مدارجه، وإنَّ باعثنا في الخوض في غماره كان منطلقاً من إيماننا الراسخ بأحكام الشريعة الإسلامية الغراء وغيرتنا عليها، فجاء هذا البحث ليناقش حجج المشككين في ملائمة الشريعة الإسلامية لظروف عصرنا ويرد على الدعوى التي يروج لها الرافضون للعقوبات البدنية بحجج أنها تمس بكرامة الإنسان وتهدر حقه في سلامة بدنه من جانب، ولأنها لا تحقق أغراض الجزاء الجنائي في الاصطلاح والتأهيل والتهذيب من جانب آخَر. وهم إذ يرفضون هذا الصنف من العقوبات نراهم لا يقدمون بديلاً معقولاً سوى العقوبات السالبة للحرية التي لا تختلف عن العقوبات البدينة في الأضرار التي تحدثها على صعيد الفرد والأسرة والمجتمع. ولما كان القرآن الكريم هو شريعة المجتمع في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، فإن العودة إلى الأحكام القطعية في الشريعة الإسلامية ولا سيما في مجال تشريعات الحدود، هو التزام مترتب عن الإعلان التاريخي لقيام سلطة الشعب الذي جاء تعبيراً عن إرادة الشعب العربي الليبي من ناحية، وكأثر قانوني مترتب عن الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير وقانون تعزيز الحرية رقم 20 لسنة 1991 ف من ناحية أخرى. وكان المشرع الليبي ممثلاً في مجلس قيادة الثورة من قبل ذلك وفي مطلع السبعينات قد عقد العزم على جعل الشريعة الإسلامية مصدراً من مصادر التشريع في المجتمع العربي الليبي المسلم، فبادر منذ ذلك التاريخ بتشكيل لجنة من كبار العلماء ورجال القضاء لأجل إعداد مشاريع قوانين تشريعات الحدود استنباطاً من أحكام الشريعة الإسلامية. وكان من بين القوانين التي صدرت القانون رقم 148 لسنة 1972م في شأن إقامة حدي السرقة والحرابة مرفوقاً بمذكرة إيضاحية تضمنت بياناً وافياً لأهداف التشريع ومضمون أحكامه، ثم خضع هذا القانون لعدة تعديلات تناولت الشروط الواجب توافرها لتطبيق الحد سواء منها ما تعلق بنصاب المال المسروق أم فيما يخص الشبهات الدارئة للحد، أم كان ذلك متصلاً بأدلة الإثبات([3]). والذي يمكن استخلاصه من ذلك التشريع أن المشرع الليبي سعى جاهداً إلى جعل القطع في السرقة والحرابة عقوبة تلويح وترهيب، وليس عقوبة تنكيل وانتقام، كما ذهب على ذلك خصوم هذه العقوبة، وآية ذلك أنه اتجه في البدء إلى التوسع في نطاق الشبهات الدارئة للحد من جانب، وتشدد في شروط تطبيق الحد من جانب آخَر مثلما سيرد بيان ذلك تفصيلاً في موضعه من الدراسة. هذا، وقد استهدفنا من هذا البحث إبراز أهمية الأموال، وبيان مقاصد الشرع الحكيم من تجريمه للسرقة التي تعد من أخطر الجرائم المضرة بكيان المجتمع في كل زمان ومكان، ثم عكفنا على دحض حجج المشككين والمعارضين في تطبيق تشريعات الحدود وخاصة منها حد السرقة. ونحن إذ نتصدى لدعواهم نجادلهم بالحسنى ونجلي في الوقت ذاته يسر أحكام الشريعة الإسلامية وسمو مكانتها ونبل مقاصدها مبرزين مآثرها وأفضالها على الإنسان قاطبة وعلى المجتمعات التي كان لها شرف تطبيقها خاصة. ولا نخفي في هذا المقام ظاهر القسوة في تشريعات الحدود وخاصة منها حد السرقة الذي يشكل موضوع هذه الدراسة، ولكن القسوة في باطنها الرحمة مثلما هي جراحة الاستئصال علاج في حالات الأمراض المستعصية. والشرع الحكيم إذ يقرر عقوبة قطع يد السارق اليمنى من الرسغ أحاطها بضمانات كثيرة حتى لا يقع خطأ في تطبيقها، فحرصت أحكام القانون على ضرورة توافر شروط محددة بعضها يتعلق بالجاني وبعضها الآخَر يتعلق بالجرم المرتكب ووسائل إثباته وتنفيذه. لذا نتعرض بإيجاز لهذه الضمانات التي أدى حرص المشرع عليها إلى محدودية التطبيق على صعيد الواقع في مرحلة نفاذ القانون رقم 148 لسنة 1972 ف لتتسع دائرة التطبيق على نحو كبير في ظل القانون رقم 13 لسنة 1425م المعدل بالقانون رقم 11 لسنة 1428 م والقانون رقم 10 لسنة 1369 و.ر. وقبل البحث في الأحكام التي تضمنتها تلك التشريعات المتعاقبة، يبدو من الملائم بيان المقصود بحد السرقة طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. التعريف بحد السرقة: السرقة هي أخذ المال خفية بنية التملك. والحد في اللغة المنع ولهذا سميت بعض العقوبات حدوداً، ولأن من شأنها المنع من ارتكاب الجريمة وهو شرعاً عقوبة مقدرة، تجب حقاً لله تعالى. وعرّف فقهاء الشريعة الحدود بقولهم: إنَّها موانع قبل الفعل، وزواجر بعده([4]). أهمية الأموال وضرورة حمايتها: يهدف حد السرقة إلى حماية المال، والمال هو ما يمكن حيازته والانتفاع به انتفاعاً معتاداً([5]). ومن هذا التعريف يمكننا حصر الشروط الواجب توفرها في المال الذي يصلح أن يكون محلاً للسرقة في شرطين اثنين هما الحيازة وإمكان الانتفاع به، فإذا فقد أحد هذين الشرطين أو كلاهما انتفت مالية الشيء([6]). وتكمن أهمية الأموال في كونها عصبة الحياة، من هنا كانت للأموال حرمة وكانت حمايتها أمراً واجباً، فلا إنسان أو أسرة إلا بقدر من المال يكفل ضرورات الحياة وحاجاتها، وتلك سنة الله في خلقه، وهم من قديم الزمان يعملون ويكدحون في سبيل الرزق الذي يقيهم أودهم ويعصمهم من الذل والعوز والحاجة والهوان (المذكرة الإيضاحية للقانون الخاص بإقامة حد السرقة والحرابة رقم "148" لسنة 1972ف). والمال شيء محبب للنفس يجب حمايته. وهذا ما قرره الشرع الحكيم في شأن الاعتداء على الأموال بالسرقة فعاقب عليها بعقوبة قاسية نظراً لأهمية المال وخطورة الاعتداء عليه. وواجب حفظ الأموال أمر مفروض على صاحب المال قبل غيره، إلا أن الشرع الحكيم لم يفرض جزاء دنيوياً مقدراً لمن يقصر في حفظ ماله اكتفاء بالجزاء المترتب على الحرمان. ومع ذلك نهى الله سبحانه وتعالى عن الإسراف والتبذير، وأنزل المبذرين منزلة الشياطين، كما أجاز الشرع الحكيم والمشرع الوضعي الحجر على إرادة صاحب المال إذا ما تبين فساد عقله وثبت سوء إدارته لأمواله. وهكذا، ينفذ الإسلام بأحكامه إلى أعماق النفس البشرية فيكبح جماحها ويحد من طيشها وهواها لكيلا يتم صرف المال على غير مقتضى الشرع والعقل. أما إذا حرم الإنسان من ماله دون علمه ورضاه فقد أوجب الله سبحانه وتعالى جزاءاً قاسياً مانعاً زاجراً يتمثل في قطع يد المعتدي نكالاً من الله. وهذه العقوبة القاسية يقررها الشرع الحكيم حفاظاً على المال الذي هو معاش الإنسان وحصيلة كسبه وستار كرامته ومبعث سعيه وكده. كل ذلك لكي يعيش الناس مطمئنين على أموالهم فينصرفون إلى شؤونهم ويجدون في حياتهم وهم آمنون([7]). وواجب الحماية هنا يقع على عاتق الدولة باعتبارها القائمة على مصالح الناس والمسؤولة عن أمنهم وراحتهم بما تملك من أجهزة وإمكانيات بشرية ومادية. فما هي الحكمة يا ترى من عقوبة حد السرقة؟ مقاصد الشرع الحكيم من تقريره لحد السرقة: لم يضع الشارع الأحكام على غير هدى، وإنما قصد بها تحقيق مقاصد عامة([8]). ومقاصد الشرع تم حصرها في خمس مصالح هي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وعلى هذا فكل ما يتضمن حماية هذه الأمور الخمسة فهو مصلحة وكل ما يشكل اعتداء عليها يعد مفسدة، بل إن الأصول الخمسة تقع في منزلة الضرورات، فهي أعلى المراتب في المصالح. ومن ثم، فإن الأحكام التي شرعت لصيانة الأركان الضرورية هي أهم الأحكام وأحقها بالمراعاة. كما أن العقوبات التي فرضت لحمايتها هي أقسى العقوبات وأكثرها زجراً. ومن هنا أيضاً فإنه لا غرابة إذا جاءت عقوبات الحدود قاسية وغليظة([9]). ويقول أبو إسحاق الشاطبي في كتابه الموافقات، إن وضع الشرائع إنما هو لصالح العباد في العاجل والآجَلِ معاً، ويقسم المقاصد فيقول إنها لا تعدو أن تكون ثلاثة أقسام: أحدها "أن تكون ضرورة"، الثاني "أن تكون حاجية" والثالث "أن تكون تحسينية"، فأما الضرورة فمعناها أنها لابد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقد لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين([10]). وقصد الشارع من تقريره لعقوبة الحد في السرقة هو حماية الأموال التي تعد مثلما سلف القول من الضرورات. وبالنظر إلى أهمية هذه المصلحة وعلو مرتبتها، فقد قدر الشارع لها حماية خاصة تخلص في عقوبة قطع اليد إذا ما توفرت شروطها، والشارع الحكيم إذ يقرر ذلك قدر مسبقاً جسامة الفعل وخطورته بالنسبة لصاحب المال والسارق معاً. فالإنسان الذي حرم من ماله قد يلجأُ في سبيل سد حاجاته إلى سلوك ذات المسلك الذي لجاُ إليه السارق كردة فعل عنيفة في نفسه. كما أنه قد يضطر إلى الانغماس في الرذيلة، وما أكثر الناس الذين أذلوا بسبب الحاجة والفقر والحرمان وكم هي كثيرة الشعوب التي تتضوَّرُ اليوم جوعاً بسبب حرمانها من خيراتها!، وتقديراً من المشرع الحكيم لهذه الاعتبارات أحاط الأموال بحماية فائقة تخلص في المعاقبة عليها بحد السرقة. وكأنه بذلك يرمى إلى حماية مصالح عليا في المجتمع. أما السارق فقد قرر الله عقابه بقطع الأداة التي استعملها في حرمان الآخرين من أموالهم التي جعلها الله لهم قياماً. وشاءت العناية الإلهية أن يكون الجزاء المقرر من جنس الجريمة المرتكبة حتى يرتدع السارق ويكون القطع عظة وعبرة له ولغيره. هذا، وقد أماط اللثام أحد فقهاء الإسلام المعروف بابن قيم الجوزية عن الحكمة من حد السرقة فقال: "إن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة تقع من فاعلها سراً، كما يقتضيه أسمُها والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء، واليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران، فعوقب السارق بقطع اليد قصاً لجناحه، وتسهيلاً لأخذه إن عاود السرقة... وعقوبة السارق بالقطع أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس وأخذ أموالهم([11]). ثم إن جريمة السرقة تكشف عن خبث في الطبع وفساد في النفس كما تنم عن خطورة إجرامية كبيرة. وآية ذلك أن السارق يقدم على فعله عازماً على أخذ المال ولو أدى ذلك إلى ارتكاب جرائم أخرى ضد الأشخاص كالقتل والإيذاء. وما أكثر الأرواح التي أزهقت بمناسبة ارتكاب جرائم السرقة باستعمال الأسلحة ومعدات التقنية الحديثة من سيارات ومتفجرات....الخ. خطورة جريمة السرقة([12]): وإزاء خطورة هذه الجريمة وبالنظر إلى نتائجها الضارة فقد أجهد علماء الإجرام والعقاب والسياسة الجنائية أنفسهم في سبيل خلق سياسة جنائية يمكن بمقتضاها مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، فسن المشرع الوضعي القوانين الكفيلة بمكافحة هذه الجريمة، وقرر عقوبات مختلفة لمن يرتكبها، وركز علماء الإجرام أبحاثهم في العوامل الدافعة لارتكابها، ورسم علماء العقاب الطرق والأساليب المختلفة لتنفيذ ما قرره المشرع وأوصى به علماء الإجرام، وبالرغم من كل ذلك لم تتمكن الدولة بأجهزتها المختلفة من الصمود أمام تيار السرقة الجارف، وبقى الناس يتجرعون في كل لحظة مرارة جريمة "السرقة" وما يرتكب بمناسبتها من جرائم خطيرة أخرى، وازدادت جرائم السرقة عدداً واستفحلت نوعاً وتنوعت أساليب تنفيذها بفضل تقدم وسائل التقنية الحديثة (وسائل المواصلات والاتصال، وأجهزة ومعدات الهدم والكسر... الخ). كما أسهمت المؤسسات العقابية إسهاماً كبيراً في إثراء أساليب الإجرام وتأهيل المجرمين، فتحولت إلى ملتقى لعصابات الإجرام ومكاناً يستغل في التخطيط لمشاريع الإجرام الأخرى بدلاً من أن تكون أماكن أصلاح وتأهيل. ومن هنا كان أخطر المجرمين ومحترفو الإجرام في الغالب من خريجي المؤسسات العقابية([13]). وبالرغم من خطورة هذه الجريمة وآثارها السيئة فقد عارض البعض في تطبيق تشريعات الحدود بحجة مجافاتها لقيم العصر وتعارضها مع ما تم إقراراه في المواثيق الحقوقية والصكوك الدولية في شأن معاملة المذنبين ومع ما هو مستقر من مبادئ في علمي الإجرام والعقاب. حد السرقة وقيم العصر([14]): على أثر الاتجاه نحو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى وغيرها من الدول الإسلامية الأخرى، شكك البعض وعارض البعض الآخَر، في ذلك، بحجة تعارضها مع قيم العصر ومبادئ الإنسانية، وخاصة منها تلك المتعلقة بحقوق الإنسان الطبيعية وكذلك ما استقر منها في السياسة الجنائية المعاصرة. ونعتوا الشريعة الإسلامية بأوصاف منها قسوة العقوبات التي تقررها، وخاصة منها عقوبة القطع، وجمود أحكامها وعدم اتفاقها مع طبيعة العصر، مما يقتضي مناقشة الحجج التي يسوقونها في هذا الشأن. أولاً: وجهة نظر المعارضين في تطبيق حد السرقة: يقول المعارضون لتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في مجال التجريم والعقاب ولاسيما فيما يخص تشريعات الحدود بأنها لا تتلاءم مع طبيعة العصر، ذلك أن أحكامها نزلت في بيئة مغايرة لبيئتنا عقيدة وإيماناً. فيكف يتسنى والحال هذه تطبيق تشريعات الحدود التي تعد حقَّاً لله تعالى على إنسان لا يملأ قلبه الإيمان. وفي عبارة أخرى، إن القصد من تطبيق الحد على السارق هو تطهيره من الإثم قبل ملاقاته بربه، ويردف المعارضون لتطبيق تشريعات الحدود قائلين بأن التطبيق الجزئي لتشريعات الحدود يتعارض مع الطابع الشمولي للدين الإسلامي الذي نزل عقيدةً ونظاماً للحياة، أو ديناً ودولة كما جرى على الألُسن. فكيف يستقيم التطبيق الجزئي لبعض أحكامه في مجال معين دون ما إعمال لأحكامه في جوانب الحياة الأخرى؟ وفي مجال التجريم والعقاب وصفوا تشريعات الحدود بالغلظة والقسوة مما يخالف المبادئ المستقرة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وخاصة منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة في العاشر من ديسمبر 1948م، والذي تضمن في مواده من 3 إلى 21 النص على الحقوق المدنية والسياسية والتي منها حق كل إنسان في الحياة والحرية وسلامة شخصه، وحقه في التحرر من التعذيب أو التعرض لضروب من المعاملة أو العقوبة القاسية المهينة المنافية للكرامة الإنسانية([15]). ومن ناحية أخرى قالوا بأن العقوبة المقررة لحد السرقة تتعارض مع مبدأ تناسب العقوبة من جسامة الجرم المرتكب، وتخالف الأهداف المتوخاة من العقوبة، ويضيفون أيضاً بأن عقوبة القطع من شأنها تدمير نفسية الجاني، وإعاقته عن العمل والإنتاج وأن المجتمع في حاجة إلى أيدي سليمة لا إلى أيدي مقطوعة([16]). ثانياً: دحض حجج المعارضين في تطبيق حد السرقة أما فيما يخص عدم التلاؤم بين أحكام الشريعة في مجال تشريعات الحدود وقيم العصر وطبيعة القرن الواحد والعشرين فإننا نقول بأن الدين الإسلامي هو الذي جعل من العرب أمة ذات هيبة وحضارة بين الأمم، ومنارة بدد نورها ظلام أوروبا العصور الوسطى، بعد أن كانوا قبائل متفرقة جعلت من السطو والنهب شرعة لها، وحياتها كانت لعباً ولهواً وغروراً وتفاخراً بينها في الأنساب والألقاب، إذ بفضل الإسلام تم توحيدهم وتغيرت أوضاعهم واستقرت حياتهم فأمن في ظلها الإنسان على حياته وعقله ونسله وماله. حدث ذلك في فترة زمنية لم تتجاوز ثلاث وعشرين سنة وبضعة أيام. فأي تشريع وضعي أو فكر إنساني يستطيع تحقيق مثل هذا التغيير، فيجمع أوصال أمة ممزقة ويحقق الأمن والاستقرار؟ ومن ناحية أخرى، نزلت تشريعات الحدود لجرائم قليلة العدد ذات خطورة بالغة على مصالح المجتمع الإسلامي. والمصالح الخميس التي استهدفتها تشريعات الحدود تنزل بمنزلة الضرورات التي لا يجوز التساهل حيالها. وقانون الجرائم والعقوبات باعتباره قانون حماية يستقي مضمونه من واقع هذه المصالح، ومن هنا نفهم لماذا نصت القوانين القديمة على عقوبات قاسية لجرائم الاعتداء على حرمة الأديان وقداسة رجال الدين، ولماذا تتجه تشريعات مجتمعاتنا المعاصرة إلى توسيع نطاق التجريم وتشديد العقوبة بالنسبة للجرائم الماسة بالاقتصاد والأمن القوميين. إن الاختلاف في التشريعات الجنائية يعكس بوضوح مدى التفاوت في النظر إلى المصالح الجوهرية محل الحماية، ولذا جرى على الألسن القول بأن القانون هو نتاج ظروف بيئية ومرآة عاكسة لأوضاع عصره، وأن أي قانون يشذ عن هذه القاعدة سيكون مصيره الرفض والفشل وعدم الاحترام، وأحكام الشريعة الإسلامية المستمدة من الكتاب والسنة الصحيحة لا يمكن مقارنتها بما يشرعه العباد لأنفسهم، إذ إنَّ الأولى تتمتع بصفة الثبات وهذه الصفة هي وليدة صفة الكمال. تلك الصفة التي لا يمكن للمخلوق أن يتميز بها فشتان بين هذا وذاك مصدراً وشمولية ومقاصد. ويصف المعارضون تشريعات الحدود بالقسوة والغلظة وبأنها لا تحفظ للإنسان آدميته وحقوقه الطبيعية في سلامة كيانه المادي والمعنوي، وهذا القول ينم عن إنكار وجهل بمبادئ الشريعة الإسلامية التي قررت الحرية والمساواة بين البشر ومنع التفرقة بينهم بسبب العرق أو اللون أو الثروة أو الجاه أو السلطان. فالكل سواسية في شريعة الإسلام لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بتقوى الله. كما حرمت سفك الدماء غدراً وأخذ الأموال خلسة ونهباً، فأمن في ظلها كل إنسان على حقوقه. أما إنسان هذا القرن فإنه يعيش في حالة من الرعب والخوف، فاقداً الثقة في قدرة السلطات العامة على توفير الأمن له وحمايته من بطش المجرمين. ولم يعد بإمكان أجهزة الدولة سوى إصدار النشرات والإحصائيات حول ارتفاع معدلات الجريمة وتحذير المواطنين من المجرمين، مما زاد الناس خوفاً فاتجهوا إلى الاعتماد على إمكانياتهم الذاتية في حماية أنفسهم فتحولت بيوتهم إلى أقفاص من حديد، واقتنوا الأسلحة ونصبوا الكمائن ومدوا الأسلاك الشائكة المكهربة وثبتوا أجهزة الإنذار والمراقبة حول بيوتهم وأموالهم علهم بذلك يستطيعون إبعاد شبح المجرمين([17]). وهكذا فقد الإنسان في زمننا المعاصر جانباً من حقوقه الطبيعية ألا وهو حقه في أن يعيش آمناً مستقراً، فكيف يستقيم القول بأن تشريعات الحدود تخالف حق الإنسان في الحرية وفي سلامة بدنه وأمواله([18])؟ ثم إن القسوة في تشريعات الحدود هي قسوة تلويح وتهديد، وإنَّ الله عندما قررها لم يقصد بها الانتقام من عباده، وإنما قررها رحمة بالعباد وبالمجرم ذاته. وقصر النظر على الجاني المحكوم عليه بالحد دون تقدير إلى أثر تطبيق العقوبة بالنسبة للمجتمع، هو أمر مخالف للمنطق والعقل، لأن العبرة بمصلحة العباد في مجموعهم وليس لمصلحة مجرم معين ارتكبَ جريمة السرقة ولم يدرأ الحد عنه بشبهة ومن ثم يقتضي الأمر عدم التردد في تطبيق تشريعات الحدود تطبيقاً صحيحاً رغم قسوتها وشدتها لأن القسوة هي في حد ذاتها رحمة، ثم أن ما لا يدرك كله لا يترك كله. ويقول المعارضون لتطبيق تشريعات الحدود بأن فلسفة التجريم والعقاب استقرت بعد تطور طويل على مبدأين اثنين، فأما الأول فيقضي بقانونية الجريمة والعقوبة، فلا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون، وأما الثاني فيخلص في شخصية العقوبة وتفريدها، وتهدف العقوبة إلى تحقيق أمرين اثنين، هما الردع العام والردع الخاصُ وهذا الأخير يقتضي إيلام الجاني بقدر جسامة جرمه، وقد يكون الإيلام بدنياً كما في حالة العقوبات البدنية، كما قد يكون الإيلام معنويا كما في حالة العقوبات السالبة والمقيدة للحرية، كما قد يكون الإيلام ماديا كما في حالة العقوبات المالية. كل ذلك علاوة على ما يترتب عن الحكم بالعقوبة وتنفيذها من مساس بمركز واعتبار المحكوم عليه بسبب استياء المجتمع واستهجانه لسلوك الجاني([19]). أما الردع العام فيكمن في تهديد الكافة بتطبيق الجزاءات المقررة قانوناً حالة مخالفتهم لإحكامه الآمرة والناهية. والجزاءات المقررة لتشريعات الحدود لا تسمح في نظر المعارضين لها بتطبيق مبدأ تفريد العقاب وتحقيق فكرة الردع الخاص، وآية ذلك أن العقوبات الجسدية، ليس فيها مجال لوضع شخصية الجاني موضع الاعتبار عند تطبيقها([20]). إذ إنَّ هذه العقوبات تعتبر ذات حد واحد كما أنها عقوبات لازمة فلا يستطيع القاضي الحكم بإيقاف نفيذها ولا استبدال غيرها بها، ولا تخفيفها ولا العفو منها، والعلة في ذلك أنها عقوبات مقررة حقاً لله تعالى، وهي بطبيعتها غير قابلة للزيادة أو النقصان كل ذلك على خلاف العقوبات السالبة للحرية المنصوص عليها في المدونات العقابية. وهكذا يرجح المعارضون كفة العقوبات السالبة للحرية التي تشكل في العصر الحاضر الجزاء الرئيسي في قائمة الجزاءات. فلنتبين حقيقة هذه الجزاءات والآثار المترتبة عليها. العقوبات السالبة للحرية وآثارها: بدأ علماء السياسة ينظرون إلى المجرم نظرة إنسانية، بل إن البعض صار ينظر إلي المجرم على أنه مريض يلزم علاجه لا عقابه، والعقاب المقرر في قوانين العقوبات يعني عزل الجاني عن المجتمع في مكان تحيط به أسوار عالية أو في دهاليز تحت الأرض، ويقول المتخصصون في علم العقاب، بأن المؤسسات العقابية لم تعد مكاناً يعزل فيه المنحرفون والمارقون عن قوانين المجتمع، وإنما يجب أن تتغير النظرة إليها وأسلوب المعاملة بداخلها بحيث تتحول إلى مكان يخلو فيه السجين إلى نفسه فيتذكر خطيئته ليتوب ويندم، وإلى مركز للإصلاح والتأهيل بغية إعادة تأهيل المجرم تمهيداً لإعادته إلى وسط المجتمع الحر من جديد. وعلى الرغم من إنسانية هذه الأفكار وصلاحية البعض منها، إلا أنها ظلت للأسف أفكاراً طوباوية لا تمت بصلة إلى الواقع المعاش في المؤسسات العقابية، حيث لم تتمكن هذه المؤسسات بالرغم من المحاولات الجادة لإصلاحها منذ مطلب القرن الماضي من تحقيق الأهداف المرسومة لها، بل يمكن القول: إنَّ الأضرار التي تسببت فيها لا تتلاءم البتة مع ما يعود على الجاني المجتمع من فوائد([21]). إذ إنَّ العقوبة السالبة للحرية مهما طالبت أو قصرت مدتها، فإنها تلحق بالنزيل أضراراً لا يمكن تفاديها، كما أنها تلحق بالمجتمع أضراراً اقتصادية واجتماعية هو في غنى عنها لو اتبع أسلوباً عقابياً مغايراً، ومن أبرز الأضرار المترتبة على هذه العقوبات ما يلي:- أ. يترتب على العقوبات السالبة للحرية حرمان النزيل من أهم حقوقه الطبيعية ألا وهو حقه في الحرية، فيشعر داخل المؤسسة العقابية بالذلة والمهانة كما أن وجوده بالسجن يشعره في كل لحظة بأنه إنسان مذنب بل حيوان كاسر لم يجد المجتمع (الوسط الحر) وسيلة أخرى للخلاص منه سوى إيداعه داخل أسوار النسيان فتنشأ في نفسه عقدة الحقد والكراهية للعالم الخارجي، سرعان ما يعبر عنها عند مغادرته لأسوار السجن في صورة جرائم أخرى. ومما يؤكد ذلك، تنامي معدلات حالات العود إلى الإجرام وارتفاع نسبة الانتحار، وتأسيس عصابات الإجرام داخل السجون. إن هذه المضار لا يمكن تفاديها مهما كانت أساليب العناية والرعاية والمعاملة داخل المؤسسات العقابية، ذلك أنها تنشأ تلقائياً بسبب فقدان الإنسان لحقه في الحرية وحرمانه من إشباع بعض غرائزه الفطرية. ب. ويترتب على العقوبة السالبة للحرية قطع صلة النزيل بأسرته خاصة وبالعالم الخارجي عامة. فيصبح بعد مضي مدة من الزمن غريباً عنهما، فكيف يستقيم القول والحال هذه أن العقوبة تهدف إلى إصلاح الجاني وإعادة تأهيله تمهيداً لإعادته إلى حظيرة المجتمع؟ إذ الملاحظ في الواقع العملي أن يجد النزيل نفسه عشية مغادرته السجن وحيداً شريداً لا تربطه صلة بالعالم الخارجي فيضطر بعد برهة من الزمن وأحياناً بعد ساعات قليلة إلى العودة إلى عالم المجرمين بسبب جريمة جديدة([22]). ج. يمضي النزيل داخل الأسوار العالية ساعات طويلة من عمره دون القيام بنشاط يستحق الذكر، فيركن إلى الخمول ويألف الاعتماد في إشباع حاجاته على الآخرين وكثيراً ما يلجأ إلى صرف طاقاته في أمور أخرى يعلمها جيداً المسؤولون عن المؤسسات العقابية. وهكذا يظل السجناء عاطلين عن العمل والإنتاج مما يكلف المجتمع مبالغ طائلة يمكن استثمارها في مجالات أخرى. ويقول المعارضون بأن عقوبة حد السرقة تحدث بالجسم تشويهات لا يمكن علاجها وانتقاصاً من قدرة الجسم على العمل فيؤدي ذلك إلى انخفاض القدرة الإنتاجية. أما فيما يتعلق بتشويه البدن، فليطمئن المشككون والمترددون بأن عقوبة الحد لا تتناول كل أفراد المجتمع، كما أن شروط تطبيقها تحدد من نطاقها حتى ليكاد يقتصر على حالات محدودة. ثم إن الإنسان معرض في حياته إلى تشويهات كثيرة بفعل الأمراض والحوادث. أما القول بأن القطع إذا كان مألوفاً في العصور الغابرة بسبب الحرب فإنه لم يعد مألوفاً في العصر الذي نعيشه، فإننا نقول لهم ما أشبه الليلة بالبارحة، وما أشد قسوة التقنية الحديثة على إنسان هذا العصر ولنا في حوادث السير على الطرق العامة ومختلف وسائل النقل الأخرى والحروب التي تشنها الدول على بعضها البعض وجرائم الإرهاب والعنف دليل وبرهانُ يدحض ما يسوقونه من حجج. أما فيما يخص زعمهم من أن تطبيق حد السرقة يؤدي إلى إعاقة المقطوع عن العمل والإنتاج، فإننا نقول بأن الذي يقدم على السرقة ولم تتوافر في حقه شبهة من الشبهات الدارئة للحد يعد بحق عالة على المجتمع بل عائقا محيطا لهمم الآخرين الذين سرق جهدهم وإنتاجهم، ومن أجل ذلك عوقب السارق بقطع الأداة التي زوده الله بها ليكد ويعمل لا ليسرق ويفسد في الأرض: وعلى ضوء ما سلف بيانه يمكننا القول بأن العقوبات السالبة للحرية لم تحقق الأهداف المرسومة لها، بل هي عاجزة قانوناً وواقعاً عن تحقيق الردع العام والردع الخاص. ولعل ارتفاع نسبة العائدين إلى الأجرام في معظم دول العالم خير دليل على صدق ما نقول. بل يؤكد علماء الإجرام والعقاب بأن أخطر طائفة من المجرمين هم أولئك الذين سبق الحكم عليهم بعقوبات سالبة للحرية فذهبت رهبة السجن من نفوسهم، ولم يعد لهم مكان في المجتمع بسبب إبعادهم عنه طيلة فترة العقوبة. وبالنظر إلى هذه المضار، رأى البعض بأن التدريب على الحياة العامة لا يمكن أن يكون مجدياً إلا إذا تم خارج الأسوار المغلقة، ولذا كان الاتجاه نحو التوسع في مجال بدائل العقوبات السالبة للحرية كإيقاف تنفيذ العقوبة والتهديد بها والإفراج الشرطي وأيام العمل لصالح المجتمع وتعويض الضحية، والوضع تحت مراقبة الشرطة وغير ذلك من البدائل التي تحول دون الحبس كالغرامات ومنع ممارسة النشاط. وقد تبلورت هذه الآراء المعارضة للعقوبات السالبة للحرية، وجرى صياغتها في قرارات وتوصيات صدرت عن كثير من الهيئات والمؤتمرات الدولية. فقد أوصى مؤتمر هيئة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة ومعاملة المذنبين الذي انعقد في لندن سنة 1960م بالإقلال من تطبيق العقوبات السالبة للحرية ولاسيما قصيرة المدة منها، وطالب بإحلال بدائل لها غير سالبة للحرية. كما أوصت الحلقة العربية الأولى للدفاع الاجتماعي التي انعقدت في القاهرة عام 1961م بتفادي الحكم بعقوبة الحبس قصير المدة باعتبارها غير فعالة وغير مستحبة في السياسة الجنائية([23]). وهكذا، اتجهت أفكار السياسة الجنائية الحديثة إلى التضييق من نطاق تطبيق العقوبات السالبة للحريات قصيرة المدة، من أجل تجنيب المحكوم عليه مضار السجن المغلق، وتم اقتراح بدائل لها تتمثل في ترك الجاني في الوسط الاجتماعي الحر لإعادة تأهيله، ومثال ذلك العقوبات المالية، وإيقاف تنفيذ الحكم، وفرض العمل الإجباري على الجاني خارج السجن والتقييد أو الحرمان من بعض الحقوق أو أوجه النشاط كسحب رخصة القيادة لفترة دائمة أو مؤقتة، والالتزام بالتردد على التأهيل أو التدريب المهني والإنذار والتوبيخ من جهة الحكم والخضوع للعلاج من الإدمان وتعويض الضحية([24]). وفي هذا الشأن يؤكد الكتاب الأخضر على جملة هذه الحقائق مقرراً في الفصل الأول منه على أن موسوعات القوانين الوضعية الناشئة عن الدساتير الوضعية مليئة بالعقوبات المادية الموجهة ضد الإنسان، أما العرف فهو خال تقريباً من تلك العقوبات.... الدين يحتوي العرف ويستوعبه... ومعظم العقوبات المادية في الدين مؤجلة، وأكثر أحكامه مواعظ وإرشادات وإجابات على أسئلة، وتلك أنسب شريعة لاحترام الإنسان. الدين لا يقرر عقوبات آنية (عاجلة) إلا في حالات قصوى ضرورية للمجتمع([25]). وقد ألهمت هذه الأفكار المشرع الجماهيري فنسج على منوالها مقرراً في البند الثاني من الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان (إن أبناء المجتمع الجماهيري يقدسون حرية الإنسان ويحمونها ويحرمون تقييدها، فالحبس فقط لمن تشكل حريته خطراً أو إفساداً للآخرين، وتستهدف العقوبة الإصلاح الاجتماعي وحماية القيم الإنسانية ومصالح المجتمع، ويحرم المجتمع الجماهيري العقوبات التي تمس كرامة الإنسان وتضر بكيانه كعقوبة الأشغال الشاقة والسجن الطويل الأمد....). ونخلص مما تقدم إلى أن المشرع اعتمد أساساً على العقوبات السالبة للحرية للحد من ظاهرة الجريمة في حين يوصي المتخصصون في علم السياسة الجنائية وعلم الإجرام والعقاب بإلغاء بعضها والحد من اللجوء إلى البعض الآخَرِ منها، وتلتقي جميع الآراء في نهاية المطاف حول ضرورة الإبقاء على الجاني كلما أمكن في وسطه الاجتماعي لآن عزله داخل الأسوار المغلقة يزيد من حدة المشكلة في إعادة تكيفه بسبب العزلة والفساد الأخلاقي داخل المؤسسة العقابية، وارتفاع معدلات الانتحار والشروع فيه للأسباب ذاتها. أما البدائل والتدابير الأخرى المقترحة، فهي لم تحل بعد محل العقوبة السالبة للحرية بل إن الوسط الاجتماعي لازال يرفض معظمها بسبب سيطرة المفهوم التقليدي للعدالة على الشعور العام ولهذا لم يتسع نطاق العمل بها، ومن ثم استمر المشرع الوضعي في الاعتماد على العقوبات السالبة للحرية، واستمرت المحاكم في القضاء بها بالرغم من عدم جدواها، وهكذا صارت النظم العقابية المعاصرة تعيش أزمة، فلا العقوبات السالبة للحريات أفلحت في الردع ولا البدائل حلت مكانها. تطبيق حد السرقة في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى: في اليوم الرابع من شهر رمضان سنة 1392هـ، الموافق 11 أكتوبر سنة 1972 ف أصدر المشرع الليبي القانون الخاص بحدي السرقة والحرابة رقم "148" لسنة 1972 ف متضمناً في ديباجته التوكيد على اعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً رئيسياً للتشريع. وهكذا أوفى الشعب العربي الليبي المسلم بعهده، فاعتمد القرآن شريعة للمجتمع، إيماناً ويقيناً منه بأنه حين ترد الدنيا إلى قانون ربها الذي يعلم من خلق تستطيع البشرية أن تتخلص من تصارع الأفكار وعصبية المذاهب الدينية والسياسية. هذا وقد استمدت أحكام القانون من الشريعة الإسلامية بمختلف مذاهبها وآراء الفقهاء فيها وذك باختيار الحلول المناسبة توخياً للأيسر على الناس كلما كان في ذلك مصلحة، وقد يكون الحكم المأخوذ من رأي في الشريعة أنسب في موضوع معين، ويكون الحكم المأخوذ من غير الأنسب في موضوع أخر، كل ذلك بمراعاة التناسق التام بين الأحكام واتساق مفاهيمها واتجاهها جميعاً لتحقيق المصلحة المرجوة([26]). وترسيخاً لهذا الاتجاه التشريعي صدر بتاريخ 11 محرم 1395 هـ الموافق 23 يناير سنة 1975 ف القانون رقم "8" في شأن تعديل بعض أحكام قوانين الحدود. وقضى بأن يستعاض عن عبارة المشهور في مذهب الإمام مالك أينما وردت بعبارة المشهور من أيسر المذاهب. ونحن لا نقر هذا الاتجاه على إطلاقه ذلك أن الأيسر يعني في بعض الأحيان المذهب المرجوح. والأيسر هو الأهون فيما يقع من مسائل وقد أبان الشاطبي رحمه الله في كتابه الموافقات المفاسد المترتبة على الأخذ بأيسر المذاهب والتي منها الانسلاخ من الدين والاستهانة به، وعدم انضباط معيار العدالة بين الناس وشيوع الفوضى والمظالم وتعطيل الحدود واجتراء أهل الفساد، وعلى هذا يجب أن تكون الغاية من الأخذ بالأيسر الحفاظ على المصالح الخمس الضرورية ودرء المفاسد وخاصة منها السرقة. الشروط الواجب توفرها في السرقة المعاقب عليها حداً طبقاً لأحكام القانون رقم "14" لسنة 1425 المعدل بالقانون رقم "11" لسنة 1428م، والقانون رقم "10" لسنة 1369 و.ر.: بالنظر إلى قسوة العقوبة المقررة لهذه الجريمة فقد اشترط المشرع لتوقيعها جملة من الشروط بعضها يتعلق بالجاني وبعضها الآخر يتعلق بالجرم المرتكب ووسائل إثباته وتنفيذه، كل ذلك تفادياً لوقوع خطأ أو تجاوز أو تعسف في مجال التطبيق. هذا وقد نص المشرع على بعض الحالات التي لا يقام بها حد السرقة باعتبارها من الشبهات اعتماداً على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم "ادرؤوا الحدود بالشبهات" لذا نتعرض تباعاً لهذه الشروط: أولاً: الشروط الواجب توفرها في الجاني: يشترط في السرقة المعاقب عليها حداً أن يكون مرتكب الفعل عاقلاً، أتم ثماني عشرة سنة ميلادية مختاراً غير مضطر. ومقتضى هذا الشرط، أنه لا حدَّ على الصبي ولا المجنون ولا المكره، وذلك باتفاق الفقهاء لقوله صلى الله عليه وسلم "رفع القلم عن ثلاث، عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق"، وقوله أيضاً "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه "ولا فرق في ذلك بين الذكر والأنثى لعموم الحكم الوارد في قوله تعالى ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾([27]). والعبرة في تحديد السن تكون بوقت ارتكاب الجريمة (الأخذ خفية)، وليس بوقت اكتشافها أو القبض على المتهم أو محاكمته([28]). فإذا ما توافر هذا الشرط وكان الجاني مضطراً للسرقة لدفع الهلاك عن نفسه أو عن غيره سقط الحد عنه والتعزيز أيضاً قال تعالى في محكم كتابه ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾([29]). وأما الحاجة فهي أقل من حالة الاضطرار ولا تصلح شبهة تدرأ الحد، والحاجة هي ما يعوز الناس لدفع المشقة، بحيث إذا أهملوا وقعوا في ضيق وحرج دون أن تختل الحياة. لذلك تعتبر أخف من الاضطرار، وتأتي بعده في الترتيب لأن الإنسان فيها لا يكون معرضاً للتهلكة، ثم إن الحاجات نراها مختلفة بين الناس بحسب أوضاعهم الاقتصادية، ونجدها متغيرة في الزمان والمكان، وآية ذلك اختلاف سلم الحاجات من فترة على أخرى في البلد الواحد([30]). ونحن نؤيد المشرع الليبي في إبعاده للحاجة كشرط لتطبيق الحد ذلك أن مثل هذا الشرط لا يمكن التحقق من قيامه أو انتفائه وفق معيار موضوعي مجرد، ولذلك كنا أهبنا بالمشرع الليبي إلى إلغاء الحاجة من جملة الشروط منعاً لتضارب الأحكام. ذلك إنَّ المحكمة المختصة هي التي تقدر الحاجة إلى السرقة طبقاً للظروف الموضوعية للفعل والظروف الشخصية للفاعل، ولا يخفي في هذا المقام مدى الصعوبات التي تواجه القضاء في تقديره لها من حيث الوجود والعدم، ذلك أن الحاجة نسبية ومتغيرة من شخص إلى آخر بحسب ظروف كل حالة على حدة، ومن مجتمع إلى آخر ومن زمان إلى زمان. فما يحتاجه زيد من المال قد يزيد أو ينقص عما يحتاجه عمرو. وما يحتاجه زيد في ظرف معين يختلف عما يحتاجه في ظرف آخر. وهكذا يصعب إيجاد معيار محدد يمكن الاعتماد عليه في تقدير الحاجة. وأمام هذه الصعوبة نتساءل فيما إذا كان الدفع بالحاجة يعد شبهة دارئةً للحد في جميع الحالات؟ بحسب علمنا المتواضع وبقدر الأحكام التي تم لنا الإطلاع عليها في هذا المجال لم تثر مثل هذه المسألة أمام المحكمة العليا الليبية باعتبارها محكمة موضوع وقانون في مجال حدي السرقة والحرابة في حين يمكن الدفع بحالة الضرورة كما لو اضطر السارق إلى سرقة المال لأجل دفع الهلاك عن نفسه أو عن غيره، ولنا في قضاء الرسول الكريم وقضاء السلف الصالح مثلاً يقتدى به ونوراً يهدينا سواء السبيل للتغلب على ما يشق علينا من المسائل. والرسول يقول: "لا تقطع يد في مجاعة مضطر" والخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه يقول: "لا تقطع في غدق ولا في عام السنة" هذا وقد عطل عمر بن الخطاب حد السرقة في عام المجاعة. وعلى ضوء ما سلف بيانه فإننا نعتقد بأن الدفع بالحاجة لا يعد في الظروف العادية شبهة تدراً الحد في حين يجوز الدفع بحالة الضرورة والقول بغير ذلك يعني استحالة تطبيق الحد على كل من يدفع بالحاجة أمام القضاء([31]). ثانياً: الشروط المتعلقة بالأخذ: اشترط المشرع في البندين ثانياً وثالثاً من المادة الأولى من قانون حدي السرقة والحرابة ضرورة أن يكون المال المسروق مملوكاً للغير وأن تبلغ قيمته نصاباً يصدر بتحديده قرار من المجلس الأعلى للهيئات القضائية وأن يأخذ الجاني المال خفية بنية تملكه لإقامة الحد. ويحتوي هذا الشرط الخير على عنصرين، هما الأخذ ونية التملك. ويقصد بالأخذ الاستيلاء على المال محل السرقة دون علم صاحب المال ورضاه كأن يأخذ السارق المال من حرزه في غيبة صاحبه. وأجمع الفقهاء على عدم قطع من يأخذ المال جهاراً ويذهب به أو يأخذه على وجه المكابرة والقوة استناداً منهم على ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم "ليس على المنتهب قطع ولا على المختلس قطع "وقد اشترط المشرع في السرقة المعاقب عليها حداً أن يتم أخذ المال خفية ويتحقق ذلك بإخراج السارق للمال من حرزه بغية تملكه. والعلة في ذلك أن القطع عقوبة متكاملة يلزم لتطبيقها أن تقع الجريمة متكاملة، وهذا لا يتحقق إلا في الجريمة التامة. وعلى هذا فإن الشروع في السرقة ليس موجباً للحد بسبب عدم تمام الأخذ وعدم تمكن السارق من إدخال المال في حيازته، ومن مقتضيات هذا الشرط عدم تطبيق الحد على الجاني إذا كان شريكاً بالاتفاق أو التحريض أو المساعدة ما لم تبلغ المساعدة درجة مباشرة فعل الأخذ، حينئذ يضحى (الجاني) شريكاً بالمباشرة فيقع تحت طائلة الحد أسوة بالفاعل. وتختلف عادات الناس في حرز أموالهم باختلاف الأزمنة والأمكنة، فالصناديق والخزائن المغلقة في البيوت تعد حرزاً، والمسكن يعد حرزاً للمتاع ووضع المال في الحرز يعد قرينة على أن المال ليس سائباً، وأن صاحبه لم يتخل عنه، فيمنع ذلك من قيام شبهة عدم معرفة صاحب المال، ويتم إخراج المال من حرزه، سواء ترك ذلك السارق المال أو حمله مع أو استولى عليه غيره وسلمه إلى آخر أو حتى إذا عاد وأرجعه إلى حرزه. ويرى الحنفية ضرورة الحيازة الفعلية لوجوب الحد، إلا أن ذلك لا يعني استمرار السارق محتفظاً بحيازة المال بعد إخراجه من حرزه. والاستيلاء على المال قد يتحقق مباشرة كأن يأخذ السارق المال بنفسه، أو بطريقة غير مباشرة كأن يسخر طفلاً أو حيواناً مدرباً لإخراجه، وجمهور الفقهاء لا يفرقون بين هذين الأسلوبين ويقصد بالخفية أخذ المال دون علم المجني عليه ورضاه كأن يدخل الجاني بيتاً ويسرق ما به من متاع في غيبة أهله والحكمة من هذا الشرط كما أشارت المذكرة الإيضاحية تكمن في عدم معرفة الفاعل أو الوصول إليه فكأن القطع هو العقوبة المناسبة إذا عرف الجاني بعد اقترافه الجريمة. وتجدر الملاحظة هنا إلى اتفاق أحكام قانون حد السرقة مع قواعد القانون الوضعي الجنائي في شرط عدم الرضا، وإلى الاختلاف بينهما في عنصر عدم العلم. حيث إن العلم لا يمنع من قيام الجريمة وفق قواعد قانون العقوبات([32]). ومن خلال هذه المقارنة يتبين لنا مدى اهتمام أحكام الشريعة الإسلامية بنوازع النفس البشرية لدى كل من الجاني والمجني عليه، فصاحب المال مطالب ببذل العناية اللازمة لحفظ ماله من الاعتداء عليه، وما وضع المال في الحرز وقفله إلا مظهر من مظاهر الحماية، فيصعب على السارق الاستيلاء عليه فلا يتمكن أحياناً من تحقيق غايته. إن هذه الاعتبارات جميعاً تعكس بجلاء مدى حرص الشرع الحكيم على مقاومة النوازع الشريرة في نفس الجاني التي لا يحف بها بالمشرع الوضعي إلا في حدود ضيقة رغم أهميتها في مكافحة الجريمة. وقد فطن بعض فقهاء القانون الجنائي المعاصرين إلى أهمية المؤثرات الخارجية كطريقة عرض البضائع في الأسواق في دفع الجاني إلى ارتكاب السرقة، بل إننا نتساءل عن مدى تأثرها في المسؤولية الجنائية. ومن جانب آخر يشترط في السرقة المعاقب عليها حداً أخذ المال بنية التملك، ومقتضى هذا أن تنصرف نية الجاني إلى حيازة المال الذي استولى عليه فيظهر عليه بمظهر الملك. فإذا كان القصد من الأخذ إضافة المال إلى نفسه كأن يكون قد أخذ الشيء بقصد إتلافه أو إهلاكه أو التخلص منه فإنه لا يعد سارقاً([33]). كذلك الأمر إذا كان يقصد من الأخذ مجرد الاستعمال المؤقت أو الانتفاع به، ثمَّ ضبط قبل أن يتمكن من إعادته([34]). وفي هذه الحالات يجوز معاقبة الفاعل بعقوبة تعزيرية إذا توافرت الشروط اللازمة لذلك. وينص البند ثالثاً من المادة الأولى من قانون حد السرقة والحرابة على وجوب أن يكون المال المسروق مملوكاً للغير، وأن تبلغ قيمته نصاباً يصدر بتحديده قرار من المجلس الأعلى للهيئات القضائية([35]). والمال هو كل شيء يمكن حيازته والانتفاع به انتفاعاً عادياً ويشترط فيه أن يكون منقولاً فلا قطع إذن في غير المنقولات من العقارات ونحوها وذلك لعدم إمكان نفعها وإخراجها من الحرز الذي هو أساس لإقامة حد السرقة. وتعرف المادة "82/1" من القانون المدني الليبي العقار والمنقول بقولها (كل شيء مستقر بحيزه ثابت فيه لا يمكن نقله منه دون تلف فهو عقار. وكل ما عدا ذلك فهو منقول). ويتفق هذا التعريف مع ما هو مقرر في الفقه المالكي، لكن الأخذ به يسفر عن نتائج لا تتفق مع المنطق، ومن ذلك أنه لا يعد سارقاً من نزاع أبواب منزل أو نوافذه بنية تملكها ذلك أن مثل هذه الأشياء تعد وفق المفهوم التقليدي من العقارات ومع ذلك حاولت المذكرة الإيضاحية لقانون حدي السرقة والحرابة تفادي هذه النتيجة فقالت إذا استل الجاني أخشاب منزل أو اقتلع باباً أو شباكاً صارت منقولة وطبقت عليها أحكام السرقة لتمام الشروط وكمال الأركان حينذاك([36]). غير أن الانطلاق من هذا المنطلق يفضي حتماً إلى غير ما انتهت إليه المذكرة الإيضاحية، وذلك بأنه إذا كانت أخشاب المنزل وأبوابه ونوافذه لا تكتسب وصف المنقول ألا بعد استلالها من مواضعها فإنه يمتنع القطع فيها حتماً لأنها لحظة أخذها كانت عقاراً ولا قطع في سرقة العقار، وهي حين أصبحت منقولاً لم تعد محرزة ولا قطع في سرقة غير المحرز([37]). وعلى هذا نخلص إلى القول بأن المقصود بالمنقول في تطبيق حد السرقة لا يقتصر فحسب على ما عدا الأرض والبناء والشجر، بل ينصرف إلى كل ما يمكن نقله من مكان، سواء بقي سليماً أو تعرض للتلف([38]). ويجب من ناحية أخرى أن يكون المال محترماً، فلا قطع في غير المحترم كالخمر والخنزير([39]) كما يشترط في المال المسروق أن يكون مملوكاً لغير السارق، فإذا كان مملوكاً للسارق كأن سرق ملكه من مرتهن له أو من مستعير أو مستأجر أو مودع لديه، فالفعل لا يكون جريمة ولا يعتبر سرقة ولو أخذه الفاعل خفية، والعبرة بملكية السارق للمسروق وقت السرقة، فإن كان يملكه قبل السرقة ثم خرج من ملكه قبل السرقة فهو مسؤول عن السرقة وعليه القطع، وإن لم يكن يملكه ولكن دخل في ملكه وقت السرقة فلا حد عليه كأن وهب له أو ورثه أثناء السرقة، ويشترط لانعدام المسؤوليَّة الجنائية أن يملكه قبل إخراجه من الحرز، فإن ملكه بعد إخراجه من الحرز فهل يعفيه ذلك من المسؤوليَّة الجنائية أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على مذاهب، فالمالكية يوجبون قطعه مطلقاً ملكه بعد الرفع للإمام (للقاضي) أو قبله، والشافعية والحنابلة وأبو يوسف من الحنفية لا يوجبون قطعه مطلقاً، ملكه بعد الرفع إلى الإمام أو قبله. وقد أخذ المشرع في القانون رقم 148 لسنة 1972ف بمذهب الحنفية تمشياً مع أيسر المذاهب. وتطبيقاً لقوله عليه الصلاة والسلام "ادرؤوا الحدود بالشبهات([40])، لكن المشرع الليبي قام بإلغاء التمليك اللاحق للفعل كشبهة بموجب القانون رقم 11 لسنة 1428م المعدل للقانون رقم 13 لسنة 1425 م فلم يعد التمليك منذ ذلك التاريخ شبهة تحول دون تطبيق الحد على الجاني. ونحن لا نؤيد المشرع فيما ذهب إليه، ذلك أن إلغاء هذه الشبهة لا يتفق مع الحكمة من تقرير عقوبة الحد وهي حفظ المال. فإذا ما رغب المالك في أن يهب ماله المسروق للجاني قبل صيرورة الحكم بالإدانة باتاً حق له ذلك دون أن يعد ذلك تجاوزاً للحد المقرر شرعاً بحسبان أن الحد لا يتقرر إلا بموجب حكم صادر من المحكمة العليا. ثم إن المشرع أجاز لولي الدم في جريمة القتل العمد أن يعفو عن الجاني مقابل الدية أو بدونها استناداً إلى أحكام الشريعة الإسلامية فكيف يحق لولي الدم أن يعفو في جريمة القتل العمد، ولا يحق لولي المال أن يتنازل عن ماله في جريمة أقل درجة في الخطورة... لذلك نحث المشرع الليبي بمناسبة إصدار قانون العقوبات الجديد المبادرة بتوسيع دائرة الشبهات ولاسيما منها شبهة تمليك المال المسروق حتى لا يقع إفراط في تطبيق هذه العقوبة القاسية. حالات لا يقام فيها حد السرقة: نصت المادة الثالثة من قانون حدي السرقة والحرابة على أنه لا يطبق حد السرقة إذا كان للجاني شبهة كما في الحالات الآتية: 1- إذا حصلت السرقة بين الأصول والفروع أو بين الزوجين أو بين المحارم. 2- إذا كان الجاني دائناً لمالك المال المسروق، وكان المالك مماطلاً أو جاحداً، وحل أجل الدين قبل السرقة، وكان ما استولى عليه يساوي حقه أو أكثر من حقه بما لا يصل إلى العقاب في اعتقاده. 3- إذا سلم الجاني نفسه طائعاً إلى الجهة المختصة قبل علمها بالجريمة وبشخص مرتكبها، وأعاد المال المسروق. 4- إذا كان للجاني شبهة ملك في المال المسروق. 5- إذا وقعت السرقة على أموال الدولة العامة والخاصة. وفي الحالة الأخيرة يحكم على الجاني، إضافة إلى عقوبة السجن أو الحبس المقرر للجريمة، بزد المال المسروق بغرامة تعادل ثلاثة أمثال قيمته. وبموجب هذا النص يكون المشرع قد حصر الشبهات الدارئة للحد في حالات خمس وردت عداً، وكان قبل ذلك قد ضرب أمثلة عنها بقوله في نص المادة الثالثة من القانون رقم 148 لسنة 1972 م لا يطبق حد السرقة إذا كان للجاني شبهة كما في الأحوال الآتية..... وهذا يعني أن الجاني يستطيع أن يدفع الحد عن نفسه بإثارته لإحدى الشبهات الواردة في النص أو بغيرها من الشبهات. وبإمعان النظر في هذه الحالات الخمس يبين جلياً أن المشرع قد حصل على تضييق مجال تطبيق الحد حفاظاً منه على مقاصد الشرع الحكيم من تقريره لهذه العقوبة القاسية، فجعل من اختلاط الأموال بين الأصول والفروع والزوجين سبباً دارئاً للحد وكذا الأمر فيما يخص شبهة الاستحقاق والملك في الحالات الثانية والرابعة والخامسة. أما الحالة الثالثة فهي مستحدثة بالقانون رقم 10 لسنة 1369 و.ر بتعديل بعض أحكام القانون رقم 13 لسنة 1425م، راعى فيها المشرع حكم التوبة وهو حكم جدير بالتطبيق في مثل هذه الأحوال. والأخذ بهذا المبدأ نجده موافقاً لأصول الشريعة الإسلامية الغراء التي نزلت من لدن حكيم خبير بطبائع النفس البشرية، ومن ثم فإن السارق إذا ما سلّم نفسه بعد الجريمة طائعاً مختاراً إلى الجهات المختصة (الضبطية القضائية، النيابات، المحاكم .... اللجان الشعبية)، فإنه بسلوكه هذا يكون قد أعلن التوبة، قبل أن تعلم تلك الجهات بالجريمة المرتكبة وبفاعلها، مع وجوب رد المال المسروق إلى مالكه كدليل يثبت صدق نية السارق في التوبة. ونلحظ في هذا الشأن أن المشرع الوضعي يلتقي مع الشرع السماوي عندما يجعل من الإخبار والإعلان عن مرتكبي بعض الجرائم الخطيرة مانعاً من موانع العقاب كما هو الحال في بعض الجرائم الماسة بكيان الدولة والمخدرات([41]). ثالثاً: أدلة الإثبات: يقصد بأدلة الإثبات في هذا المقام إثبات جريمة السرقة المعاقب عليها حداً، وكان المشرع الليبي عشية إصداره لقانون حدي السرقة والحرابة رقم "148" لسنة 1972 ف قد حصر أدلة الإثبات طبقاً لنص المادة العاشرة من هذا القانون في دليلين لا ثالث لهما وهما الإقرار والبينة، وكان المشرع الليبي قد انحاز للاتجاه الفقهي الذي لا يعترف بهذين الدليلين في مجال تشريعات الحدود وهو بالمقابل يتبني نظام الأدلة القانونية، رافضاً في الوقت ذاته نظام الأدلة الإقناعية. ويتميز النظام الأول بأن المشرع يحدد للقاضي الأدلة التي يمكن الاستناد إليها في حكمه بالإدانة، فإذا لم يقم الدليل المقرر يتعين على القاضي أن يحكم بالبراءة لانتفاء الدليل. في حين يرتكز نظام الأدلة الإقناعية على مبدأ حرية القاضي الجنائي في تكوين عقيدته من أي دليل تطمئن إليه نفسه شريطة أن يكون الدليل دليلاً مشروعاً وصحيحاً، دونما حصر للأدلة في قائمة محددة كما هو الحال في النظام القانوني للأدلة. وقد عرفت النظم القانونية كلا النظامين وكانت السيادة فيما مضى من عهود غابرة للنظام الأول ثم انحسر مجال العمل بهذا النظام ليحل محله نظام الأدلة الإقناعية أو القضائية بسبب ما يتميز به هذا النظام من مرونة وملائمة، حيث يبسط يد القاضي في مجال الإثبات لتكون له سلطة تقدير واسعة لا يتمتع بها القاضي الجنائي في ظل النظام الآخَر. وباستقراء النصوص التي نظمت أدلة الإثبات في جريمة حد السرقة المعاقب عليها حداً منذ صدور القانون رقم "148" لسنة 1972 ف حتى صدور القانون رقم "10" لسنة 1369 المعدل للقانون رقم "13" لسنة 1425 م، يتضح جلياً أن المشرع الليبي كان تبنى نظام الأدلة القانونية في ظل القانون الأول، حيث نصت المادة العاشرة على أن تثبت الجريمتان المنصوص عليهما في المادتين الأولى والرابعة من هذا القانون بإقرار الجاني مرة واحدة أمام السلطة القضائية، أو بشهادة رجلين، ولا يعد المجني عليه شاهداً إلا في الحرابة إذا كان شاهداً لغيره. ويجوز للجاني العدول عن إقراره إلى ما قبل صيرورة الحكم نهائياً، وفي هذه الحالة يسقط الحد إذا لم يكن ثابتاً إلا بالإقرار، ولا يخل سقوط الحد بمعاقبته تعزيزاً. ويراعى في صحة الإقرار والشهادة وشروطهما اتَّباعُ المشهور من مذهب الإمام مالك([42]). ويعتبر الشاهد عدلاً إذا كان ممن يجتنب الكبائر ويتقي في الغالب الصغائر. وتطبق العقوبات التعزيرية المنصوص عليها في قانون العقوبات إذا لم يكتمل الدليل الشرعي المنصوص عليه في هذه المادة أو عدل الجاني عن إقراره وذلك متى اقتنع القاضي بثبوت الجريمة بأي دليل أو قرينة أخرى. وكان من نتائج حصر أدلة الإثبات في الإقرار والبينة وحق الجاني في العدول عن إقراره إلى ما قبل صيرورة الحكم نهائياً، وكذا بالنظر إلى حصر البينة في شهادة الرجال العدول دون النساء، ومكنة تملكي المال المسروق إلى السارق من قبل مالكه بالإضافة إلى اتساع حالات الشبهات عدم ثبوت حد السرقة على صعيد الواقع حيث قد يعترف الجاني أمام السلطات القضائية (النيابة) ثم يعدل عن إقراره أمام محكمة الجنايات، بل يجوز له العدول عن ذلك الإقرار حتى أمام المحكمة العليا، بحسبان أن الحكم بالقطع لا يصير نهائيا إلا بعد عرض القضية على المحكمة العليا بكافة أوراقها في مدى أربعين يوماً من تاريخ الحكم. وهكذا لم يحكم القاضي الليبي بعقوبة القطع في جريمة السرقة المعاقب عليها حداً طيلة فترة العمل بالقانون رقم "148" لسنة 1972 ف وإلى حين صدور القانون رقم "13" لسنة 1425م (1996ف) أي قرابة ربع قرن من الزمان. وللتدليل على ذلك نسوق حكماً كانت المحكمة العليا الليبية قد أصدرته في ظل ذلك القانون، حيث قضت "بأنه لما كان الحكم المعروض قد تأسس في قضائه بمعاقبة المتهم حداً بقطع يده على اعترافه، وكان المتهم قد عدل أمام هذه المحكمة عن اعترافه، وكان لا يوجد دليل شرعي آخَر على نسبة الواقعة إليه، فإنه يتعين القضاء بسقوط الحد عنه، ومن ثم القضاء بإلغاء الحكم المعروض والقاضي بقطع يد المتهم ودرء الحد عنهُ([43]). هذا، ولم يشترط المشرع للرجوع عن الإقرار صيغة معينة فيجوز أن يكون مؤسساً على شبهة الملك كأن يقول الجاني أخذت مالي المغصوب، أو أخذت حقي من المجني عليه، أو بنفي التهمة برمتها، أو يقول قد أكرهت أو ضربت... وقد أيدت المحكمة العليا هذا الاتجاه وأخذت بالعدول مطلقاً سواء كان إنكاراً للواقعة من أصلها أو إنكاراً للاعتراف أو تكذيباً له أو قائماً على شبهة أو غير شبهة أو بينة لأن الإنكار بكل مظاهره هو تكذيب أو نفي وهما أساس العدول([44]). ولعل هذا التطبيق هو ما دفع المشرع إلى إعادة النظر في الأحكام الخاصة بحدي السرقة والحرابة فأصدر القانون رقم 13 لسنة 1425م الذي نص في مادته التاسعة على أن (تثبت الجريمتان المنصوص عليهما في المادتين الأولى والرابعة (السرقة والحرابة) باعتراف الجاني وبأي وسيلة إثبات أخرى). وبذلك يكون المشرع قد ألغى نظام الإثبات القانوني السابق، مطلقاً يد القاضي في إثبات جريمة السرقة المعاقب عليها حداً بأي دليل من أدلة الإثبات المعتمدة في القانون الإجرائي الوضعي. وكان من نتائج هذا التعديل الجذري في نظام الإثبات أن صارت جل جرائم السرقة المرتكبة تقيد لدى النيابات تحت وصف الجرائم الحدية، ويجري محاكمة المتهمين عنها طبقاً لهذا الوصف حتى بلغ عدد المحكوم عليهم نهائياً بالقطع (بعد عرض قضاياهم على المحكمة العليا) حوالي مائتي محكوم([45]) بالقطعة في فترة زمنية قصيرة امتدت منذ تاريخ نفاذ القانون رقم "13" لسنة 1425م (1996ف) إلى تاريخ صدور القانون رقم 10 لسنة 1369و.ر. والذي يمكن استخلاصه من العرض المتقدم أن لا تطبيق للحد في ظل القانون رقم "148" لسنة 1972ف، وبالمقابل اتسعت دائرة التطبيق على نحو مفرط في ظل القانون رقم "13" لسنة 1425م. وكان لابد من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح على نحو (لا إفراط فيه ولا تفريض)، وصدر القانون رقم "10" لسنة 1369 بتعديل بعض أحكام القانون رقم "10" لسنة 1425 م ليعيد التوازن المفقود في كلا القانونيين السابقين، فتبنى نظام الإثبات المختلط من ناحية، تاركاً تحديد مقدار النصاب للمجلس الأعلى للهيئات القضائية، فلنتبين مضمون هذا التعديل الجوهري في هاتين المسألتين: v نظام الإثبات وفق القانون النافذ حالياً:- تنص المادة "9" من القانون رقم "13" لسنة 1425م المعدل بالقانون رقم "10" لسنة 1369 و.ر على أن (تثبت جريمتا السرقة والحرابة المنصوص عليها في المادتين الأولى والرابعة من هذا القانون باعتراف الجاني بمرحلة التحقيق أو المحاكمة، أو بالشهادة، أو بأية ووسيلة إثبات علمية). ومفاد هذا النص أن أدلة الإثبات لم تعد محصورة في الإقرار والبينة، كما يمكن الاعتماد على أية وسيلة إثبات علمية، فما المقصود يا ترى بهذه الأدلة؟ 1. البينة (شهادة الشهود): الشهادة لغة هي البيان أو هي الإخبار القاطع، وهي القول الصادر عن علم حصل بالشهادة([46]). وفي الشرع هي إخبار صدق لإثبات شيء بلفظ الشهادة في مجلس القضاء. فتخرج شهادة الزور لأنها ليست شهادة وإن إطلاق الشهادة على قول الزور يعد أمراً مجازياً([47]). وفي القانون، هي إخبار الشخص عما يكون قد أدركه بإحدى حواسه. وهي تهدف إلى كشف الحقيقة سواء في مقام إثبات التهمة أو نفيها([48]). لذلك تعتبر الشهادة الصادقة خير معين للمحكمة في تكوين عقيدتها وبناء حكمها([49]). والشهادة كدليل إثبات تخضع شأنها في ذلك شأن الأدلة الأخرى لمطلق تقدير المحكمة، فلها أن تطرحها جانباَ إذا شكت فيها أو تأخذ بها إذا اطمأنت إليها. كما أنها لا تستطيع أن ترجح أقوال شاهد معين على آخَر دون أن تكون ملزمة ببيان ذلك، ولها أن تأخذ بالشهادة التي تمت أمام سلطات التحقيق، وتطرح تلك التي سمعت بمعرفتها بالجلسة، وذلك لأنها تقدر بكامل حريتها الظروف التي تؤدّى فيها الشهادة، والمرجع في هذا هو ما تقتنع به، كما يجوز للمحكمة تجزئة الشهادة فتأخذ ببعضها دون البعض الأخر، أو بشأن واقعة دون أخرى، أو في حق متهم دون آخَر. وهي في جميع الأحوال لا تكون ملزمة بذكر الأسباب لأن ذلك يدخل في حدود سلطتها التقديرية، ولكن ذلك بشرط ألا يترتب على تجزئة الشهادة بتر أقوال الشاهد أو الخروج بالشهادة عن معناها أو تحريفها عن حقيقة ما قصد منها. والجدير بالملاحظة في هذا الشأن أن المشرع الليبي لم يعد يشترط في الشاهد أن يكون ذكراً مثلما كان سائداً في ظل القانون رقم "148" لسنة 1972 ف، بل صارت شهادة المرأة مقبولة في جرائم الحدود، وإننا نؤيد موقف المشرع الليبي فيما ذهب إليه في هذا الشأن حيث لا يجوز إنكار شهادة المرأة في الوقت الذي أصبحت فيه قاضية بعد تعديل قانون نظام القضاء. إذ من غير المنطقي أن تتولى المرأة الفصل في الدعوى الجنائية المطروحة عليها، في الوقت الذي لا تكون فيه أهلاً للشهادة ثم إن اشتراط الذكورة في الشهادة يعد إخلالاً بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة. وبإطلاق الشهادة على النحو المتقدم يكون المشرع الليبي قد رفع ذاك التناقض الذي كان يعيب القانون الملغي، ويكون قد التزم بالمبادئ الحقوقية التي تضمنتها الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير وقانون تعزيز الحرية التي تمنع التفرقة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات. 2. الإقرار: هو إخبار بحق الآخرين لا إثبات له عليه([50]). ويعتبر الإقرار أهم الأدلة في الإثبات الجنائي، ذلك لأنه من يكون أصدق من صاحب الشأن عندما يعترف بصحة التهمة المسندة إليه خاصة وأن الإنسان غير متهم في الإقرار على نفسه للإضرار بها([51]). وعلى هذا كان الاعتراف أقوى من الشهادة بل هو أقوى الأدلة على الإطلاق. ويعد الإقرار دليلاً شرعياً بالنص والإجماع. والإقرار طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية هو الذي يكون في مجلس القضاء أمام القاضي المختص بالفصل في الدعوى، ذلك أن نظام القضاء في الإسلام إنما هو نظام موحد حيث يجلس القاضي الواحد للفصل في مختلف الأقضية التي ترفع إليه طبقاً لنظام الادعاء المباشر أو ما يسمى بالنظام الاتهامي. وطبقاً لهذا النظام يرفع المجني عليه أو المدعى مظلمته مباشرة إلى (الإمام) أو القاضي ويقيم الدعوى على المدعى عليه طارحاً أدلته الثبوتية طبقاً لقاعدة أن البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر، إلا إذا كان للمدعي شهودُ يطلبهم للشهادة حينئذ يتعين سماع الشهود. إلا أن المشرع الليبي عند تعديله للقانون رقم "13" لسنة 1425 م بموجب القانون رقم "10" لسنة 1369 و.ر لم يشأ تقييد الاعتراف بمرحلة المحاكمة وأنما أجاز ذلك حتى في مرحلة التحقيق الابتدائي، وهي مرحلة تسبق مرحلة المحاكمة يتناوب على القيام بأعمال التحقيق فيها النيابة العامة أو من يحل محلها (قاضي التحقيق، غرفة الاتهام، جهاز الرقابة الشعبية والتفتيش) والضبطية القضائية وفق شروط محدودة يضيق المقام عن ذكرها. ومن ثم فإن الاعتراف كدليل من أدلة الإثبات في جريمة السرقة المعاقب عليها حداً يمكن أن يصدر من الجاني أمام النيابة العامة أو أمام القاضي الجزئي في جلسة تمديد الحبس الاحتياطي، وكذلك الحال عند تمديد الحبس من قبل المحكمة الابتدائية مشكلة بهيئة استئنافية، أو أمام غرفة الاتهام عند إحالة الدعوى إليها من سلطة الاتهام. والسؤال الذي يطرح نفسه هل يمكن أن يصدر الاعتراف من الجاني أمام مأمور الضبط القضائي عندما يباشر بعض إجراءات التحقيق –عدا استجواب المتهم إمّا بالاستناد إلى نص القانون في أحوال التلبس مثلاً، أو عند تنفيذ أوامر الندب الصادرة إليه من قبل المحقق؟ في حقيقة الأمر، لم يقيد المشرع الاعتراف المدلى به من قبل الجاني بصفة القائم بالتحقيق وبالتالي فإن المطلق يظل على إطلاقه حتى يرد في القانون ما يقيده. وعلى هذا فإن المتهم إذا ما اعترف بجريمته أمام مأمور الضبط القضائي وكان مدركاً مختاراً فإن هذا الاعتراف يكون صحيحاً ويمكن للمحكمة أن تعتمد عليه كدليل إثبات شريطة أن تكون الدعوى الجنائية قد تم تحريكها من قبل النيابة العامة بإجراء صحيح من إجراءات التحقيق. أما إذا وقع الاعتراف من قبل المتهم قبل ذلك أي في مرحلة جمع الاستدلالات فإن هذا الاعتراف إذا ما وقع من الجاني نراه مجرد أقوال لا ترقى إلى مستوى الاعتراف الذي يمكن التعويل عليه في إثبات التهمة ضد الجاني. وليس هذا في واقع الأمر سوى تطبيق للقواعد العامة في القانون الإجرائي الليبي. وبالتالي يستطيع الجاني العدول عن اعترافه (أقواله) الذي أدلى به أمام مأمور الضبط القضائي عند مثوله أمام المحقق، ولكن ما أن يقع منه هذا الاعتراف أمام المحقق فلا يحق له من بعد العدول عنه مثلما كان جائزاً في ظل القانون الملغي رقم "148" لسنة 1972ف. 3. الدليل العلمي: إن بيان المقصود بالدليل العلمي وفيما إذا كان هناك أدلة علمية وأخرى غير علميه هو مسألة تتعلق بالأدلة التي يعود الفضل في اكتشافها إلى العلم الحديث، أي هي أدلة تقطع بوجود وقائع مادية ملموسة استناداً إلى القواعد الثابتة في مجال العلوم التطبيقية كالكيمياء والفيزياء وعلوم الحياة والطب... وقد تفرع من هذه العلوم عدة تخصصات يُعنى كل منها بمجال معين وذلك بفضل الاكتشافات الحديثة كعلم السموم، والتشريح، والفسيولوجيا، والبصمات، والحمض النووي. وقد انعكس أثر هذه العلوم الحديثة على النظم القانونية في مجتمعاتنا المعاصرة ولاسيما في الدول المتقدمة. وكان لابد للمشرع الليبي أن يتأثر بهذا التطور فجاءت الإشارة صريحة إلى مكنة ثبوت جريمة السرقة المعاقب عليها حداً بأي دليل علمي مما يعني إقرار المشرع لنظام جديد في الإثبات في مجال تشريعات الحدود التي ظلت ردحاً طويلاً من الزمن خاضعة لنظام الإثبات القانوني مثلما سلف بيان ذلك. وبإقرار المشرع لهذا النظام يكون قد واكب التطورات العلمية الحديثة في مجال علم الأدلة التي كانت محل شك في فترات سابقة، ومما يحمد للمشرع الليبي في هذا المجال أنه لم يحصر الدليل العلمي في دليل بعينه بل جاء النص مطلقاً من كل تحديد أو قيد، وبالتالي تستطيع سلطة الاتهام إثبات الجريمة بأي دليل علمي شريطة أن يكون دليلاً مشروعاً وليس أقل من الدليل. 4. قيمة النصاب المطلوب في السرقة المعاقب عليها حداً وطبيعة المال المسروق:- لم يثبت النصاب المقرر في جريمة السرقة على حال. فقد كان مقداره في ظل القانون الملغي رقم "148" لسنة 1972 ف عشرة دينارات، ثم صار ثلاثمائة دينار من بعد ذلك، ثم رأى المشرع تقديره بحسب مقدار المعاش الأساسي، وأخيراً عدل المشرع عن هذا المنهج في التحديد، ورأى إسناد مهمة تحديد قيمته إلى المجلس الأعلى للهيئات القضائية في ضوء جملة من الاعتبارات الاقتصادية السائدة في المجتمع ونحن نؤيد المشرع فيما ذهب إليه بسبب تبدل الأوضاع وتغير الظروف الاقتصادية من زمن إلى آخَر. وأما فيما يخص طبيعة المال المسروق فإن المشرع حصر مجال السرقة المعاقب عليها حداً في الأموال الخاصة بالأفراد دون أموال الدولة العامة أو الخاصة، بل إنه جعل من شبهة الملك في الأموال الخاصة مانعاً من تطبيق الحد كشركة أو استحقاق في وقف مثلاً... كل ذلك إعمالُ للحديث الشريف "ادرؤوا الحدود بالشبهات"، ونخلص من كل ما تقدم إلى أن تشريعات الحدود لا تتعارض البتة مع مفاهيم العصر الصحيحة سواء كانت مفاهيم إنسانية أو تلك المتعلقة منها بفلسفة التجريم والعقاب التي تسعى إلى خلق التوازن بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع، ونحن نعتقد بأن الرد الحاسم على دعاة التعارض بين تشريعات الحدود ومفاهيم العصر الحديثة يكمن في وضع تشريعات الحدود موضع التطبيق وفق نظام إجرائي وقضائي ينسجم مع طبيعة ومقاصد الشريعة الإسلامي. إذا إنَّ الأفكار أيّاً كان مصدرها لا يمكن الحكم عليها قبولاً أو نفياً إلا بعد إخضاعها لواقع التجربة. والقوانين الوضعية ثبت قصورها في مكافحة الجريمة أو الحد منها. بل يمكن القول بأنها أسهمت مساهمة فعالة في انتشار وباء الجريمة الفتاك. وتشريعات الحدود إذا ما طبقت تطبيقاً صحيحاً يمكن أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه التشريعات الوضعية رغم كل الإمكانيات المسخرة لوضعها موضع التنفيذ من قبل الدولة الحديثة وأجهزتها المختلفة، على أن ذلك يتطلب بلا ريب مراجعة وإعادة صياغة أحكام قانون حدي السرقة والحرابة النافذ لضمان عدم الإفراط والتفريط في تطبيق هذه العقوبة القاسية التي تستهدف أساساً تحقيق الردع العام بمنع الآخرين وزجرهم. ([1]) سورة المائدة، الآية "3". ([2]) صدر الإعلان التاريخي لقيام سلطة الشعب في الثاني من شهر مارس (المريخ) 1977م بمدينة القاهرة بسبها. ([3]) جرى تعديل القانون رقم 148 لسنة 1972 م بموجب القانون رقم 5 لسنة 1423 م، ثم أصدر المشرع القانون رقم "13" لسنة 1425 م لاغياً القانون رقم "148" لسنة 1972 ف ليخضع هو الآخر للتعديل مرتين، كانت الأولى بموجب القانون رقم "11" لسنة "1428 م، والأخرى بموجب القانون رقم "10" لسنة 1369 و.ر. ([4]) والسرقة في القوانين الوضعية هي اختلاس مال منقول مملوك للغير بنية تملكه (م444 عقوبات ليبي) وتجدر الملاحظة هنا إلى أن المشرع الوضعي لا يشترط الخفية للمعاقبة على جريمة السرقة مثلما هو مقرر في الشريعة الإسلامية. ([5]) الشيخ مصطفى شلبي، المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي وقواعد الملكية والعقود... ط1962م، ص285. ([6]) ويميز فقهاء القانون بين الشيء والمال، فالمال في عرف القانون هو الحق ذو القيمة المالية، أيَّاً كان ذلك الحق سواء أكان عينياً أم شخصياً أم حقاً من حقوق الملكية الأدبية والفنية والصناعية... الخ. أما الشيء سواء كان مادياً أو غير مادياً فهو محل ذلك الحق. انظر عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، حق الملكية دار النهضة العربية. ط 1967م، ج8 ص9 هامش (1). ([7]) المذكرة الإيضاحية للقانون الخاص بحد السرقة والحرابة رقم "148" لسنة 1972 ف. ([8]) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي ط 1968م، ج1، بند 170، ص203. ([9]) عبد اللطيف الشيرازي الصباغ، تقرير مقدم لندوة تشريعات الحدود المنعقدة في مدينة بنغازي، من 26 إلى 29 أبريل سنة 1976 م، مجلة دراسات قانونية، مجلد سنوي يصدر عن أعضاء هيئة التدريس بكلية القانون بجامعة قاريونس (العدد الخاص بتشريعات الحدود) المجلد السابع السنة الثامنة – ص 184، 185. ([10]) الموافقات في أصول الشريعة، دار المعرفة للطباعة والنشر، الجزء الثاني ص6، ص8. ([11]) إعلام الموقعين عن رب العالمين. –الجزء الثاني، مكتبة الكليات الأزهرية بدون طبعة، ص114، 115. ([12]) تشير الإحصاءات في الجماهيرية الليبية إلى أن جرائم السرقة صارت تحتل المرتبة الأولى في معدلات الجرائم المبلغ عنها في مختلف مناطق الجماهيرية خلال السنوات الخمس الأخيرة. راجع التقرير السنوي عن الجريمة خلال السنوات 2004 و 2003 و2002 و2001 و2000 م الإدارة العامة للبحث الجنائي، اللجنة الشعبية العامة للأمن العام، ولمزيد من الإطلاع، انظر للمؤلف أصول علم الإجرام ،منشورات مؤسسة (ELGA)، طبعة 2002م. ص155. ([13]) المذكرة الإيضاحية للقانون الخاص بحدي السرقة والحرابة رقم "148" لسنة 1972 م (الملغي). ([14]) انظر في هذا الشأن، التقرير القيم الذي أعده الدكتور عبد اللطيف الشيرازي الصباغ السابق الإشارة إليه، مجلة دراسات قانونية، ص 184 وما بعدها. ([15]) انظر حقائق أساسية عن الأمم المتحدة، إدارة الإعلام العام، المم المتحدة نيويورك 1980 ف، ص 157، 158. ([16]) ثروت أنيس الأسيوطي، مفاهيم قانونية جديدة، منشورات جامعة قاريونس كلية القانون ص 27. ([17]) من الحلول المطروحة في هذا الشأن فكرة الأمن الشعبي المحلي التي بادرت الجماهيرية العظمى بطرحها ولازالت تسعى إلى تفعيلها، في حين لجأت دول أخرى إلى أساليب مغايرة لهذه الفكرة تتمثل في اشتراك الجمهور في مكافحة الجريمة من خلال الحوافز المالية (المكافآت التي تصل إلى ملايين الدولارات) وهو ما يؤكد عجز الأجهزة الأمنية الرسمية عن تحقيق الأمن والاستقرار دون الاستعانة بالجماهير. ([18]) تشير الإحصاءات الجنائية بشأن الجريمة في كافة دول العالم إلى ارتفاع معدلات جرائم السرقة ولاسيما منها المقترنة بالعنف واستعمال السلاح. ([19]) يسر أنور على، آمال عبد الرحيم عثمان، علم الإجرام وعلم العقاب دار النهضة العربية –ط. 1981 ف ص 342. ([20]) عبد القادر عوده، المرجع السابق، الجزء الأول بند 449 ص635. ([21]) لمزيد من التفاصيل حول مساوئ العقوبات السالبة للحرية، انظر للمؤلف: أصول علم العقاب، منشورات مؤسسة (ELGA) طبعة 2001م، ص80 وما بعدها. ([22]) تشير الإحصاءات الصادرة في مختلف دول العالم إلى ارتفاع معدلات العود بين المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية مع النفاذ. ([23]) مجموعة أعمال الحلقة العربية الأولى للدفاع الاجتماعي –القاهرة 1961 ف ص 185. ([24]) يسر أنور علي –آمال عبد الرحيم عثمان- المرجع السابق ص 364. ([25]) المفكر معمر القذافي، الكتاب الخضر، منشورات المركز العالمي لدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر، الطبعة 22، 1996 ف ص 60. ([26]) المذكرة الإيضاحية للقانون الخاص بإقامة حدي السرقة والحرابة. ([27]) سورة المائدة- الآية 38. ([28]) المحكمة العليا الليبية جلسة، 25 نوفمبر 1961ف، مجلة المحكمة العليا ج2 ص583. ([29]) سورة البقرة – الآية 173. ([30]) كانت المادة الأولى من قانون رقم "148" لسنة 1972 ف تنص على غير ذلك، حيث كان تقدير السن بالتقويم القمري (الهجري)، وكانت الحاجة في حكم الضرورة تمنع تطبيق الحد، إلا أن المشرع عدل عنها بموجب القانون رقم "13" لسنة 1425هـ. ([31]) انظر خلاف هذا الرأي ثروت أنيس الأسيوطي، المرجع السابق ص 27. ([32]) محمد سامي النبراوي –المرجع السابق ص 470. ([33]) انظر د. عمر السعيد رمضان، شرح قانون العقوبات، القسم الخاص طبعة 1968 ف، ص412. ([34]) د. أحمد فتحي سرور، قانون العقوبات القسم الخاص طبعة 1968 ف الجزء الثاني، ص 625. ([35]) كان القانون رقم "148" لسنة 1972 ف قد حدد النصاب بمبلغ لا يقل عن عشرة دينارات ثم رفع المشرع هذا النصاب فجعله لا يقل عن ثلاثمائة دينار، ثم صار النصاب معادلاً لقيمة المعاشر الأساسي وهو مائة دينار بموجب القانون رقم "13" لسنة 1425 م ثم رأى المشرع عدم تحديده بمبلغ معين، وترك أمر تحديده للمجلس الأعلى للهيئات القضائية بحسب متوسط الدخل للفرد. ([36]) انظر في هذا المعنى أيضاً، عبد القادر العودة، المرجع السابق ج2ص543، عبد العزيز عامر، أحكام حد السرقة، مجلة كلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية بنغازي، سنة 1974 ف ص 479، 480. ([37]) عوض محمد، محل السرقة الموجبة للقطع في التشريع الليبي، مجلة الدراسات القانونية، مجلد سنوي، يصدر عن أعضاء هيئة التدريس بكلية القانون، جامعة قاريونس، عدد خاص بتشريعات الحدود، المجلد السابع، السنة 1978 ف ص 346. ([38]) عوض محمد عوض: المرجع السابق ص 348. ([39]) المذكرة الإيضاحية لقانون حدي السرقة والحرابة. ([40]) المذكرة الإيضاحية لقانون حدي السرقة والحرابة. ([41]) راجع نص المادة "187" من قانون العقوبات الليبي بعنوان (بعض الأحوال المانعة من العقاب). والمادة "48" من القانون رقم "7" لسنة 1990 ف بشأن المخدرات والمؤثرات العقلية. ([42]) ثم استعاض المشرع الليبي عن عبارة المشهور من مذهب الإمام مالك بعبارة المشهور من أيسر المذاهب بالقانون رقم "8" لسنة 1975ف. ([43]) جلسة 11/1/1977م، مجلة المحكمة العليا س. 13، ع4ص 163. ([44]) جلسة 25/6/1975م، مجلة المحكمة العليا، س11، ع،2 ص 170. ([45]) أما عدد المتهمين الذين جرى محاكمتهم بتهمة السرقة المعاقب عليها حداً فقد بلغ عدة آلاف ومما أسهم في اتساع دائرة الاتهام بهذا الوصف إلغاء تملك الجاني للمال بعد السرقة وقبل الحكم عليه نهائياً بموجب القانون رقم 11 لسنة 1428م، وانخفاض مقدار النصاب إلى ما يعادل قيمة المعاش الأساسي وهو مائة دينار ليبي تقريباً، بالإضافة طبعاً لإطلاق الدليل في الإثبات. ([46]) انظر فتحي بهنسي، مرجع سابق ذكره، ص17. ([47]) راجع فتح القدير، ج6، ص 20. ([48]) انظر د. أحمد فتحي سرور، أصول الإجراءات الجنائية، ص 591. ([49]) د. مأمون محمد سلامة، الإجراءات الجنائية في القانون الليبي –منشورات جامعة قاريونس- بنغازي، الطبعة الأولى، 1971 ف/جـ 1 ص 201. ([50]) |