|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
حماية حقوق الإنسان في التشريع الإجرائي الليبي وتطبيقاتها في مرحلة ما قبل المحاكمة
مقدمة عامة: الحماية الدستورية والحماية التشريعية لحقوق الإنسان: تجدر الملاحظة في هذه المقدمة إلى أن لكل دولة قانوناً أساسياً يبين شكل الحكم فيها وينظم السلطات العامة ويضمن حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية. والجماهيرية الليبية لم تخرج، من حيث المبدأ، عن هذا الاتجاه العام بل عززته بإعلانات ووثائق أضفت على النظام القانوني الليبي صفة الواقعية والموضوعية بحكم انبثاقه مباشرة عن الإدارة الشعبية. من هنا تنفرد ليبيا عن غيرها من أقطار الوطن العربي بوضعية تشريعية خاصة تختلف عما هو سائد في النظم القانونية المعاصرة. وتفسير ذلك يقتضي منا الإشارة بإيجاز إلى تلك المراحل السياسية الثلاثة التي مر بها نظام الحكم في ليبيا منذ قيام الثورة في غرة سبتمبر 1969ف. المرحلة الأولى: النظام الجمهوري في الفاتح من سبتمبر عام 1969 ف، قامت في ليبيا ثورة عارمة أطاحت بنظام الحكم الملكي ومؤسساته، وفي الحادي عشر من شهر سبتمبر عام 1969 ف أصدر مجلس قيادة الثورة إعلاناً دستورياً مؤقتاً ليكون ركيزة لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية، فصارت ليبيا جمهورية عربية ديمقراطية اشتراكية حرة، السيادة فيها للشعب، وهو جزء من الأمة العربية، وهدفه الوحدة العربية الشاملة (المادتان 1، 6 من الإعلان الدستوري المؤقت). وبحكم طابعه المؤقت أشار الإعلان بإيجاز إلى أهم ضمانات حقوق الإنسان الأساسية، ومنها أن للمنازل حرمة، فلا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون وبالكيفية المنصوص عليها في المادة (12) ونصت المادة 31 على ان لا جريمة ولا عقوبة إلا بناء على القانون، كما أن العقوبة شخصية، والمتهم بريء حتى تثبت إدانته، وتؤمّن له كافة الضمانات الضرورية لممارسة حق الدفاع، ويحظر إيذاء المتهم أو المسجون جسمانياً أو نفسياً. وبصدور هذا الإعلان أصبح مجلس قيادة الثورة هو أعلى سلطة في الجمهورية العربية الليبية، ويباشر أعمال السيادة العليا والتشريع ووضع السياسة العامة للدولة نيابة عن الشعب، وله بهذه الصفة أن يتخذ كافة التدابير التي يراها ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها، وتكون هذه التدابير في صورة إعلانات دستورية أو قوانين أو أوامر أو قرارات، ولا يجوز الطعن فيما يتخذه مجلس قيادة الثورة من تدابير أمام أي جهة (المادة 18). ثم أقرت المادة "24" استمرارية العمل بجميع الأحكام المقررة في القوانين والتشريعات القائمة فيما لا يتعارض مع أحكام الإعلان الدستوري، أما التدابير التي يتخذها مجلس قيادة الثورة فقد صارت محصنة فلا يجوز الطعن فيها بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا الليبية شريطة أن تكون هذه التدابير ضرورية لحماية الثورة والنظام القائم عليها. وبمفهوم المخالفة، ظل الاختصاص معقوداً للمحكمة العليا بنظر دستورية ما يخرج عن النطاق السابق بيانه من تشريعات وقرارات وأوامر وإجراءات ([1]). المرحلة الثانية: الإعلان عن قيام النظام الجماهيري لم يكن الإعلان عن قيام سلطة الشعب في الثاني من مارس عام 1977 وليد لحظة عابرة، بل سبق التمهيد والإعداد له بعناية، طيلة السنوات التي تلت قيام الثورة الليبية. ويتضح ذلك جلياً من خلال جملة التدابير والأفكار النظرية التي طرحتها قيادة الثورة خلال السنوات الأربع التي سبقت الإعلان، وخاصة منها تأميم بعض شركات النفط "وتلييب" المصارف وإعلان الثورة الشعبية وصدور الفصل الأول من الكتاب الأخضر (حل مشكلة الديمقراطية) "سلطة الشعب". ويقدم الإعلان من خلال ديباجته والبنود الأربعة التي احتوى عليها تجربة جديدة في أسلوب الحكم ألا وهي حكم الشعب بنفسه لنفسه (الديمقراطية المباشرة)، غير تلك المحاولة القديمة للديمقراطية المباشرة التي عرفتها أثينا القديمة والتي فشلت بسبب افتقارها إلى إمكانية التطبيق على أرض الواقع، والخالية من الجدية لفقدانها للتنظيم الشعبي، على المستويات الدنيا([2]). كما يعكس الإعلان ملامح مجتمع جديد تكون فيه عناصر القوة للشعب، فالسلطة الشعبية المباشرة هي أساس نظام الحكم السياسي في الجماهيرية العربية الليبية، ويمارس الشعب سلطته عن طريق المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والنقابات والاتحادات والروابط المهنية التي تلتقي جميعاً في مؤتمر الشعب العام، ويحدد القانون نظام عملها. وينص البند الثاني من الإعلان على أن القرآن الكريم هو شريعة المجتمع العربي الليبي، وفي هذا إشارة واضحة إلى إقرار الشعب للكتاب الخضر الذي رسم صورة المجتمع الجديد بنظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وشريعة المجتمع الطبيعية وفقاً للفصل الأول من الكتاب الأخضر هي العرف أو الدين. والدين احتواء للعرف وتأكيد للقانون الطبيعي([3]). أما الدستور فهو عبارة عن قانون وضعي أساسي يعكس رؤية وطموح أداة الحكم. لذا تتغير الدساتير بتغير أدوات الحكم، وهذا يدل على أن الدستور يتبع مزاج أدوات الحكم وهو قائم لمصلحتها وليس بقانون طبيعي، وستظل المشكلة قائمة حتى في حالة تثبيت أحكام الدستور من خلال إضفاء صفة الجمود والقدسية على أحكامه، بل في ظل هذا النوع من الدساتير تصير إرادة من وضعوا الدستور منذ قرن أو يزيد من الزمان متحكمة في إرادة الأجيال القادمة. لهذه الأسباب جميعاً يرفض النظام الجماهيري أسلوب إصدار الدساتير بالطرق التقليدية متبيناً القواعد الطبيعية كأساس لتنظيم الحياة في المجتمع. لكن ما هي القيمة القانونية لإعلان قيام سلطة الشعب؟. قبل النظر في القيمة القانونية لإعلان قيام سلطة الشعب، يبدو من الملائم البحث، ولو بإيجاز شديد، في الطبيعة القانونية له، خاصة وأن هذا الجانب من الإعلان لم يُثر بالبحث من قبل شُرّاح القانون العام الليبي، أما القضاء الليبي فهو الأخر لم يتصدر بعد لهذه المسألة. ولما كانت التساؤلات المطروحة في مقدمة هذا البحث تتطلب منا تحديد مواضع النصوص الأساسية الضامنة لحقوق الإنسان وكذا سبل الرقابة على مشروعيتها (دستوريتها)، فإن الأمر يقتضي التعرض أولاً إلى أسلوب نشأة الإعلان ثم البحث ثانياً في مضمونه. أولاً: أسلوب نشأة إعلان قيام سلطة الشعب: ينفرد إعلان قيام سلطة الشعب عن غيره من الدساتير والمواثيق وإعلانات حقوق الإنسان الوطنية والعالمية منها بأسلوب إصداره، فهو لم يصدر تعبيراً عن إرادة فرد أو جمعية أو مجلس أو لجنة أو حزب تنازلاً منهم عن بعض من اختصاصاتهم وامتيازاتهم أو رغبة منهم في توطيد دعائم حكمهم لحماية مصالحهم الخاصة، بل صدر الإعلان تعبيراً عن إرادة شعب اجتمع وناقش وقرر ثم صاغ ما قرر في مؤتمر عام معلناً تمسكه بالقرآن شريعة للمجتمع وبالديمقراطية المباشرة نظاماً للحكم وبالاشتراكية نظاماً اقتصادياً لتحقيق ملكية الشعب (الاشتراكية الشعبية). ثانياً: مضمون الإعلان: الإعلان، من حيث المضمون، هو جملة المبادئ الأساسية في مجالات نظام الحكم والاقتصاد والاجتماع التي يترك أمر تنظيمها تفصيلاً للقانون. فارتقى بذلك عن التفاصيل التي كثيراً ما تتبدل بفعل حركة المجتمع، فاكتسب الإعلان بهذا صفة الثبات، تلك الصفة المفقودة في جملة الدساتير المعاصرة، وبذلك نخلص إلى القول بأن إعلان قيام سلطة الشعب يختلف في أسلوب نشأته ومضمونه عن الدساتير، وإذا ما ثار شك حول هذا النظر خاصة فيما يتعلق بمحتوى الإعلان، فإن هذا الشك سرعان ما يتبدد عند الرجوع إلى الأصول النظرية التي انبثق منها والتي ترفض بصيغة قاطعة فكرة الدساتير التقليدية أسلوباً ومضموناً. إذاً ما هي القيمة القانونية لهذا الإعلان؟ وبعابرة أخرى، ما هي المنزلة التي يحتلها الإعلان في الهرم التشريعي؟ وهل يمكن إقامة نظام حكم تحمي في ظله الحقوق وتصان فيه الحريات على أسس مغايرة لقواعد الدستور؟ لقد سلف القول بأن إعلان قيام سلطة الشعب هو بمثابة الميثاق أو العهد الذي ارتضاه الليبيون لأنفسهم، فالتزموا فيه بانتهاج الديمقراطية المباشرة نظاماً للحكم، فصارت القوانين تصدر عن المؤتمرات الشعبية الأساسية لتتولى اللجان الشعبية مهمة تنفيذها تحت رقابة الشعب، فإذا ما حدث انحراف عن الشرعية فإن التنبيه إلى هذا الانحراف، وكذا أمر تقويمه إنما يتم بحركة المجتمع الذاتية من خلال المؤتمرات الشعبية ذاتها التي وقعت في الانحراف، لأن المجتمع الجماهيري هو الرقيب على نفسه، وإن أي ادعاء من أية جهة، فرداً، أو جماعة، بأنها مسئولة عن الشرعية هو دكتاتورية([4]). ثالثاً: القيمة القانونية للإعلان وسبل الرقابة على دستورية القوانين: وبصدور إعلان قيام سلطة الشعب، أنهى الشعب العربي الليبي من خلال مؤتمراته ولجانه الشعبية مرحلة الحكم النيابي التي تولّى خلالها مجلس قيادة الثورة أعمال السيادة العليا والتشريع ووضع السياسة العامة للدولة نيابة عنه استناداً إلى أحكام الإعلان الدستوري المؤقت الذي تم إصداره ليكون أساساً لنظام الحكم في مرحلة التحول من النظام الجمهوري إلى النظام الجماهيري. ولكن إعلان قيام سلطة الشعب أشار في ديباجته إلى الإعلان الدستوري المؤقت وإلى الأصول النظرية التي أستلهم منها بنوده الأساسية، الأمر الذي يحثنا على طرح السؤال التالي: ما هو مصير الإعلان الدستوري المؤقت في ظل إعلان قيام سلطة الشعب؟ إن قراءة سريعة لما ورد في المادة الأخيرة من الإعلان الدستوري المؤقت تقدم الإجابة من جنس القراءة ذاتها تقضي بالإبقاء على الإعلان الدستوري نافذ المفعول حتى يتم إصدار الدستور الدائم ولا يعدل إلا بإعلان دستوري أخر من مجلس قيادة الثورة إذا رأي ذلك ضرورياً وفق مصلحة الثورة، وحيث إن دستوراً آخر لم يصدر ليحل محل الإعلان الدستوري المؤقت، كما أن أي تعديل لم يطرأ عليه، فإن النص السالف ذكره قد يوحي بالقول بأن الإعلان الدستوري المؤقت لازال قائماً ونافذاً. ومما يؤكد هذا الفهم تلك الإشارة الصريحة الواردة في ديباجة إعلان قيام سلطة الشعب، بيد أن أصول التفسير تطرح عليناً إجابة أخرى نراها أقرب إلى المنطق وإلى الواقع ألا وهي الإلغاء الضمني بحكم إعادة تنظيم الموضوع من جديد طبقاً لفلسفة مغايرة للفلسفة التي بنّيت عليها أحكام الإعلان الدستوري المؤقت. فإعلان قيام سلطة الشعب –كما سلف بيانه- أرسى دعائم حكم جديد، السيادة فيه للشعب وحده يمارسها مباشرة بنفسه دون نيابة أو وصاية، من خلال مؤسساته الشعبية المتمثلة في المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية والاتحادات والروابط المهنية. وهو من جانب آخر يعلن بأن القرآن الكريم هو شريعة المجتمع الليبي، أوَبَعدَ هذا يستقيم القول بأن الإعلان الدستوري المؤقت لا زال قائماً؟ وتبديداً لكل شك نضيف أن الإلغاء الجزئي هو الأخر افتراض قائم على غير أساس من القانون والواقع، فنصُّ المادة الأخيرة من الإعلان الدستوري، جعل أمر إلغاءه وتعديله من اختصاص مجلس قيادة الثورة، وبذلك نخلص إلى القول بأن الإعلان عن قيام سلطة الشعب ألغى ضمناً الإعلان الدستوري المؤقت. فما هي ياترى قيمة هذا الإعلان من الناحيتين القانونية والسياسية؟ يعتبر إعلان قيام سلطة الشعب من الناحية السياسية ركيزة لنظام الحكم الجماهيري في ليبيا، أما من الناحية القانونية فهو أرقى النصوص وأكثرها سمّواً في النظام القانوني الليبي لا بحكم إصداره وإنما بحكم قيمة مضمونه وأهمية بنوده. وتفسير ذلك أن الإعلان شأنه شأن القوانين العادية، تم إصداره عن ذات الجهة المختصة بسن القوانين وإصدارها وهي المؤتمرات الشعبية الأساسية، ولكن سمة السمو والرفعة استمدها من قيمة المبادئ والأسس التي احتوى عليها. وترتيباً على ذلك ولكي تكتسب التشريعات العادية صبغة الشرعية ينبغي أن تكون منسجمة أسلوباً ومضموناً مع إعلان قيام سلطة الشعب، فإذا ما خالفته تكون بذلك في حالة انحراف عن الشرعية مما يستوجب التنبيه والتقويم الذاتي من داخل المؤتمرات الشعبية الأساسية، وانسجاماً مع ذلك أعاد الشعب بمقتضى القانون رقم "6" لسنة 1982 تشكيل المحكمة الليبية التي كانت مختصة قبل هذا التاريخ بالنظر في دستورية القوانين، ليلغي اختصاصها بالنظر في الطعون والمسائل الدستورية، ويثار هذا الموضوع أمام المحكمة العليا عقب إعادة تشكيلها فتعلن في حكم لها صادر بتاريخ 39 أكتوبر 1982 قائلة "حيث أن المشرع قد حدد اختصاص المحكمة العليا على نحو ما سبق بيانه ولم يُحل هذا الاختصاص إلى محكمة أخرى ولم ينشئ محكمة جديدة تختص بالفصل في دستورية أو شرعية القوانين، وحيث أنه بناء على جميع ما تقدم يتعين الحكم بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بالفصل في الدفع بعدم دستورية المادة "40" من قانون الجرائم الاقتصادية وإعادة القضية إلى المحكمة المحالة منها لاستئناف السير فيها"([5]). وإذا كانت المحكمة العليا الليبية قد أعلنت صراحة انعدام ولايتها بمراقبة دستورية القوانين مقرة بما جاء في قانون إعادة تشكيلها، فإن هناك في الفقه من تنبه إلى أن المحاكم في ليبيا تستطيع ممارسة رقابة صحة التشريعات عن طريق الامتناع عن تطبيقها، إذا ما انطوت على عيب شكلي أو موضوعي يجعلها مخالفة شكلاً وموضوعاً لإعلان قيام سلطة الشعب والقواعد المستقرة في سَنّ القوانين وإصدارها وتطبيقاتها([6]). والذي يدعونا إلى دعم هذا الاتجاه هو أن الهيئة القضائية هي إحدى المؤسسات التي أناط بها الشعب مهمة تطبيق القوانين على القضايا المرفوعة إليها، وحيث إن التطبيق السليم للقانون يتطلب من القاضي التأكد أولاً من وجود القانون وجوداً سليماً قبل التعرض للموضوع، فيكون من واجبه الامتناع عن تطبيق القانون المخالف شكلاً وموضوعاً لإعلان قيام سلطة الشعب، وهو عندما يفعل ذلك لا يفتئت على سلطة الشعب وإنما يباشر منطق وظيفته القضائية ولا نراه يخرج عنها، بل وكأنه في هذا الفرض يقوم بمهمة وطنية وهي التنبيه إلى الانحراف عن الشرعية شأنه في ذلك شأن أي مواطن في المجتمع، ولكن ينبغي التنبيه أيضاً إلى أن إجازة هذا النوع من الرقابة لكافة المحاكم من شأنه أن يخلق تناقضاً في الأحكام، وحالة من الشك في التشريع والقضاء معاً، فقد يحدث أن تقرر إحدى المحاكم قبول الدفع بعدم شرعية قانون ما في نزاع معين فتمتنع عن تطبيقه، بينما تقرر محكمة أخرى، بل ربما ذات المحكمة شرعية ذلك القانون في نزاع أخر وتقوم بتطبيقه، الأمر الذي يحدث ذلك التناقض، لذا ينبغي إسناد هذه المهمة إلى المحكمة التي تحتل قمة الهرم القضائي ليكون التفسير موحداً. المرحلة الثالثة: إعلان الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير في الثاني عشر من شهر يونيو 1988، أصدر مؤتمر الشعب العام نص هذه الوثيقة فجاء في ديباجتها "إيماناً من الشعب العربي الليبي بأن حقوق الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض ليست هبة من أحد، وأن لا وجود لها في مجتمعات العسف والاستغلال، وأنها لا تتحقق إلا بانتصار الجماهير على جلاديها واختفاء الأنظمة القامعة للحرية فتقيم سلطتها ويتعز وجودها على وجه الأرض عندما يسود الشعب بالمؤتمرات الشعبية، فلا ضمان لحقوق الإنسان في عالم فيه حاكم ومحكوم وسيد ومسود، وغني وفقير، وإدراكاً بأن الشقاء الإنساني لا يزول، وحقوق الإنسان لا تتأكد إلا ببناء عالم جماهيري تمتلك فيه الشعوب السلطة والثروة والسلاح، وتختفي فيه الحكومات والجيوش وتتحرر فيه الجماعات والشعوب والأمم من خطر الحروب في عالم يسود السلام والاحترام، والمحبة والتعاون. إن الشعب العربي الليبي تأسيساً على ذلك يقرر إصدار الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير وفقاً للمبادئ التالية: المبدأ2 – أبناء المجتمع الجماهيري يقدسون حرية الإنسان ويحمونها ويحرمون تقييدها (سلبها) فالحبس فقط لمن تشكل حريته خطراً أو فساداً للآخرين، وتستهدف العقوبة الإصلاح الاجتماعي وحماية القيم الإنسانية ومصالح المجتمع. ويحرم المجتمع الجماهيري العقوبات التي تمس كرامة الإنسان وتضرب بكيانه كعقوبة الإشغال الشاقة والسجن الطويل الأمد، كما يحرم المجتمع الجماهيري إلحاق الضرر بشخص السجين مادياً ومعنوياً، ويدين المتاجرة به أو إجراء التجارب عليه، والعقوبة شخصية يتحملها الفرد جزاء فعل مجرم موجب لها، ولا تنصرف العقوبة أو آثارها إلى أهل الجاني وذويه، (ولا تزر وازرة وزر أخرى). المبدأ 9- المجتمع الجماهيري يضمن حق التقاضي واستقلال القضاء ولكل متهم الحق في محاكمة عادلة ونزيهة. المبدأ 26- أبناء المجتمع الجماهيري يلتزمون بما ورد في هذه الوثيقة، ولا يجيزون الخروج عليها، ويجرمون كل فعل مخالف للمبادئ والحقوق التي تضمنتها، ولكل فرد الحق في اللجوء إلى القضاء لإنصافه في أي مساس بحقوقه وحرياته الواردة فيها. ملاحظات حول الوثيقة: لم يشر إعلان قيام سلطة الشعب إلى ضمانات حقوق الإنسان، بحكم الطابع السياسي الذي يغلب عليه، فهو إعلان عن قيام حكم جديد وليس وثيقة حقوقية، لذا أحس الشعب العربي في ليبيا بأهمية إصدار وثيقة مستقلة تضم وتحمي في الوقت ذاته حقوقه وحرياته الأساسية. ولعل أهم ما يميز الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير أسلوب إعدادها وإصدارها من جهة، وشمولية مضمونها من جهة أخرى، فلقد طرحت فكرة الوثيقة على أفراد الشعب العربي الليبي بعد أن ترسخت دعائم الديمقراطية المباشرة من خلال المؤتمرات واللجان الشعبية، فأُثريت الفكرة بالنقاش فترة من الزمن أُتيح خلالها لكل مواطن إبداء آرائه وتقديم مقترحاته، ثم صيغت المقترحات في قرارات رفعت فيما بعد إلى مؤتمر الشعب العام حيث تمت صياغتها نهائياً. كل ذلك على خلاف ما عرفه العالم من وثائق وإعلانات بدءاً بالإعلان الأمريكي 1780، فإعلانات صيغت نيابة عن الشعوب وعن الأمم، فهي بلا شك فوقية الإصدار فردية المضمون، كما أنها تفتقر إلى ضمانات تأكيدها على صعيد الواقع، فالدولة أو الجهة التي أصدرتها كثيراً ما تجد نفسها عاجزة عن القيام بدور إيجابي من شأنه ضمان تلك الحقوق وتأكيدها عملياً، فالإعلان الفرنسي الذي قدس الحرية والملكية الخاصة، لم يدرك صائغوه أن الحرية لا تتحقق إلا بعد تحرير الحاجات وإشباعها، وأن الملكية يجب أن تكون للجميع لا لقلة من أفراد الشعب. أما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فهو الآخر عبارة عن مجموعة قواعد أخلاقية مجردة من صفة الإلزام القانوني لذا تضمنت الوثيقة الخضراء مبدأ جاء فيه "إن أبناء المجتمع الجماهيري يلتزمون بما ورد في هذه الوثيقة، ولا يجيزون الخروج عليها، ويحرمون كل فعل مخالف للمبادئ والحقوق التي تضمنتها ولكل فرد الحق في اللجوء إلى القضاء لإنصافه من أي مساس بحقوقه وحرياته الواردة فيها". والسؤال الذي يمكن طرحه في هذا الشأن هو ما مدى التوافق أو التعارض بين القواعد الإجرائية المتصلة بالدعوى الجنائية في مرحلة ما قبل المحاكمة (التحقيق والاتهام)، والأحكام الأساسية التي وردت في الوثائق الحقوقية ولا سيما منها قانون تقرير الحرية؟ حقوق الإنسان في مرحلة ما قبل المحاكمة أولاً: الضبطية القضائية (الضابطة العدلية). لم يخرج المشرع الليبي عن النهج المتبع في التشريعات المعاصرة عند تنظيمه للضبطية القضائية بوصفها جهازاً مساعداً للسلطة القضائية في أداء مهمتها، فالنيابة العامة، كما هو معروف، لا تملك القدرة الفعلية على القيام بنفسها بالتحري عن الجرائم وجمع المعلومات عنها وعن مرتكبيها إذ ما أخذنا بعين الاعتبار المهام الرئيسية الملقاة على عاتقها في تحقيق الدعوى ورفعها ومباشرتها أمام المحاكم. من هنا، كان نظام الضبطية القضائية وليداً للحاجة، إن لم يكن وليداً للضرورة، وقد خص المشرع الليبي هذه الجهة بأحكام عدية وَرَدَ جُلها في الباب الثاني من الكتاب الأول من قانون الإجراءات الجنائية حيث حددت المادة "13" منه مأموري الضبط القضائي([7]). 1. رجال الضبط القضائي: يُعد من رجال الضبط القضائي في دوائر اختصاصهم كل من: · أعضاء اللجنة الشعبية العامة للأمن العام. · رؤساء وأعضاء لجان التطهير المشكلة طبقاً للقانون. · أعضاء الأمن الشعبي المحلي. · ضباط وضباط صف وأفراد الشعب المسلح المكلفون بحراسة الحدود. · ضباط وضباط صف الشرطة من رتبة عريف على الأقل وحرس الجمارك والحرس البلدي والتفتيش الزراعي. · الموظفون المخول لهم اختصاص مأموري الضبط القضائي بمقتضى القانون. 2. صفة مأموري الضبط القضائي: تمنح صفة مأمور الضبط القضائي للأشخاص الذين يصدر بتسميتهم قرار من اللجنة الشعبية العامة بناء على عرض من اللجان الشعبية العامة المختصة. كما نصت المادة (50) من القانون رقم "11" لسنة 1425 م بإعادة تنظيم الرقابة الشعبية وتعديلاته على منح هذه الصفة لأمين اللجنة الشعبية للجهاز ووكلائه وأعضاءه فيما يتعلق بتنفيذ المهام المسندة إليهم بموجب هذا القانون، كما يجوز لأمين الجهاز منح هذه الصفة للموظفين الفنيين الذي تتطلب طبيعة عملهم حصولهم عليها. ويفهم من هذه النصوص أن المشرع الليبي لم يورد مأموري الضبط القضائي على سبيل الحصر، كما أن الذين تم النص عليهم من رجال الشرطة هم الضباط وضباط الصف والجنود من رتبة عريف على الأقل، أما العناصر الشرطية التي تقل رتبتهم عنها، فلا تحمل هذه الصفة حتى ولو كانت ملحقه بشعبة البحث الجنائي. وإذا كان القانون قد جردهم من هذه الصفة فقد اعتبرهم مع ذلك مساعدين لمأموري الضبط القضائي يجوز لهم القيام ببعض إجراءات الاستدلال كما سنرى لاحقاً. كما يفهم من النص المذكور أعلاه أن بعض الذين أضفيت عليهم هذه الصفة قد يكونون من غير الشرطة، والدليل على ذلك أن النص أورد ذكرهم بعدما ذكر رجال الشرطة، فهو إذن يميز بينهم وبين رجال الشرطة. ومن ناحية أخرى، أجازت المادة "13 أ.ج" منح هذه الصفة إلى بعض الموظفين بقانون أو بقرار من اللجنة الشعبية العامة. ويرجع عادة إلى التشريعات الخاصة لتحديد هؤلاء الموظفين، على أنه يجوز إسباغ هذه الصفة على بعض الأشخاص بقرار من الأمين المختص([8]). وفي ضوء ما سلف بيانه يمكننا تصنيف مأموري الضبط القضائي بحسب اختصاصهم النوعي إلى طائفتين: الأولى: وتضم مأموري الضبط القضائي من ذوي الاختصاص العام وهم أعضاء اللجنة الشعبية العامة للأمن العام ورؤساء وأعضاء لجان التطهير وأعضاء الأمن الشعبي المحلي وضباط وضباط الصف الشرطة وأفرادها من رتبة عريف على الأقل، وحرس الجمارك ورجال الحرس البلدي والتفتيش الزراعي ويلحق بهؤلاء الموظفون المخول لهم اختصاص مأموري الضبط القضائي بمقتضى القانون. الثانية: وتضم سائر الأشخاص الذين منحوا صفة مأموري الضبط القضائي بمقتضى قرار من اللجنة الشعبية العامة، ومن المقرر فقهاً أن الاختصاص الخاص لا يعطل في مجال الضبط القضائي الاختصاص العام، فلا يّمنع ذوي الاختصاص العام من مباشرة سلطاتهم بالنسبة لكافة الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم المكاني حتى ما كان منها داخلاً في اختصاص رجال ضبط قضائي آخرين مختصين بجرائم معينة، ولكن العكس غير مقبول، فليس لمأموري الضبط القضائي من ذوي الاختصاص الخاص أن يمدوا سلطاتهم إلى جرائم أخرى غير التي أُنيطت بهم، وتأسيساً على ذلك لا يجوز لمفتش الصحة أو الزراعة ممارسة اختصاصات مأموري الضبط القضائي خارج نطاق الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام القوانين الخاصة التي خلعت عليهم هذه الصفة([9]). أما من حيث التعيين وأداته فقد اكتفى قانون الإجراءات الجنائية الليبي بتحديد صفة مأموري الضبط القضائي من ذوي الاختصاص العام وأحال على التشريعات الخاصة فيما يتعلق بمأموري الضبط القضائي من ذوي الاختصاص الخاص. لذا يقتضي الأمر الرجوع إلى هذه التشريعات لمعرفة أسلوب وأداة تعيينهم، وبحكم كثرة التشريعات الخاصة واتفاقها جملة في أسلوب التعيين وأداته نكتفي بذكر أهما جميعاً ألا وهو قانون الأمن والشرطة رقم "10" لسنة 1992 ف الذي نصت المادتان (19،22) منه على الشروط التي ينبغي توافرها فيمن يعين بقطاع هيئة الشرطة([10]). أ. رئاسة الضبطية القضائية: بالرغم من تكوينهم وكذا طبيعة اختصاصهم، لا يُعد مأمورو الضبط القضائي من رجال القضاء، فهم يتبعون السلطة التنفيذية المتمثلة في اللجنة الشعبية العامة للأمن العام. وفي هذا المعنى ينص قانون الأمن والشرطة على أن أمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام هو الرئيس الأعلى لهيئة الشرطة، وهو الذي يضع القرارات اللازمة لتنفيذ هذا القانون ولتنظيم شؤونها والتفتيش على أعمالها، كما يصدر الأمر والتعليمات التي تنظم سير العمل وأداء رجال الشرطة لواجباتهم، وهم، بحكم أعمال وظائفهم، يخضعون لإشراف النيابة العامة، وقد نص على ذلك قانون نظام القضاء في المادة (41) منه وتكرر ذات النص في المادة 12 من قانون الإجراءات الجنائية، وإذا كانت هذه التبعية تمكن النيابة العامة من بسط إشرافها على مأموري الضبط القضائي، فإنها لا تخولها مجازاتهم تأديبياً في حالة إخلالهم بواجباتهم أو تقصيرهم في عملهم، وإنما لها الحق فقط في أن تطلب من الجهة الإدارية التي يتبعونها رفع الدعوى التأديبية عليهم، أما إذا كان ما وقع من مأمور الضبط القضائي يشكل جريمة جنائية فلها أن ترفع الدعوى الجنائية عليه سواء كانت الجهة التي يتبعها قد وقّعت عليه جزاءً إدارياً أو لم توقّع عليه أي جزاء (المادة 12 أ.ج). ب- اختصاصات الضبطية القضائية: يختص مأمورو الضبط القضائي بالبحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات التي تلزم للتحقيق والدعوى (المادة 11أ.ج)، وتحقيقاً لهذا الغرض أوجب عليهم القانون قبول التبليغات والشكاوى التي ترد إليهم بشأن الجرائم وإرسالها إلى النيابة العامة فوراً، كما ألزمهم بالحصول على جميع الإيضاحات وبإجراء المعاينات اللازمة لتسهيل تحقيق الوقائع التي تبلّغ إليهم، وأوجب عليهم اتخاذ جميع الوسائل التحفظية اللازمة للمحافظة على أدلة الجريمة، كما فرض عليهم أن يسمعوا أقوال من يكون لديه معلومات عن الوقائع الجنائية ومرتكبيها، وأن يسألوا المتهم عن ذلك، ولهم أن يستعينوا بالأطباء وغيرهم من أهل الخبرة، ويطلب رأيهم شفهياً أو بالكتابة، وأن يثبتوا جميع الإجراءات التي يقومون بها في محاضر موقّع عليها منهم يبينون فيها وقت اتخاذ الإجراء ومكان حصوله، ويوقع عليه الشهود والخبراء الذين سُمعوا، ثم يرسلوا المحاضر إلى النيابة العامة مع الأوراق والأشياء المضبوطة (المادتان 14، 19 أ. ج). ومن ناحية أخرى، فرض القانون على مأمور الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة أن ينتقل فوراً إلى محل الواقعة وأن يعاين الآثار المادية للجريمة ويحافظ عليها ويثبت حالة الأماكن والأشخاص وكل ما يفيد في كشف الحقيقة، وأن يسمع أقوال الحاضرين وكل ما يمكن الحصول منه على إيضاحات في شأن الواقعة ومرتكبها وأن يخطر النيابة العامة فوراً بانتقاله (المادة 21 أ.ج). وخوله القانون في هذه الحالة سلطة منع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه حتى يتم تحرير المحضر، وأجاز له أن يستحضر في الحال كل من يمكن الحصول منه على إيضاحات في شأن الواقعة (المادة 22أ.ج)، وخول القانون مأمور الضبط القضائي سلطة القبض على المتهم الذي توجد دلائل كافية على اتهامه في أحوال حددتها المادة 24، فإذا لم يكن حاضراً كان له أن يأمر بضبطه وإحضاره (المادة 25أ.ج)، وأوجب القانون على رجل الضبط القضائي أن يسمع أقوال المتهم المضبوط فوراً، ومنح القانون رجل الضبط القضائي كذلك سلطة تفتيش شخص المتهم وتفتيش مسكنه في أحوال معينة بينتها المواد 35، 36، 37، 38 من قانون الإجراءات، كما أجاز له أن يضع الختام على الأماكن التي بها آثار وأشياء تفيد في كشف الحقيقة، وأن يقيم حارساً عليها (المادة 42أ.ج)، وأن يضبط الأوراق والأسلحة والآلات وكل ما يحتمل أن يكون قد استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عن ارتكابها أو وقعت عليه، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة المادة (43أ.ج)، وأخيراً أجاز القانون لسلطة التحقيق ندب مأمور الضبط القضائي للقيام ببعض إجراءات التحقيق (المادتان 54، 174 أ.ج). ومن خلال النصوص السالف ذكرها، يبين بجلاء أن المشرع الليبي قد زود الضبطية القضائية بصلاحيات واسعة في مجال منع الجرائم قبل ارتكابها، وهذا ما يسمى بوظيفة الضبط الإداري حفاظاً على الأمن والنظام، وصلاحيات إجرائية قضائية يمارسونها بعد وقوع الجريمة لغرض ملاحقة مرتكب الجريمة وجمع الأدلة وهذا ما يسمى اصطلاحا بإجراءات الاستدلال والتحقيق. بيد أن المشرع الليبي خول مأموري الضبط القضائي –وهم كُثُر حسب ما تقدم بيانه –ليس فقط التحري عن الجريمة والمجرمين وجمع الأدلة والتحفظ عليها، بل أجاز لهم سلطة القبض على المتهم وتفتيش شخصه وتفتيش مسكنه، وهذه الصلاحيات تقع في صميم اختصاص الهيئات القضائية، ولاسيما منها سلطة الاتهام والتحقيق، وآية ذلك أن المشرع أجاز للنيابة العامة أو لمن يحل محلها في مباشرة الدعوى والتحقيق فيها ندب مأموري الضبط القضائي للقيام بإجراء من إجراءات التحقيق على سبيل الندب وفقاً لشروط محددة. وإذا كان أمر الندب مقبول في أصله عند حكم الضرورة بحسبان أن المحققين في الدعوى يضيق وقتهم وتقص جهودهم عند تنفيذ الأوامر التي يصدرونها، فإن سلطة القبض على المتهم في غير أحوال التلبس بالجريمة المقررة لمأمور الضبط القضائي بموجب نص المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية نراها مخالفة لضمانات المتهم المقررة في قانون تعزيز الحرية. وبيان ذلك أن المادة الرابعة عشر من هذا القانون نصت على أنه (لا يجوز سلب أو تقييد حرية أي إنسان أو تفتيشه أو استجوابه إلا في حالة اتهامه بارتكاب فعل معاقب عليه قانوناً وبأمر من جهة قضائية مختصة وفي الأحوال والمدد المبينة في القانون. ويكون العزل الاحتياطي في مكان معلوم يخطر به ذوو المتهم ولأقصر مدة لازمة للتحقيق وحفظ الدليل). والذي يمكن استخلاصه من هذا النص أن سلب الحرية وكذلك تقييدها سواء بسواء لا يجوز إلا بتحقيق شرطين هما: اتهام شخص بارتكاب جريمة جنائية، وصدور أمر من جهة قضائية بالحبس الاحتياطي أو بالقبض. ولما كان الحبس الاحتياطي هو إجراء تنفرد به الهيئات القضائية، نيابات ومحاكم جنائية، فإن تقييد الحرية في صورة قبض أو ضبط أو إحضار هو من إجراءات التحقيق التي تمس مساً بليغاً بحرية المتهم كإنسان، فلا ينبغي أن يكون –في غير أحوال التلبس بالجريمة- من اختصاص مأموري الضبط القضائي، لكن المشرع الليبي أجاز لهؤلاء وهم من رجالات السلطة التنفيذية القبض على المتهم لفترة من الزمن في غير أحوال التلبس دون أن يكون ذلك بأمر من الهيئات القضائية المختصة، الأمر الذي يشكل مخالفة صريحة لنص المادة (14) من قانون تعزيز الحرية، ومن ثم يتعين إعادة النظر في المادة (24) من قانون الإجراءات الجنائية الليبي، بحيث يحظر عليهم القبض على المتهم في عدا أحوال التلبس إلا بأمر من السلطات القضائية. ج. الطبيعة الإجرائية لأعمال الضبطية القضائية: درج الفقه على تصنيف الأعمال التي يقوم بها رجال الضبط القضائي إلى قسمين، يضم الأول الأعمال التي يقوم بها رجل الضبط القضائي في الأحوال غير العادية وتسمى بإجراءات الاستدلال، ويضم القسم الثاني الأعمال التي يباشرونها في الأحوال غير العادية كحالة التلبس الندب ويطلق عليها إجراءات التحقيق، وعلى ذلك فرجال الضبط القضائي يقومون أساساً بإجراءات الاستدلال واستثناء بعض إجراءات التحقيق. وإذا كان هذا التصنيف سليماً في أساسة فإنه غير دقيق على إطلاقه، فقد يقتضي الأمر قيام مأمور الضبط القضائي ببعض إجراءات التحقيق في الأحوال العادية أو قيامه ببعض إجراءات الاستدلال في الأحوال غير العادية، لذا وجب البحث عن معيار أكثر دقة لتحديد الطبيعة الإجرائية لما يقوم به مأمور الضبط القضائي من إجراءات لما لهذا الأمر من أهمية بالنسبة للنتائج المترتبة على كل إجراء منهما مثلما سنرى لاحقاً، ولعل هذا المعيار يكمن في مدى مساس الإجراء المتخذ بحرية الإفراد وحقوقهم، فكل إجراء من شأنه تقييد حرية الإفراد يعد إجراء من إجراءات التحقيق، فالقبض والتفتيش ودخول المنازل وتفتيشها وضبط الأشياء لدى حائزها تعد قيوداً على الحرية الفردية، فهي إذن من إجراءات التحقيق، أما مجرد سماع أقوال من يكون لديه معلومات عن الجريمة وإجراء المعاينة في أماكن عامة والتحفظ على ما قد تسفر عنه هذه المعاينة من أدلة، فإنها إجراءات لا تمس بطبيعتها الحرية الفردية، لذلك تعتبر من إجراءات الاستدلال([11]). د. النتائج القانونية المترتبة على إجراءات الاستدلال والتحقيق: رتّب المشرع الليبي نتائج مختلفة على كل نوع من الإجراءات، فطبقاً لأحكام قانون العقوبات الليبي تقطع إجراءات التحقيق التقادم عَلِمَ بها المتهم أو لم يعلم، بينما لا تتحقق هذه النتيجة بالنسبة لإجراءات الاستدلال إلا إذا اتخذت في مواجهة المتهم، أو إذا أُحضر بها بوجه رسمي (المادة 108 ق.ع) ([12]). هذا ويحظر قانون الإجراءات مباشرة أي إجراء من إجراءات، التحقيق في الجرائم التي لا يجوز فيها رفع الدعوى إلا بناء على شكوى أو طلب أو إذن، بينما لا يشمل الحظر إجراءات الاستدلال وإذا أصدرت النيابة أمراً بحفظ الأوراق بعد إجراءات الاستدلال، فإن هذا الأمر لا يمنعها من القيام بإجراءات التحقيق قبل صدور قرار النيابة العامة، وإن ما تصدره يكون قراراً بألا وجه لإقامة الدعوى لا بالحفظ. وهذا القرار إذ صار نهائياً فإنه يكتسب حجية تحول دون مباشرة التحقيق مرة أخرى إلا بشروط معينة (المادة 186 أ.ج). v قرينة البراءة: يبدو من المفيد التذكير أولاً بأن قانون الإجراءات الجنائية، كما يصفه الفقه، هو قانون الشرفاء نظراً لما أودعه المشرع من ضمانات في ثنايا هذا القانون، والتي كثيراً ما تجد لها أساساً في التشريع الأساسي (الدستور). ومن المبادئ الأساسية المقررة في هذا الشأن قرينة البراءة وتقديس حرمة المسكن... الخ وإذ يُرسي التشريع الأساسي هذه المبادئ يأتي من بعده التشريع العادي الإجرائي ليبين التفاصيل والضمانات وحدوده موازناً بين اعتبارين كلاهما جدير بالاهتمام: حفظ النظام والأمن في المجتمع من ناحية، حماية الحرية الفردية من ناحية أخرى. لكن الواقع العملي كثيراً ما يملي على المشرع التضحية بحقوق الإفراد الذين ينحرفون بسلوكهم عما وضعه المشرع من قواعد، فأجاز لمأموري الضبط القضائي اتخاذ بعض الإجراءات الماسة بحريتهم. وهكذا تصير قرينة البراءة مبدأ طوباوياً لا وجود له على صعيد الواقع رغم كافة القيود والشروط التي يستوجبها المشرع عادة للقبض على المتهم وتفتيشه وتفتيش منزله. v مساءلة مأموري الضبط القضائي: مأمورو الضبط القضائي ليسوا من رجال القضاء بالرغم من طبيعة الاختصاصات التي أُنيطت بهم من ناحية، وخضوعهم لإشراف النيابة العامة كجهاز ومتمم للهيئة القضائية الجالسة من ناحية أخرى. ولذا اختلفت النظم التي تحكم كلا الهيئتين، فالقضاة –كما هو سائد- لا يخضعون في أدائهم لمهامهم إلا للقانون والضمير، وهم، من حيث المبدأ، غير قابلين للعزل أو الإعفاء من الوظيفة إلا في الحالات التي ينص عليها القانون (المادة 52 ق.ن.ق) كما أن مخاصمتهم في الأمور التي تقع منهم بسبب ممارسة وظيفتهم تجري طبقاً لقواعد محددة راعى فيها المشرع كافة الضمانات (المادة 720 ق.م). وبالمقابل لم يحط المشرع جهاز الضبطية القضائية بضمانات ذات أهمية، فالضبطية القضائية –كما ذكرنا سلفاً- جهاز يتبع السلطة التنفيذية ويخضع لإشرافها وتوجيهها، ورجالها قابلون للعزل والنقل والتأديب، غير أن قانون هيئة الشرطة الصادر في سنة 1992 ف سعى إلى توفير بعض الضمانات فقرر عدم مساءلة رجل الشرطة مدنياً إلا عن الخطأ الشخصي، وأما فيما يخص تأديبهم فقد قرر عدم جواز توقيع العقوبة التأديبية على رجل الشرطة إلا بعد التحقيق معه وسماع أقواله وتحقيق دفاعه، كما اشترط أن يكون القرار الصادر بتوقيع العقوبة مسبَّباً . كما لا يجوز –في غير أحوال التلبيس- اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق مع ضباط الشرطة، إلا بإذن من الأمين المختص (أمين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام)، ويعتبر فوات خمسة عشر يوماً على إخطار الأمين بالواقعة دون رد إذناً منه بمباشرة الإجراءات، وتجدر الملاحظة أن التشريع الليبي لم يُجز –على خلاف ما نص عليه بالنسبة لرجال القضاء- رد أو مخاصمة مأموري الضبط القضائي ولو كانوا قائمين بإجراءات التحقيق عن طريق الندب. ثانياً: جمع الاستدلالات: لم ينص قانون الإجراءات الجنائية الليبي على سلطة مأموري الضبط القضائي في استيقاف الأشخاص لفحص هويتهم واستيضاح وجهتهم، بيد أن الفقه والقضاء يجمعان على منح مأموري الضبط القضائي هذه السلطة بحكم واجباتهم المتمثلة في البحث عن الجرائم ومرتكبيها وجمع الاستدلالات (المادة11 أ.ج) والمحافظة على النظام والأمن العام وحماية الأرواح والإعراض والأموال، وعلى الأخص منع الجرائم وضبطها (الضبط الإداري). وإذا كان هذا الإجراء جائزاً فإنه ليس مطلقاً من كل شرط، فقد حصر القضاء هذا الإجراء في حالات الريبة والشك. ومن تطبيقات القضاء الليبي في هذا المجال وجود ثلاثة أشخاص داخل سيارة في الليل بجوار مبني محكمة تقع في منطقة نائية وأعدت بها خزانة لإيداع النقود من شأنه أن يوحي إلى رجل الأمن بالاشتباه والارتياب في أمرهم، مما يستلزم تدخله للكشف عن هويتهم، ولا تثريب على الحكم فيما ذهب إليه من القول بأن استحضار هؤلاء الأشخاص إلى مركز الشرطة استلزمه حالة الاشتباه التي وضعوا أنفسهم فيها والتي كان لها ما يبررها من واقع الحال([13]). وخلاصة القول إن هذا الإجراء جائز شريطة أن يكون له مسوغ مستمد من واقع الحال الذي تستقل محكمة الموضوع في استخلاصه وتقديره متى كان استخلاصها سائغاً وتقديرها لمبررات الاستيقاف سليماً. ثلاثاً: القيمة القانونية لإجراءات الاستدلال: لإجراءات الاستدلال صبغة قضائية بحكم النص عليها في قانون الإجراءات الجنائية، لذا يجوز للقضاء الاعتماد عليها في أحكامه شريطة أن تكون مثبتة في محضر خاص (المادة 14/4 أ.ج)، والكتابة هنا شرط يكسبها قيمة قانونية من حيث الإثبات، فإذا لم يقم مأمور الضبط القضائي بتوثيق إجراءاته في محضر واكتفى بالإدلاء بها في محضر تحقيق النيابة العامة، فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إدلاء بشهادة([14]). وإذا كان القانون قد أوجب إثبات جميع الإجراءات التي يقوم بها مأمور الضبط القضائي في محاضر خاصة، فإن القضاء لم يرتب البطلان على الإخلال بهذا الشرط. ومتى انتهى مأمور الضبط القضائي من مهمته وجب عليه إرسال محاضر الاستدلال إلى النيابة العامة التي تملك التصرف في الأمر على أحد وجوه ثلاثة، فهي إما أن ترفع الدعوى –في مواد الجنح والمخالفات إلى المحكمة مباشرة، أو تقوم بتحقيقها، أو تأمر بحفظ الأوراق (المادتان 51/1، 49 أ.ج). تمرُّ الدعوى الجنائية عادة بمرحلتين هما التحقيق والمحاكمة، تشكل مرحلة جمع الاستدلالات مقدمة للمرحلة الأولى، وخلال هذه المرحلة لا تثبت للمشتبه فيه صفة المتهم وإنما ينعت بها بأول إجراء من إجراءات التحقيق. وفي مرحلة التحقيق تصير حرية المتهم عرضة للمساس بها فتزداد بالتالي حاجته إلى مزيد من الضمانات، لذلك لم ينص قانون الإجراءات الجنائية على حق المتهم في التمسك باصطحاب محاميه في مرحلة جمع الاستدلالات مثلما أوجب ذلك في مرحلة التحقيق، تنص (المادة 51 أ.ج) على أنه (إذا رأت النيابة العامة في مواد المخالفات والجنح أن الدعوى صالحة لرفعها بناء على الاستدلالات التي سمعت، كلّفت المتهم بالحضور مباشرة أمام المحكمة المختصة)، أما في الجنايات فلا يجوز رفع الدعوى بناء على محضر جمع الاستدلالات، بل يجب أن يكون رفعها مسبوقاً بالتحقيق. هذا وقد اشترط القانون إجراءات معينة ينبغي توافرها لكي يكون رفع الدعوى في هذه الحالة صحيحاً: 1. أوجب القانون على النيابة العامة قبل رفع الدعوى إعطاء الواقعة القيد والوصف القانوني لها مبينة أسم المتهم والمجني عليه وتاريخ الواقعة ومكان حدوثها. 2. تكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة المختصة قبل انعقاد الجلسة بيوم كامل في المخالفات وثلاثة أيام كاملة على القل في الجنح، مع مراعاة مواعيد مسافة الطريق، ويجوز الاستغناء عن تكليف المتهم بالحضور إذا حضر بالجلسة ووجهت إليه التهمة من النيابة العامة وقبل المحاكمة، وفي هذه الحالة إذا طلب المتهم التأجيل منحه القاضي أجَلاً لا يقل عن المدة المحددة للجنح والمخالفات وهي ثلاثة أيام للأولى ويوم كامل للثانية، أما إذا لم يقبل المتهم المحاكمة فعلى النيابة العامة أن تكلفه بالحضور طبقاً للإجراءات العادية المادة 205 أ.ج). رابعاً: التحقيق: أ. وجوب التحقيق: فرض القانون على سلطة التحقيق في مواد الجنايات إجراء تحقيق فيها قبل إحالتها إلى المحكمة الجنائية المختصة، ذلك أن التحقيق الابتدائي جائز في الجنح والمخالفات وجوبيّ في الجنايات. v سلطة التحقيق: أوكل المشرع الليبي إلى النيابة العامة مهمة التحقيق بصفة أصلية وأجاز ندب قاض أو مستشار للتحقيق على سبيل الاستثناء، ويتضح الأصل والاستثناء معاً مما نصت عليه المادة "172" إجراءات، فقد جاء فيها ما يلي: (فيما عدا الجرائم التي يختص قاضي التحقيق بتحقيقها وفقاً لأحكام المادة (51أ.ج) تباشر النيابة العامة التحقيق في مواد الجنح والجنايات طبقاً للأحكام المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الأول من قانون الإجراءات الجنائية). ونصت المادة "35" من قانون نظام القضاء بدورها على أن النيابة العامة تختص بالتحقيق في الجرائم على الوجه المبين في قانون الإجراءات الجنائية ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، فالنيابة العامة في التشريع الليبي تمارس سلطتي الاتهام والتحقيق معاً وكأن المشرع الليبي لم يَرَ في هذا الجمع ضيراً، لأن النيابة العامة في نظر المشرع ليست خصماً لدوداً يُخشى انحرافه وتحيزه، ولكنها خصم شريف يعنى ببراءة البريء بقدر ما يعنى بإدانة المذنب([15]). ويفهم من النصوص المذكورة أعلاه أن النيابة العامة هي الجهة المختصة أصلاً بالتحقيق وهي في هذا تملك كافة سلطاته ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، أما إذا رأت عدم مباشرته بنفسها، فإن كافة السلطات تؤول بطبيعة الحالة إلى سلطة التحقيق المنتدبة التي أجازها القانون وهي: v قاضي التحقيق: للنيابة العامة، قبل بدء التحقيق أو بعده أن تطلب إلى رئيس المحكمة الابتدائية ندب قاض للتحقيق في مواد الجنيات والجنح. كما أجاز المشرع للمتهم في مواد الجنايات فقط أن يطلب ندب قاض للتحقيق ويصدر رئيس المحكمة في هذه الحالة قراره بعد سماع أقوال النيابة العامة، ويكون قراره غير قابل للطعن، وتستمر النيابة العامة في التحقيق حتى يباشر القاضي المندوب عمله (المادة 51/2/3 أ.ج). v مستشار التحقيق: قد ترى النيابة العامة –زيادة في الحيطة- أن يكون المندوب مستشاراً، وفي هذه الحالة ينبغي على رئيس النيابة المختصة أن يقدم الطلب إلى محكمة الاستئناف، ويكون الندب بقرار من جمعيتها العمومية لا من رئيس المحكمة كما هو الحال في ندب قاضي التحقيق إذا ما كانت الجريمة المتهم بها الشخص جناية، ويجب على رئيس المحكمة الابتدائية وعلى الجمعية العمومية لمحكمة الاستئناف الموافقة على الطلب دون الحاجة إلى إلزامها ببيان الأسباب أو سماع أقوالها، أما طلب المتهم فجائز القبول والرفض، والأمر متروك لحسن تقدير رئيس المحكمة بعد سماع أقوال النيابة العامة. والمشرع الليبي إذ يأخذ بنظام التحقيق في الحدود المبينة أعلاه، سعى إلى تحقيق هدفين هما: إدارة التحقيق بكفاءة، وضمان حيدة المحقق وذلك في طائفة من الجرائم لم يحدد طبيعتها، وإنما ترك أمر تقديرها للنيابة العامة. فمن الجرائم طائفة يحتاج التحقيق فيها إلى دراية وخبرة واسعة قد تعوز رجال النيابة العامة، ومن المتهمين من يكون لجريمته أو لشخصه أهمية خاصة يُخشى بسببها أن تتأثر النيابة العامة عند التحقيق معه فيهتز حياده، وقد حرص المشرع في تفادي القصور أو مظنة التحيّز فتدارك الأمر بالأخذ بنظام قاضي التحقيق على سبيل الاستثناء. وإذا كان المشرع الليبي، في نطاق هذا الاستثناء، قد خالجه الشك في حيدة النيابة العامة عند ممارستها لسلطة التحقيق والاتهام معاً، فإن هذا الشك يظل من الناحية النظرية قائماً في كافة الجرائم، فالنيابة العامة كسلطة اتهام تتأثر بدون مراء بالشواهد الأولية للجريمة فتسعى أثناء التحقيق إلى تعزيز اتهامها من خلال ما تتخذه من إجراءات احتياطية ضد المتهم، الأمر الذي يؤدي في بعض الأحيان إلى الخروج عن مبدأ الحيدة المفترض. ومما يؤكد قيام الشك أن المشرع ذاته حدّ من اختصاصات النيابة العامة عند مباشرة التحقيق بنفسها وأوجب عليها عرض الأمر على جهات القضاء لاستئذانه في مباشرة بعض إجراءات التحقيق أو لمدّ مدة الحبس الاحتياطي كما سنرى ذلك لاحقاً. وفي ضوء هذا الشك، وضماناً لحقوق المتهم يبدو من الأفضل إعادة النظر في مبدأ الجمع بين سلطتي الاتهام والتحقيق، خاصة وأن المبررات التي دعت المشرع الليبي عند إصداره لقانون الإجراءات الجنائية في مطلع الخمسينات من هذا القرن والمتمثلة أساساً آنذاك في النقص البيّن في العناصر القانونية المؤهلة لم تعد قائمة الآن. وأيّاً كان الأمر فإن قاضي التحقيق أو المستشار المندوب لا يستطيع مباشرة التحقيق إلا بناء على إحالته إليه وفقاً للقانون (المادة 52أ.ج)، ومتى أحيلت أوراق الدعوى إليه صار مختصاً دون غيره بالتحقيق. وهذا يعني أن ولاية القاضي أو المستشار المندوب هي ولاية عينية تنحصر في نطاق الجريمة المعنية التي صدر بشأنها قرار الندب، ومن ثم لا يستطيع الخروج من مباشرته للتحقيق في حدود الواقعة محلّ الندب ما لم يكن هناك واقعة أخرى مرتبطة بها ارتباطاً لا يقبل التجزئة، ومتى اتصل القاضي أو المستشار المندوب بالدعوى صار وحده المختص بالتحقيق فيها، فلا يجوز للنيابة العامة سحبها أو رفعها إلى المحكمة أو مباشرة التحقيق فيها إلا إذا تمّ تكليفها بعمل معيّن أو أكثر من أعمال التحقيق عدا استجواب المتهم (المادة 54 أ.ج). إن قضاء التحقيق في التشريع الليبي ليس قضاء مستقلاً ولا ثابتاً، فقاضي التحقيق هو أحد قضاة المحكمة الابتدائية يتم ندبه بقرار من رئيس المحكمة في حالة محددة بناءً على طلب النيابة العامة أو المتهم، وينعقد اختصاصه بالتحقيق متى تمّ ندبه في نطاق الاختصاص المكاني للمحكمة التي يتبعها، ويتحدد هذا الاختصاص بأحد معايير ثلاثة يكفي توافر أحداها لكي تكون المحكمة مختصة، الأول هو مكان وقوع الجريمة والثاني محل إقامة المتهم والثالث هو مكان ضبط المتهم. ويتبين مما تقدم أن قضاة التحقيق هم في الأصل مختصون بالحكم ويباشرون التحقيق الابتدائي استثناءً بالإضافة إلى مهامهم الأصلية. وأما فيما يخص النيابة العامة فإنها جهاز يقوم على أساس من التدرج الهرمي يحتل النائب العام أعلى درجاته وهو الأمين على الدعوى الجنائية بمعناها الواسع، أي تحقيق الدعوى ورفعها إلى القضاء ومباشرتها أمامه. أما الاختصاص الاستثنائي فله مظاهر متعددة في قانون الإجراءات الجنائية منها سلطته في إلغاء الأوامر بألاّ وَجْهَ لإقامة الدعوى العمومية الصادرة من النيابة العامة بعد التحقيق وذلك خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدورها (المادة 84 أ.ج)، وحقه في استئناف بعض القرارات والأحكام القضائية في مواعيد مطولة خصّه بها القانون (المواد 141، 269/2، 369/3 أ.ج)، أما المحامي العام فله اختصاصات مماثلة لاختصاصات النائب العام سوى أن الأول يمارس اختصاصاته في نطاق محدّد بدائرة محكمة الاستئناف تحت إشراف النائب العام الذي يمتد اختصاصه إلى كامل إقليم الدولة. 1. تبعية أعضاء النيابة العامة: تنص المادة 98 من قانون نظام القضاء على أن رجال النيابة العامة تابعون لرؤسائهم دون غيرهم بترتيب درجاتهم ثم لأمين العدل، ومقتضى هذا النص أن لأمين العدل حق الرقابة والإشراف على رؤساء وأعضاء النيابة بحكم كونهم موظفين عموميين تابعين له وذلك للتأكد من حسن قيامهم بواجباتهم الوظيفية طبقاً للقانون، كأن يتأخر عضو النيابة أو يهمل في إجراء التحقيق أو حضور الجلسات. أما من الناحية القضائية فلا يملك أمين العدل طبقاً للقانون الليبي أي اختصاص قضائي يمكنه من الإشراف على أعضاء النيابة العامة، فلا يجوز له مثلاً أن يأمر أحد أعضاء النيابة العامة بحفظ الدعوى أو التصرف فيها على نحو معين، وإذا ما تجاوز حدود اختصاصه فلا يترتب على مخالفة أوامره أي بطلان في الإجراءات، كما لا يُسأل عضو النيابة الذي تصرف بالمخالفة لأوامر أمين العدل عما قام به، لأن أمين العدل ليس له أي سلطة على النيابة العامة فيما يتعلق بمباشرة الدعوى العمومية. ذلك أن أمين العدل ليس عضواً من أعضائها، وليس له شيء من اختصاصها. وبيانه أن النائب العام طبقاً لنص المادة الثامنة من قانون الإجراءات الجنائية هو الأمين على الدعوى الجنائية وصاحب الحق والسلطة في مباشرتها سواء بنفسه أو عن طريق أحد وكلائه بحسب درجاتهم صعوداً من معاون النيابة إلى درجة المحامي العام. وهو بهذه الصفة يملك على وكلائه سلطة مزدوجة تمكنه من فرض الرقابة عليهم من جانب وتوحيد مسار الدعوى الجنائية من جانب آخر. فله بحكم صفته الإشرافية نقلهم وندبهم وتأديبهم طبقاً للقانون. وله بموجب سلطته الإجرائية أن يمنع عضو النيابة العامة من إجراء التحقيق في الدعوى أو من رفعها أو من الطعن في الحكم الصادر فيها وله أيضاً أن يأمر بخلاف ذلك، وليس للعضو أن يتصرف خلاف ما أمر به النائب العام باعتباره صاحب الحق الأصيل في الدعوى وأن ما دونه من الأعضاء هم وكلاء عنه، وإذا تصرف أحد الأعضاء على خلاف ذلك كان مصير الإجراءات البطلان([16])، وكان ذلك سبباً موجباً للمسئولية الإدارية. لكن ذلك لا يعني تجريد عضو النيابة العامة من الصلاحيات المقررة له قانوناً، فهو إذا ما باشر التحقيق في الدعوى صار له الحق في أن يديره بالطريقة التي يراها ملائمة، وله أن يتخذ من الإجراءات ما يراه مفيداً في كشف الحقيقة، حتى ولو كان ذلك مخالفاً لتعليمات وأوامر النائب العام، فإذا ما رأى هذا الأخير عدم ملائمة هذا الإجراء بعد الانتهاء من التحقيق حق له منع العضو من رفع الدعوى، وله سلطة إلغاء الأمر بألا وجه أو الأمر بالإحالة، وفوق ذلك كله له سلطة سحب ملف القضية من العضو المحقق أثناء التحقيق وتكليف عضو أخر بدلاً منه. 2. اختصاصات النيابة العامة فيما يتعلق بالتحقيق: أسند القانون للنيابة العامة جملة من الاختصاصات بعضها ذو طابع إداري وبعضها ذو طبيعة مدنية، ومنها ما يتصل بمسائل الأحوال الشخصية، إلا أن اختصاصها يتمثل في التحقيق في الجرائم طبقاً لأحكام قانون الإجراءات الجنائية ورفع الدعوى الجنائية ومباشرتها (المادة 35 ق.ن.ق). هذا، وقد خصص المشرع الباب الرابع من الكتاب الأول من قانون الإجراءات للتحقيق بمعرفة النيابة العامة، فخولت المادة 172 منه النيابة العامة سلطة مباشرة التحقيق في الجنح والجنايات، وعضو النيابة العامة عند مباشرته لهذه السلطة، إنما يباشرها بصفته أصيلاً لا وكيلاً عن أحد ذلك أنه يستمد هذا الاختصاص من صميم القانون. وهذا يعني أن النائب العام ليس له أن يتدخل في مجريات التحقيق بعد المباشرة كأن يأمر عضو النيابة العامة بحبس المتهم احتياطياً أو الإفراج عنه، أو تفتيش شخصه أو مسكنه. وإذا ما خالف العضو المحقق هذا الأمر فلا بطلان. كما يحق لعضو النيابة العامة بعد رفع الدعوى إلى المحكمة أن يترافع فيها كما يشاء ولو كان ذلك على خلاف ما جاء بقرار الاتهام تطبيقاً للقاعدة الفقهية المعروفة من أنه إذا كان القلم مقيداً فإن اللسان طليق. 3. طبيعة العلاقة بين سلطة التحقيق وسلطة الاتهام: لم يأخذ المشرع الليبي بمبدأ الفصل بين سلطتي التحقيق والاتهام مثلما فعلت بعض التشريعات الأخرى، بل أوكل إلى النيابة العامة بكلتا السلطتين، غير مكترث بالحجج التي ساقها أنصار مبدأ الفصل بين السلطتين، من حيث أن النيابة العامة إذا ما جمعت في يدها السلطتين معاً، أصبحت ذات مصلحة في إثبات الاتهام الموجه إلى الفرد مما قد يدفع بها إلى الإخلال بحقوق المتهم، بحكم تأثرها بالشواهد الأولى للقضية التي جمعها مأمورو الضبط القضائي، الذين هم أيضاً قد يكون لديهم مصلحة شخصية في الكشف عن فاعل الجريمة بحكم مسؤوليتهم عن كشف الجرائم وملاحقه المجرمين. كما أن الجمع بين السلطتين يجعل من النيابة العامة خصماً ومحققاً في آن واحد، وما كان الخصم عادلاً، فنفسية عضو النيابة في ذلك الوقت هي نفسية الخصم يتأثر بما يتأثر به الأخير، وبالرغم من ذلك يتبنّى المشرع الليبي مبدا الجمع بين السلطتين معتبراً النيابة العامة خصماً عادلاً تهمّه براءة المتهم بقدر ما تهمّه إدانته، علاوة على أن عضو النيابة العامة عند تحريكه للدعوى العمومية بأول إجراء من إجراءات التحقيق إنما يقوم بذلك بصفته أصيلاً لا وكيلاً النائب العام، ومقتضى هذا أن العضو المحقّق يستطيع السير في التحقيق ولو خالف في ذلك أوامر رئيسة بالسير في التحقيق على نحو معيّن، وبانتهاء التحقيق تبدأ حدود سلطة الاتهام وذلك عندما يتصرف عضو النيابة العامة في الدعوى، وفي هذه المرحلة ينبغي على العضو المحقق الالتزام بتوجيهات النائب العام الذي اعتبره المشرّع صاحب الحق في مباشرة الدعوى، فإذا تصرف وكيل النيابة على خلاف ما أمر به الأصيل يكون تصرفه باطلاً بحكم خروجه عن حدود الوكالة([17]). وإذا كان لهذا التمييز وجود من الناحية النظرية، فإنه قائم على صعيد الواقع ذلك أن الاتهام ليس سوى محصلة لأعمال التحقيق التي يقوم بها عضو النيابة العامة. أجازت المادة 54 إ.ج. للمحقق (عضو النيابة العامة أو قاضي التحقيق) أن يكلف أحد مأموري الضبط القضائي القيام بعمل أو أكثر من أعمال التحقيق عدا استجواب المتهم. وفي هذه المرحلة يكون للمندوب في حدود ندبه كلُّ السلطة التي خوّلها القانون للمحقق. ومعنى هذا أن الندب يجب أن يقتصر على عمل معين أو أكثر من أعمال التحقيق. وفي كل الأحوال يجب على المحقق أن يبيّن للمندوب المسائل المطلوب تحقيقها، والإجراءات المطلوب اتخاذها (م. 55أ.ج) ومع ذلك يجوز للمندوب أن يجري أيّ عمل آخر من أعمال التحقيق بما في ذلك استجواب المتهم في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت متى كان ذلك متصلاً بالعمل المندوب له ولازماً في كشف الحقيقة، ويعتبر أمر الندب في حد ذاته إجراء من إجراءات التحقيق، كما يعتبر الإجراء المتخذ من قبل المندوب من إجراءات التحقيق يترتب عنها ما يترتب عن ذات الإجراءات التي يقوم بها المحقق ذاته. ب. إجراءات التحقيق: تختص الضبطية القضائية أساسً بجمع الاستدلالات، وبحكم أنها جهاز يعاون سلطة التحقيق في قيامها بمهمتها، فقد أجاز لها المشرّع في بعض الحالات اتخاذ بعض إجراءات التحقيق نزولاً منه على حكم الضرورة، ولّما كانت الضرورة تقدر بقدرها فقد حصر المشرّع الاستثناء في أضيق الحدود وأحاطه بعدة ضمانات. فنصت المواد (24، 31، 36، 37، 38، إ.ج) على الحالات التي يجوز فيها لمأموري الضبط القضائي مباشرة إجراءات التحقيق دون إسنادها إليهم من سلطة التحقيق المختصة. وبالاطلاع على أحكام المواد المذكورة يمكن لمأموري الضبط القضائي القبض على المتهم وتفتيشه إذا ما وُجدت دلائل كافية على اتهامه في مواد الجنائيات عموماً، وفي أحوال التلبس بالجريمة إذا كان القانون يعاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاثة أشهر، وفي كافة الجنح المعاقب عليها بالحبس إطلاقاً ولو لأقل من ثلاثة أشهر متى كان المتهم موضوعاً تحت مراقبة الشرطة، أو كان صدر إليه إنذار باعتباره متشرداً أو مشتبهاً فيه، أو لم يكن له محل إقامة ثابت ومعروف في ليبيا، كما يحق للضبطية القضائية اتخاذ ذات الإجراء في طائفة من الجنح قدّر المشرع خطرها فحدّدها على سبيل الحصر ولم يشترط التلبس لصحة القبض فيها، ولا استلزام صفة خاصة في مرتكبيها وهذه الجنح هي: السرقة والنصب والتعدي الشديد ومقاومة رجال السلطة العامة بالقوة أو العنف والقوادة وانتهاك حرمة الآداب، وكذلك الجنح المنصوص عليه في قانون المخدرات. وخولت (المادة 35) مأموري الضبط القضائي سلطة تفتيش منزل المتهم وضبط الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح لهم من أمارات قوية أنها موجودة فيه وذلك في حالة التلبس بجناية أو جنح، أما في غير حالات التلبس فيجوز لمأموري الضبط القضائي تفتيش منازل الأشخاص الموضوعين تحت رقابة الشرطة والمشتبه في أمرهم وذلك إذا وجدت أسباب تدعو للاعتقاد بأنهم ارتكبوا جناية أو جنحة، كما يجوز للأسباب ذاتها تفتيش المتشردين أو الأشخاص الذين ليس لهم محل إقامة ثابت ومعروف في ليبيا (المادة 37 إ.ج). وإذا قامت أثناء تفتيش منزل المتهم قرائن قوية ضد المتهم أو شخص موجود فيه على أنه يخفي شيئاً يفيد في كشف الحقيقة جاز لمأموري الضبط القضائي أن يفتشه (المادة 38 إ.ج). ويتضح مما سلف بيانه أن المشرّع خوّل مأموري الضبط القضائي سلطة القبض على المتهم وتفتيش شخصه ومنزله ضماناً للسرعة والمحافظة على أدلّة الجريمة كما هو في حالات التلبس أو لاعتبارات أخرى تتعلق تارة بخطورة الجريمة، وتتعلق تارة أخرى بالمتهم كما هو الحال بالنسبة للموضوعين تحت مراقبة الشرطة والمتشردين والمشتبه في أمرهم. وإذا لم يكن المتهم حاضراً في الأحوال التي سبق بيانها جاز لمأموري الضبط القضائي أن يصدر أمراً بضبط المتهم وإحضاره شريطة أن يذكر ذلك في المحضر (المادة 25 إ.ج). وإذا لم يأت بما يّبرئه أرسله في مدى ثمان وأربعين ساعة إلى النيابة العامة المختصة التي ينبغي عليها استجوابه في ظرف أربع وعشرين ساعة، ثم تأمر بالقبض عليه أو بإطلاق سراحه (المادة 26 إ.ج)، غير أن المشرع لم يُجز لمأمور الضبط القضائي القبض على المتهم في حالة التلبس بالجريمة متى كانت من الجرائم التي يتوقف رفع الدعوى عنها على تقديم شكوى من المجني عليه (المادة 29 إ.ج)، ففي مثل هذه الحالات لا يجوز القبض على المتهم إلا إذا صرح بالشكوى، ومنهم من لم يُجز ذلك متمسكاً بحرفية النص الوارد في (المادة 29 إ.ج)، كما تباينت التطبيقات القضائية حول هذين القيدين، فهي تارة تجيز مباشرة التحقيق دون رفع الدعوى، وتارة تحظره كلية([18]). 1. القبض: أجازت "المادة 107 إ.ج" للمحقق في جميع المواد أن يصدر حسب الأحوال أمراً بحضور المتهم أو بالقبض عليه وإحضاره. ويفهم من ظاهر النصّ أن المحقق يستطيع إصدار أمر بالقبض على المتهم وإحضاره في مواد المخالفات. غير أن هذا الفهم لا ينسجم مع الأحكام العامة في قانون الإجراءات الجنائية التي لا تجيز مطلقاً القبض والحبس الاحتياطي في المخالفات، خاصة وأن الغرض من القبض على المتهم وإحضاره هو استجوابه حتى إذا لم يأت بما يبرّئه جاز للمحقق حبسه احتياطياً، ولذا ينبغي فهم حكم هذه المادة في ضوء ما نصت عليه (المادة 111 إ.ج) التي حددت على سبيل الحصر الحالات والجرائم التي يجوز فيها للمحقق الأمر بالقبض على المتهم وإحضاره، وهذه الحالات هي: أ. إذا لم يحضر المتهم بعد تكليفه بالحضور دون عذر مقبول. ب. إذا خيف هرب المتهم ولو لم يكن قد سبق إعلانه بالحضور. ج. إذا لم يكن للمتهم محل إقامة معروف. د. إذا كانت الجريمة في حالة تلُّبس. وتجدر الملاحظة أن المشرّع حرص على عدم ربط هذه الحالات الأربع بالأحوال التي يجوز فيها الحبس الاحتياطي، فقال في عجز المادة: (جاز لقاضي التحقيق أن يصدر أمراً بالقبض على المتهم وإحضاره ولو كانت الواقعة مما لا يجوز فيها حبس المتهم احتياطيا)، والغاية التي توخاها المشرّع من هذا الفصل هي تمكين المحقق من استجواب المتهم لا التوطئة لحبسه احتياطياً، لذا فإننا نرى بأن (المادة 111 إ.ج) لم تستغرق كل حالات القبض وإنما تكملها، كذلك الحالات التي وردت في (المادة 24) التي بيّنت أحوال القبض بالنسبة لرجال الضبط القضائي، لأنه لا يقبل منطقيا أن يتمتع هؤلاء في مجال القبض بسلطة تفوق سلطة المحقق ذاته([19]). أما عن مدة القبض فقد حددتها (المادة 112 إ.ج) بقولها: (يجب على قاضي التحقيق أن يستجوب فوراً المتهم المقبوض عليه، فإذا تعذر ذلك يودع في السجن إلى حين استجوابه ويجب ألا تزيد مدة إيداعه على أربع وعشرين ساعة، فإذا انقضت هذه المدة وجب على مأمور السجن تسلميه إلى النيابة العامة، وعليها في الحال أن ستستجوبه إن كانت هي القائمة بالتحقيق،أو تطلب من غرفة الاتهام أو قاضي التحقيق استجوابه إن كانت الدعوى بين يدي أحدهما، وعند الاقتضاء تطلب ذلك إلى القاضي الجزئي أو رئيس المحكمة أو أي قاض آخر يعيّنه رئيس المحكمة وإلا أمرت بإخلاء سبيله). وعلى هذا فإن أقصى مدة للقبض الذي يأمر به المحقق هي أربع وعشرون ساعة أما إذا تم القبض على المتهم من قبل مأموري الضبط القضائي في الأحوال المنصوص عليها في (المادة 24 إ.ج)، فإن مدة القبض يمكن أن تصل إلى اثنين وسبعين ساعة قبل أن يأمر المحقق بإطلاق سراحه أو بحبسه احتياطياً (المادة 26 إ.ج). وبالنظر إلى ما ينطوي عليه القبض من مساس بالغ بالحريّة الفردية فقد نصّت (المادة 30 إ.ج) على أنه لا يجوز القبض على أيّ إنسان أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة بذلك قانوناً، ونصّت المادة التاسعة من قانون مؤسسات الإصلاح والتأهيل([20]) على أنه لا يجوز إيداع إنسان في أي مؤسسة إلاّ بأمر كتابي مختوم من النيابة العامة، ولا يجوز أن يبقى فيها بعد المدة المحددة بهذا الأمر. وأجازت "(المادة 32إ.ج) لكل من أعضاء النيابة العامة وقضاة الإشراف ورؤساء ووكلاء المحاكم الابتدائية والاستئنافية زيارة مؤسسات الإصلاح والتأهيل العامة الموجودة في دوائر اختصاصهم والتأكد من عدم وجود محبوس بصفة غير قانونية. وأحاطت (المادة 433 ق.ع) هذه الضمانات بجزاء جنائي فقررت عقوبة الحبس لكل موظف عمومي قام بالقبض على أحد الأشخاص متعدّياً حدود سلطاته. 2. الحبس الاحتياطي: سبق لنا معالجة هذا الإجراء في إطار الفصل الثالث من هذا الكتاب، لذا نكتفي بما أوردناه في هذا الشأن، منوهين إلى أن نظام الحبس الاحتياطي في القانون الإجرائي الليبي يعاني من القصور في جوانب عديدة، منها ما يتعلق باتساع نطاق الجرائم التي يجوز فيها الحبس، ومنها ما يتعلق بطول مدته سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة، وبالمقابل لا يتمتع المتهم في ظل القواعد الإجرائية النافذة بضمانات تذكر تخوله حق الطعن في الأمر بالحبس ولا حتى الطعن في الأمر القاضي بتمديده، كما لا يحق له المطالبة بالتعويض عن مدة الحبس في حالة إصدار أمر بألا موجه لإقامة الدعوى، ولا حتى في أحوال الحكم بالبراءة، الأمر الذي يخالف مبادئ العدالة والإنصاف من ناحية، وقانون تعزيز الحرية من ناحية أخرى. 3. الإجراءات الماسّة بحصانة الشخص وحرمة مسكنه: أ. ضمانات تفتيش الأشخاص: 1) - تفتيش الأشخاص إجراء من إجراءات التحقيق شديد المساس بالحرية الشخصية لذا حصره المشرّع في حالات محددة، فنصّت 'المادة 78 إ.ج' على أنه "لقاضي التحقيق أن يفتش المتهم، وله أن يفتش غير المتهم إذا اتضح من أمارات قوية أنه يخفي أشياء تفيد في كشف الحقيقة". وتملك النيابة العامة في هذا الشأن ما يملكه قاضي التحقيق، سوى أن المشّرع قيد سلطتها في تفتيش غير المتهمين بالحصول على إذن من القاضي الجزئي (المادتان 172 و180 إ.ج) بيد أن هذا القيد يسقط عنها في حالة الاستعجال، وللنيابة العامة ولقاضي التحقيق ندب مأموري الضبط القضائي للقيام بذلك. وتجدر الملاحظة هنا إلى أنه يجوز لسلطة التحقيق تفتيش شخص المتهم دون التقييد بأصول القبض التي يجوز فيها لمأموري الضبط القضائي تفتيش المتهم بناءّ على جواز القبض عليه. وكل ما اشترطه المشّرع للتفتيش هو أن يكون هناك اتهام موجّه للشخص في جناية أو جنحة وقعت فعلاً وترجّحت نسبتها إليه من ناحية، وأن يكون التفتيش بقصد ضبط أشياء تفيد في كشف الحقيقة عنها وعن مرتكبيها من ناحية أخرى. 2) – أما في أحوال الندب فإنه من المقرر أن المندوب يستمد اختصاصه من قرار الندب، فإذا تجاوز، عند التنفيذ، حدود الندب وقع الإجراء باطلاً. غير أن المشّرع خرج على هذا المبدأ العام في حالات معين اقتضتها الضرورة. فنصت (المادة 55 إ.ج) على أنه "للمندوب أن يجري أي عمل آخر من أعمال التحقيق، أو أن يستجوب المتهم في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت متى كان متصلاً بالعمل المندوب له ولازماً في كشف الحقيقة". ومع ذلك ينبغي ملاحظة أن لمأمور الضبط القضائي أن يباشر الأعمال المخولة له بمقتضى القانون ولو لم يرد ذكرها بقرار الندب. وإذا كان القانون قد خوّل مأموري الضبط القضائي تفتيش شخص المتهم عند القبض عليه تطبيقاً لقاعدة حيث يجوز القبض يجوز التفتيش، فإن إجراء التفتيش يقع صحيحاً حتى ولو كان قرار الندب هو للقبض عليه فقط (المادة 35 إ.ج) ([21]). 3) –حدد المشرع الحالات التي يجوز فيها تفتيش الأشخاص، فنصت (المادة 35 إ.ج) على أنه في الأحوال التي يجوز فيها القبض قانوناً على المتهم يجوز لمأمور الضبط القضائي أن يفتشه، ثم اشترط المشّرع للقيام بهذا الإجراء أن تكون هناك دلائل كافية على اتهام الشخص بارتكاب جريمة من الجرائم التي يجوز فيها القبض، ومن ناحية أخرى، فرض القانون على مأموري الضبط القضائي إجراء التفتيش بأنفسهم أو بمساعدة معاونيهم تحت بصرهم وإشرافهم، كما ينبغي أن يكون التفتيش بغرض البحث عن الأشياء المتعلقة بالجريمة التي وجدت دلائل قوية على ارتكابها، وإذا كان المتهم أنثى وجب أن يكون التفتيش بمعرفة أنثى ينتدبها لذلك مأمور الضبط القضائي. 4) –ربط المشرع بين القبض والتفتيش، فأجاز التفتيش في الأحوال التي يجوز فيها القبض على المتهم (المادة 35 إ.ج)، ولما كان القبض أشدّ مساساً بالحرية الفردية فإن المشّرع أجاز لمأموري الضبط القضائي تفتيش من يتّم القبض عليه للبحث عن جسم الجريمة والأدوات التي استخدمت في تنفيذها، قبل أن يتمكن المقبوض عليه من إخفائها أو تدميرها. 5) –القاعدة أن تفتيش المسكن إجراء مستقلّ بذاته غاية وشروطاً عن تفتيش الأشخاص، غير أن المشرع ربط بين الإجراءين في بعض الأحيان تحقيقاً للغاية المتوخاة من التفتيش، فنصت (المادة 38إ.ج) على أنه (إذا قامت أثناء تفتيش منزل المتهم قرائن قوية ضد المتهم أو شخص موجود فيه على أنه يخفي شيئاً يفيد في كشف الحقيقة جاز لمأمور الضبط القضائي أن يفتشه). ويستفاد من هذا النص أن تفتيش الأشخاص بمناسبة تفتيش المساكن يتطلب توافر شرطين اثنين: أولهما أن يكون تفتيش المسكن جائزاً قانوناً، فإذا كان تفتيش المسكن باطلاً بطل تفتيش الأشخاص تبعاً له بحكم تبعية الفرع للأصل، والثاني أن تقوم أثناء التفتيش قرائن قوية ضد المتهم أو غيره من المتواجدين في المسكن على أنهم يخفون أشياء تفيد في كشف حقيقة الجريمة التي يجري بشأنها تفتيش المسكن، وعلى هذا يبطل تفتيش الأشخاص إذا ما قام به مأمور الضبط القضائي قبل الشروع في تفتيش المسكن، وكذا في حالة الأشخاص خارجه ولو قامت لديه قرائن على أن معهم ما يفيد في كشف الحقيقة. ب. ضمانات تفتيش المسكن 1. تنص المادة التاسعة عشر من القانون رقم "20" لسنة 1991 ف بشأن تعزيز الحرية (على أن للمساكن حرمة، فلا يجوز دخولها أو مراقبتها أو تفتيشها إلا إذا استغلت في إخفاء جريمة أو إيواء مجرمين أو للضرر بالآخرين معنوياً أو مادياً أو إذا استخدمت لأغراض منافية للآداب والتقاليد الاجتماعية بشكل ظاهر، وفى غير حالات التلبس والاستغاثة لا يجوز دخول البيوت إلا بإذن من جهة مختصة بذلك قانوناً). وبمطالعة هذا النص يبين جلياً أن المشرع قصد إضفاء سياج من الحماية منيع على مأوى الإنسان ومستودع إسراره. فالمسكن هو المكان الذي تطمئن إليه النفس من سائر الأماكن جملة، وبالتالي لا يجوز هتك حرمته امتثالاً لقول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾([22]) والذي يستفاد من ذلك أن المشرع أراد تقرير حكم شرعي في صيغة قانونية التزاماً منه بأحكام شريعة المجتمع (القرآن الكريم). ويقصد بالاستئناس والتسليم في الآية الكريمة الإذن بالدخول إلى المسكن من قبل ساكنيه. لكن الجدير بالملاحظة أن النص تضمن إشارة لم نقف عليها في أي نص دستوري أو قانوني مقارن ألا وهى حظر مراقبة البيوت. وتلك بحق تشكل أقصى درجات الحماية لحرمة المسكن. فليس الدخول فقط أمر محظور على رجال السلطة العامة في غير أحواله المقررة قانوناً، بل أيضاً مراقبة المسكن في غير أحوال الاشتباه في استعماله لغير أغراضه المشروعة، والذي يشكل بحق ضرباً من الإيذاء المعنوي لساكني البيت. وتنص المادة (75 أ.ج) على أن (تفتيش المنازل عمل من أعمال التحقيق ولا يجوز الالتجاء إليه إلا في تحقيق مفتوح وبناءً على تهمة موجهة إلى شخص مقيم في المنزل المراد تفتيشه بارتكاب جناية أو جنحة أو باشتراكه في ارتكابها، أو إذا وجدت قرائن على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة). أمّا السلطة الآمرة به فهي جهة التحقيق المختصة بالدعوى وهي النيابة العامة أساساً وقاضي التحقيق في الأحوال التي يتم ندبه فيها للتحقيق، أما السلطة المكلفة بتنفيذ الأمر بالتفتيش فهم مأمورو الضبط القضائي الذين يتم ندبهم من قبل المحقق طبقاً لأحكام الندب المنصوص عليها في (المادتين 54 و174 إ.ج). 2. وصفت (المادة 174 إ.ج) تفتيش المنازل بأنه إجراء من إجراءات التحقيق وينبغي عدم مباشرته إلاّ بمعرفة سلطة التحقيق المختصة أو بناءّ على إذن منها بذلك. غير أن المشرع أجاز لمأموري الضبط القضائي تفتيش منازل المتهمين دون الرجوع إلى سلطة التحقيق وذلك في حالتين نصّت عليهما (المادتان 36 و137 إ.ج). الحالة الأولى: يجوز لمأموري الضبط القضائي في حالة التلبس بجناية أو جنحة تفتيش منزل المتهم وذلك لضبط الأشياء والأوراق التي تفيد في كشف الحقيقة إذا اتضح من أمارات قوية أنها موجودة فيه (المادة 36 إ.ج). الحالة الثانية: يحق لمأموري الضبط القضائي تفتيش منازل المراقبين والمشتبه فيهم، وذلك إذا وجدت أسباب تدعو للاعتقاد بأنهم ارتكبوا جناية أو جنحة (المادة 37إ.ج). 3. والمسكن هو مأوى الشخص ومستودع أسراره لذا حرصت الدساتير والقوانين والوثائق على تقديس حرمته، فلا يجوز الدخول إليه إلاّ بإذن من أهله إلاّ في الحالات التي ينص عليها القانون، وترتيباً على ذلك حظر المشرع دخول المنازل وحدد الحالات التي يجوز فيها ذلك، فنصت (المادة 34 إ.ج) على أنه لا يجوز لرجال السلطة العامة الدخول في محلّ مسكون إلا في الأحوال المبيّنة في القانون أو في حالة طلب المساعدة من الدخول، أو في حالة الحريق أو الغرق أو ما شابه ذلك من كوارث كالأوبئة. ويقصد بالحالات المبيّنة في القانون حالات الدخول بقصد التفتيش كإجراء من إجراءات التحقيق، أما الدخول استجابة لنداء النجدة من ساكنيه أو في حالات الكوارث فهو لا يعدّ من إجراءات التحقيق في شيء ومن ثم لا يجوز لمأموري الضبط القضائي تفتيش المسكن بمناسبة دخولهم فيه، وهم إن فعلوا ذلك وقع تفتيشهم باطلاً، ولكن إذا وجدوا عرضاً، لحظة دخولهم للمسكن في الحالات المنّوه عنها أعلاه، جريمةً متلّبساً بها جاز ممارسة اختصاصاتهم المقررة قانوناً في التلّبس كالقبض والتفتيش. 4. يعاقب المشرع الليبي انتهاك الموظف العمومي لحرية المسكن، فنصّت (المادة 437 عقوبات) على أنه (يعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على عشرين ديناراً كل موظف عمومي يدخل مسكن أحد الناس بغير رضاه أو يبقي فيه بدون مبرر وذلك اعتماداً على وظيفته، فيما عدا الأحوال المبيّنة في القانون، أو بدون مراعاة القواعد المقررة فيه). أما إذا وقع الفعل من أحد الناس فقد نصت (المادة 436 عقوبات) على عقوبة الحبس مدة لا تجاوز سنتين لكل من يدخل بيتاً مسكوناً أو مكاناً آخر معدا للسكن الخاص أو ملحقاته بغير رضا من له الحق في منعه من الدخول وكذلك من تسلل إليها خلسة أو بالاحتيال، وتطبيق ذات العقوبة على من يبقى في الأماكن المذكورة رغم أمره بالخروج ممن له الحق في منعه، أو يبقى فيها خلسة أو بالاحتيال. أما قانون الإجراءات الجنائية فقد حدّد الحالات التي يجوز فيها لمأموري الضبط القضائي دخول المنازل، فإن همو خالفوا ذلك كان دخولهم باطلاً، ويلحق هذا البطلان كافة الإجراءات المترتبة على الدخول. 5. أجاز المشرّع الليبي لسلطة التحقيق تفتيش مسكن غير المتهم في حالات محددة وطبقاً لشروط تّم النصّ عليها في (المواد 75 و76 و180 إ.ج)، فنصّت (المادة 75 إ.ج) على أن تفتيش المنازل عمل من أعمال التحقيق ولا يجوز الالتجاء إليه إلا في تحقيق مفتوح، وبناءً على تهمة موجهة إلى شخص مقيم في المنزل المراد تفتيشه بارتكاب جناية أو جنحة، أو باشتراكه في ارتكابها أو إذا وُجدت قرائن على أنه حائز لأشياء تتعلق بالجريمة، وأضافت (المادة 76 إ.ج) أنه يجري التفتيش بحضور المتهم أو من ينيبه عنه إن أمكن ذلك، وإذا حصل التفتيش في منزل غير المتهم يُدعى صاحبه للحضور بنفسه أو بواسطة من ينيبه عنه إن أمكن ذلك، وإذا كانت النيابة العامة هي الجهة المختصة بالتحقيق فلا يجوز لها تفتيش مساكن غير المتهمين إلاّ بناءً على إذن من القاضي الجزئي المختص (المادة 180 إ. ج). ويفهم من النصوص السالفة الذكر أنه لا يشترط لصحة تفتيش منازل غير المتهمين أن يكون هناك شخص معين أسندت إليه الجريمة، وإنما يصحّ التفتيش في أيّ لحظة ما دام التحقيق قد فتح وما دامت هناك قرائن كافية على وجود ما يفيد في كشف الحقيقة في بعض المنازل([23]). 4. الإجراءات الماسّة بحرمة الحياة الخاصة والضمانات المقررة لها v ضبط الأشياء: أ. التفتيش إجراء هادف غايته ضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة المرتكبة لذا أجازت الفقرة الثانية من (المادة 75 إ.ج) للمحقق تفتيش أيّ مكان لضبط ما فيه من أوراق وأسلحة أو آلات، وكل ما يحتمل أنه استعمل في ارتكاب الجريمة أو نتج عنها أو وقع عليه، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة، غير أن المشرّع أخرج من دائرة الضبط الأشياء المتعلقة بالدفاع عن المتهم، فنصّت (المادة 80 إ.ج)، على حظر ضبطها بالقول: (لا يجوز لقاضي التحقيق أن يضبط لدى المدافع عن المتهم أو الخبير الاستشاري الأوراق والمستندات التي سّلمها المتهم لأداء المهمة التي عهد إليهما بها ولا المراسلات المتبادلة بينهما في القضية). كما خوّلت (المادة 79 إ.ج) لقاضي التحقيق أن يضبط لدى مكاتب البريد كافة الخطابات والرسائل والجرائد والمطبوعات والطرود، ولدى مكاتب التلغرافات كافة البرقيات، كما يجوز له مراقبة المحادثات الهاتفية متى كان لذلك فائدة في ظهور الحقيقة. أما النيابة العامة فلا يجوز لها القيام بذلك إلاّ بناءً على إذن من القاضي الجزئي. وفي جميع الأحوال يجوز لسلطة التحقيق ندب مأموري الضبط القضائي للقيام بهذه الإجراءات مع مراعاة القيد على سلطة النيابة المنّوه عنه أعلاه. ب. ضبط الأشياء إجراء لا حق للتفتيش فيه مساس شديد بحرية الحياة الخاصة، لذا أخضعه المشرع لذات الشروط الموضوعية والشكلية التي نصّ عليها بشأن تفتيش الأماكن والأشخاص. وإذا كان المشرع قد أجاز لسلطة التحقيق ضبط كافة الأشياء المتعلقة بالجريمة فإنه قد استثنى من ذلك الأوراق والمستندات المتعلقة بتحقيق دفاع المتهم إذا ما وجدت لدى الدفاع أو المستشار. واشترطت (المادة 81 إ.ج)، أن يطلع قاضي التحقيق وحده على الخطابات والرسائل والأوراق الأخرى المضبوطة على أن يتّم هذا إذا أمكن بحضور المتهم، والحائز لها أو المرسلة إليه، ويدوّن ملاحظاتهم عليها. ويعني هذا أنه يمتنع على قاضي التحقيق إطلاقاً ندب أحد من رجال الضبط القضائي للقيام بهذا العمل. وما يمتنع على قاضي التحقيق يمتنع علي النيابة العامة سواء في حالة ندبها لفحص الأوراق أو في حالة قيامها بالتحقيق وإذا كان لقاضي التحقيق أن يأمر الحائز لشيء يرى ضبطه أو الاطلاع عليه بتقديمه تحت وطأة العقاب، فإنه لا يجوز توجيه هذا الأمر للمتهم، وإذا ما أمره المحقق بتقديم شيء لديه فأبى فلا عقاب عليه، لأنه من المبادئ الأساسية المقررة في القانون أنه لا يجوز إجبار المتهم على تقديم دليل ضد نفسه، ويسري هذا الحكم أيضاً بالنسبة للأشخاص الذين يحق لهم الامتناع عن أداء الشهادة (المادة 83إ.ج). ومن ناحية أخرى، ألزمت (المادة 84 أ.ج) قاضي التحقيق بتبليغ الخطابات والبرقيات المضبوطة إلى المتهم أو الشخص المرسلة إليه صورة منها في أقرب وقت ممكن، إلا إذا كان في ذلك إضرار بسير التحقيق، ولكل شخص يدعي حقاً في الأشياء المضبوطة أن يطلب إلى قاضي التحقيق تسليمها إليه، وله في حالة الرفض أن يتظلم أمام رئيس المحكمة الابتدائية. هذا ولا يجوز فض الأختام إلا بحضور المتهم أو وكيله، وكذلك من ضبطت عنده هذه الأشياء، أو بعد دعوتهم لذلك (المادة 45 إ.ج). ج. ألزمت (المادة 81 إ.ج)، المحقق بالاطلاع وحده على الخطابات والرسائل والأوراق الأخرى المضبوطة على أن يتّم ذلك –إذا أمكن- بحضور المتهم، على أن يقوم المحقق بتدوين ما يبديه المتهم من ملاحظات عليها، وصيغة الخطاب في عجز هذا النص لا تفيد الإلزام، وهذا يعني أن المحقق يستطيع الاطلاع على ما أسفر عنه التفتيش دون حضور المتهم، ولكن لا يجوز للمحقق أن يمنع المتهم من الحضور إذا تواجد في وقت الاطلاع، اللهم إلا إذا اقتضت مصلحة التحقيق منعه من الحضور. 5. استجواب المتهم ومواجهته: أباح المشرّع الليبي استجواب المتهم ومواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود في مرحلة التحقيق الابتدائي، وحرّم اللجوء إليهما في مرحلة المحاكمة اللهم إلا إذا طلب أو قبل المتهم ذلك. ولجوء المحقق إلى الاستجواب إجراء غير واجب في الأصل، لكن المشرّع ألزم به المحقق في حالتين هما حالة القبض على المتهم ذلك. ولجوء المحقق إلى الاستجواب إجراء غير واجب في الأصل، لكن المشرّع ألزم به المحقق في حالتين هما حالة القبض على المتهم، وعند الأمر بحبسه احتياطيا، والغاية من الإلزام في هاتين الحالتين تخلص في تمكين المتهم من دفع التهمة الموجّهة إليه توطئة لإطلاق سراحه في الحالة الأولى وإقناع المحقق بعدم اللجوء إلى الحبس الاحتياطي في الحالة الثانية (المواد 26، 112، 115 إ.ج). ولما كان الاستجواب يعني من حيث مضمونه مناقشة المتهم تفصيلاً في تهمة موجهة إليه بارتكاب جريمة ودعوته إلى الرد على الأدلة القائمة ضده إما بتفنيدها أو التسليم بها من ناحية، فإن المشرع لم يُجز لغير المحقق –كمبدأ عام- القيام به ولو كان المندوب هو من رجال النيابة العامة. ونزولاً على حكم الضرورة فقد أجاز للمندوب في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت استجواب المتهم متى كان متصلاً بالعمل المندوب له ولازماً في كشف الحقيقة (المادة 55 إ.ج)، وينسحب هذا القيد على المواجهة بحكم اقترانها نصا وغاية بالاستجواب (المادة 106 إ.ج). أما من حيث المضمون فهي تضع المتهم في مواجهة غيره من المتهمين أو الشهود كي يسمع بنفسه أقوالهم ويرد عليها بما ينفيها أو يصححها أو يؤيدها، لذا أخضعها المشرع لذات الشروط والضمانات التي تّم النصّ بشأنه الاستجواب. بالنظر إلى خطورة هذين الإجراءين، فقد حرص المشّرع على إحاطتهما بجملة من الضمانات هي: · وجوب القيام بهما من قبل المحقق ذاته، ومن ثم لا يجوز للمندوب القيام بهما إلا إذا نصّ القانون على ذلك صراحة. · في غير حالات التلبس وحالة السرعة بسبب الخوف من ضياع الأدلة، لا يجوز للمحقق في الجنايات أن يستجوب المتهم أو يواجهه بغيره من المتهمين أو الشهود إلاّ بعد دعوة محاميه للحضور إن وُجد. · تمكين محامي المتهم من الاطلاع على الأوراق قبل إجراء الاستجواب والمواجهة. · يجب على المحقق إجراء الاستجواب في ظروف لا تأثير فيها على إرادة المتهم وحريته في إبداء أقواله ودفاعه أو بالتزام الصمت إذا شاء ذلك، كما ينبغي عليه عدم اللجوء إلى توجيه الأسئلة الإيجابية أو إلى خداع المتهم، ويترتب على خرق هذه الضمانات بطلان الاستجواب والمواجهة وكذلك بطلان كل ما يترتب عليهما من آثار. ج. التصرف في التحقيق: القاعدة في التشريع الإجرائي الليبي أن الجهة المختصة بمباشرة التحقيق الابتدائي هي التي تملك التصرف فيه، وهذه الجهة هي قاضي التحقيق والنيابة العامة وغرفة الاتهام، وقد نظّم القانون كيفية التصرف في التحقيق بحسب المختص به. أولاً- قاضي التحقيق: نصّت (المادة 133 أ.ج)، على أنه (متى انتهى التحقيق يرسل قاضي التحقيق الأوراق إلى النيابة العامة، وعليها أن تقدم له طلباتها كتابة خلال ثلاثة أيام إذا كان المتهم محبوساً وعشرة أيام إذا كان مفرجاً عنه. وعليه أن يخطر باقي الخصوم ليبدوا خلال خمسة أيام من الإخطار ما قد يكون لديهم من أقوال بعد الاطلاع على الأوراق). فإذا قدمت النيابة العامة والخصوم ما قد يكون لديهم من طلبات وأقوال وقدّر قاضي التحقيق الاكتفاء بما تّم من تحقيق في الجريمة التي تّم ندبه لتحقيقها يصدر أمره بالتصرف في الدعوى على النحو الذي بيّنه القانون. ثانياً- النيابة العامة: فيما عدا الجرائم التي يختص قاضي التحقيق بها، تملك النيابة العامة التصرف في التحقيق الذي تباشره بنفسها على النحو الذي نصّ عليه القانون. ثالثاً – غرفة الاتهام: تُشكّل غرفة الاتهام في كل محكمة ابتدائية من رئيس المحكمة أو من قاض من قضاة المحكمة تندبه الجمعية العمومية (المادة 45) إ. ج)، أما رئيس المحكمة فلا يحتاج إلى الندب. وغرفة الاتهام ليست جهة تحقيق أصلية وإنما هي الجهة الوحيدة المختصة بالإحالة في مواد الجنايات، ذلك أن قاضي التحقيق والنيابة العامة لا يملكان الإحالة إلى محكمة الجنايات، وإذا ما أحالا الدعوى إليها مباشرة حكمت المحكمة بعدم قبولها. وأطلق على غرفة الاتهام هذا الاسم لاعتبارين: الأول: هو أن جلساتها تعقد في غير علانية إما في غرفة المداولة أو في إحدى غرف المحكمة، والثاني: أنها الجهة الوحيدة التي تملك توجيه الاتهام في الجنايات بالإحالة إلى محكمة الجنايات([24]) أو النيابة العامة. إذا ما انتهى التحقيق يستطيع قاضي التحقيق أن يتخذ أحد القرارات التالي: v الأمر بالإحالة إلى غرفة الاتهام. إذا كانت الواقعة جناية وجب على قاضي التحقيق إحالتها إلى غرفة الاتهام، ويكلف النيابة العامة بإرسال الأوراق إليها. ويفصل قاضي التحقيق في الأمر الصادر بالإحالة إلى غرفة الاتهام في الاستمرار حبس المتهم احتياطيا أو الإفراج عنه، أو في القبض عليه وحبسه احتياطياً إذا لم يكن مقبوضاً عليه من قبل أو كان قد أفرج عنه (المادتان 136/137 إ.ج). الأمر بالإحالة إلى المحكمة الجزئية. ويكون ذلك في حالتين: الأولى- إذا كان رأي قاضي التحقيق أن الواقعة جنحية أو مخالفة يحيل المتهم إلى المحكمة الجزئية، وعلى النيابة العامة عند صدور قرار الإحالة أن ترسل جميع الأوراق والأشياء المضبوطة إلى قلم كتاب المحكمة في ظرف يومين وإعلان الخصوم بالحضور أمام المحكمة في أقرب جلسة وفي المواعيد المقررة (المادة 135 إ.ج). الثانية- يجوز لقاضي التحقيق بدلاً من تقديم الدعوى إلى غرفة الاتهام أن يصدر أمراً بإحالتها إلى المحكمة الجزئية إذا رأى أن الجناية قد اقترنت بأحد الأعذار القانونية أو الظروف المخففة التي من شأنها تخفيض العقوبة إلى حدود الجنح، ويجب أن يتضمن الأمر الأعذار أو الظروف المخففة التي بُني عليها، وللمحكمة في هذه الحالة أن تحكم بعدم الاختصاص إذا رأت أن ظروف الدعوى لا تبرر تخفيض العقوبة إلى حدود الجنح. أما إذا كانت النيابة العامة هي المختصة بالتحقيق فإنها تستطيع أن تتصرف بمقتضى القرارات التالية: v الأمر بألاّ وجه لإقامة الدعوى: إذا رأت النيابة العامة بعد التحقيق أنه لا وجه لإقامة الدعوى تصدر أمراً بعدم وجود وجه لإقامتها وتأمر بالإفراج عن المتهم ما لم يكن محبوساً لسبب آخر، ويجب أن يصدر هذا الأمر في مواد الجنايات من رئيس النيابة أو من يقوم مقامه (المادة 182 إ.ج)، وللنائب العام سلطة إلغاء هذا الأمر خلال ثلاثة أشهر من تاريخ صدوره. v الأمر بالإحالة إلى غرفة الاتهام: إذا رأت النيابة العامة بعد التحقيق أن الواقعة مخالفة أو جنحة أو جناية وأنها ثابتة ثبوتاً كافياً على شخص أو أكثر ترفع الدعوى للمحكمة المختصة بنظرها بطريقة تكليف المتهم بالحضور أمام المحكمة الجزئية في الجنح والمخالفات، وأمام غرفة الاتهام في الجنايات (م.187 أ.ج). هذا وقد خوّل القانون غرفة الاتهام عند نظرها في الأوامر الصادرة بالإحالة إليها من قاضي التحقيق أو النيابة العامة أن تجري تحقيقاً تكميليا، ولها أن تُدخل في الدعوى وقائع أخرى أو أشخاصاً آخرين مع إجراء التحقيق اللازم لذلك (المادة 148 إ.ج)، أما إذا رأت أن الدلائل كافية على المتهم وترجحت لديها إدانته وكانت الواقعة جناية، فتأمر بإحالتها إلى محكمة الجنايات. أما إذا كانت الواقعة جنحة أو مخالفة فتأمر بإحالتها إلى المحكمة الجزئية المختصة، ويجوز لها أيضاً الإحالة في مواد الجنايات إلى المحكمة الجزئية متى اقترنت الجناية بأحد الأعذار القانونية أو الظروف المخفّفة التي من شأنها تخفيض العقوبة إلى حدود الجنح (المادة 153 إ.ج). وإذا ما انتابها الشكّ في وصف التهمة إن كانت جنحة أو جناية، فيجوز لها إحالتها إلى محكمة الجنايات بالوصفين لتحكم بما تراه (المادة 153 إ.ج)، وعلى خلاف ذلك تصدر غرفة الاتهام أمراً بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى إذا رأت أنّ الواقعة لا يعاقب عليها القانون أو كانت الدلائل غير كافية (المادة 153 أ.ج). لم ينص التشريع الإجرائي الليبي على ضمانات صريحة للمتهم إزاء أوامر التصرف في التحقيق الابتدائي، ومع ذلك يمكننا استخلاص ضمانتين من فحوى النصوص المتعلقة بأوامر التصرف في التحقيق الابتدائي لعل أهمها تلك الحجيّة المؤقتة التي رتبها المشرّع على قرار سلطة التحقيق بألاّ وجه لإقامة الدعوى، حيث لا يجوز للمحقق السير في الإجراءات إلاّ بظهور أدلة جديدة |