|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
الفصل الخامس قراءة في قانون إلغاء محكمة الشعب رقم 7 لسنة 1373 و.ر. (الأبعاد والإشكالات الإجرائية) ([1])
توطئة.. بتاريخ 12 أي النار 1373 و.ر أصدر "مؤتمر الشعب العام" القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر بشأن إلغاء محكمة الشعب ليجري العمل به من تاريخ صدوره. وجاء القانون متضمنا سبع مواد نصت المادة الأولى منه على إلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي المنشأين بالقانون رقم 5 لسنة 1988ف، في حين قضت المادة الثانية بأن تؤول الاختصاصات والصلاحيات التي كانت مسندة إلى كل من محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي بموجب القانون رقم 6 لسنة 1988 إفرنجي إلى المحاكم والنيابات المختصة أو التخصصية. واستثناء من حكم المادة السابقة أي الثانية نصت المادة الثالثة على نقل الاختصاص بالفصل في دعاوى الطعون المتعلقة بالاختيار الشعبي (التصعيد الشعبي) إلى المحكمة الشعبية وفق الإجراءات التي تحددها أمانة مؤتمر الشعب العام. أما المادة الرابعة من القانون فقد تضمنت أحكاماً مرحلية غايتها بيان الطريقة التي ينبغي اتباعها في التعامل مع الدعاوى المتداولة أمام دوائر المحكمة ابتداءً واستئنافاً وتلك التي لازالت في طور التحقيق أمام مكتب الادعاء الشعبي. وإذا كانت مبررات إلغاء محكمة الشعب لم تعد خافية على أحد فإن إصدار القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر أثار العديد من التساؤلات لدى المهتمين من قضاه وباحثين، وذلك بحكم عدم وجود مذكرة إيضاحية مرفقة بالقانون تستجلي النصوص وتبين المقاصد، الأمر الذي يقتضي دراسة أحكام هذا القانون في ضوء الغاية التي توخاها المشرع من إصداره من ناحية والإشكالات الإجرائية التي يثيرها على صعيد التطبيق من ناحية أخرى، دراسة تحليلية نقدية لعلها تسهم في إنارة بصيرة أولئك الذين يعنيهم تفسير القانون وتطبيق أحكامه. وبمطالعتي لما تضمنه القانون من أحكام مختصرة قفزت إلى ذهني عدة تساؤلات تدور في جانب منها حول مصير القانون رقم 5 لسنة 1988 إفرنجي وتعديلاته، فهل يا ترى انتهى به المصير إلى ما آل إليه مصير المحكمة ومكتب الادعاء كهيئتين؟ وإذا كانت الإجابة بنعم فهل يا ترى وقع الإلغاء بشكل كلي أم بشكل جزئي؟ لاسيما أن القانون رقم 7 لسنة 1973 و.ر لم يتضمن نصاً صريحاً بالإلغاء. وجاء الجانب الأخر من التساؤلات منصبّاً على المسائل الإجرائية التي يثيرها نقل الاختصاص وإحالة الوقائع والدعاوى إلى الجهات القضائية من محاكم ونيابات مختصة وتخصصية. لذلك يبدو من الملائم تقسيم هذا البحث إلى ثلاثة جوانب يتناول الجانب الأول مصير القانون رقم 5 لسنة 1988 إفرنجي وتعديلاته تحت عنوان (القانون رقم 5 لسنة 1988 إفرنجي بين الإلغاء الكلي والإبقاء الجزئي)، ونعالج في الجانب الثاني (الإشكالات الإجرائية المترتبة على نقل الاختصاص إلى القضاء العام)، ونطرح في الجانب الثالث (جملة من الملاحظات والاقتراحات والمعالجات). أولاً: القانون رقم 5 لسنة 1988 إفرنجي وتعديلاته بين الإلغاء الكلي والإبقاء الجزئي.. يوحي العنوان الذي أوردناه بعالية أن مصير القانون رقم 5 لسنة 1988 ف لازال غامضاً، ومبعث الغموض في هذا الجانب أن القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر لم ينص صراحة على إلغاء القانون برمته كأداة إنشاء ومضمون، حينئذ يصير الأمر واضحا لا لبس فيه، ويصير باب الاجتهاد موصداً أمام كل مجتهد عملاً بقاعدة لا اجتهاد مع صراحة النص. بيد أن المشرع اتجه "فيما نرى" اتجاهاً مغايراً فهو لم يلغ كافة نصوص القانون رقم 5 لسنة 1988 ف، بل اتجهت أرادته الصريحة إلى إلغاء المحكمة ومكتب الادعاء الشعبي كهيئتين، والبون شاسع بين الأمرين، ولأجل إجلاء هذه المسألة ينبغي أن نشير إلى أن القانون رقم 5 لسنة 1988 ف لم يكن مجرد قانون إجرائي صرف، وبعبارة أخرى لم يكن هذا القانون مجرد وسيلة إنشاء لهيئة قضائية، بل تضمن أحكاماً موضوعية على درجة عالية من الأهمية، منها ما يقع في إطار الرقابة على المشروعية وحماية حقوق الإنسان وحرياته (دعاوى الطعن في إجراءات الاختيار الشعبي والطعن في القرارات الصادرة عن المؤتمرات الشعبية الأساسية بالمخالفة للقوانين المصاغة في مؤتمر الشعب العام 'البنود ثانياً وثالثاً ورابعاً من المادة 9 من القانون رقم 5 لسنة 1988 المعدل بالقانون رقم 7 لسنة 1426'. ويقع جانب أخر منها في إطار حماية حقوق المواطن المدنية كحقه في التعويض عن أمواله المنقولة الناتجة عن الانحراف في تطبيق المقولات الثورية وفق شرط حددها القانون البند السادس من المادة 9 المشار إليها سلفاً). ومما يعزز هذا الفهم أن المشرع نفسه قد أشار في ديباجة القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر إلى القانون رقم 5 لسنة 1988 ف وتعديلاته، بل جاء تصميمه واضحاً على عدم الإلغاء الكلي لأحكام القانون رقم 5 لسنة 1988 ف عندما قرر في المادة الثانية الآتي (تؤول الاختصاصات والصلاحيات التي كانت مسندة إلى كل من محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي بموجب القانون رقم 5 لسنة 1988 ف إلى المحاكم والنيابات المختصة أو التخصصية). وأضاف في المادة الثالثة حكماً أخر يقضي بنقل الاختصاص بالفصل في دعاوى الطعون المتعلقة بالاختيار الشعبي إلى المحاكم الشعبية وفقاً للإجراءات التي تحددها أمانة مؤتمر الشعب العام. وبإمعان النظر في هذه النصوص نلاحظ الآتي.. جاءت هذه النصوص مقررة لحقوق لا أصل لها في القوانين النافذة عشية صدورها، فالرقابة على المشروعية من خلال حق المواطن في الطعن على إجراءات الاختيار الشعبي أي "بناء سلطة الشعب" وكذا الطعن في قرارات المؤتمر الشعبي الأساسي الصادرة بالمخالفة للقوانين السيادية، وحقه في اللجوء إلى القضاء طعناً على الإجراءات والقرارات الماسة بحريته وحقوقه الأساسية الأخرى هي من صميم النصوص الموضوعية التي تقرر حقوقهاً تبلغ في درجة أهميتها مرتبة الحقوق المقررة بموجب الدساتير أو القوانين الأساسية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى جاءت بعض نصوص القانون رقم 5 لسنة 1988 ف لاغية لقوانين مرحلية كانت نافذة عشية صدوره. ونشير في هذا المقام إلى القانون رقم 7 لسنة 1985ف الذي حجب عن المواطن حقاً طبيعياً في اللجوء إلى القضاء للمطالبة بالتعويض عن الأخطاء والانحرافات المترتبة على تطبيق المقولات الثورية الواردة في الكتاب الأخضر أو بسبب زحف المنتجين على المصانع والوحدات الإنتاجية والشركات والمنشآت والأنشطة التجارية الخاصة أو بسبب الإجراءات التي تتخذ بشأن الأراضي الزراعية. وبصدور القانون رقم 5 لسنة 1985 ف فتح المجال أمام المواطن ليدعي أمام دوائر محكمة الشعب دون غيرها من المحاكم وفي إطار ما يسمى بالاختصاص المانع للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي ألحقتها به تلك الانحرافات والزحوفات والإجراءات. فهل يا ترى اتجهت إرادة المشرع إلى إلغاء هذه الأحكام الموضوعية وهو لم يبادر بإصداره للقانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر إلا لتعزيز حقوق الإنسان وحماية حرياته الأساسية من خلال الادعاء أمام قاضيه الطبيعي وطرق باب القضاء متى شاء له ذلك؟ إن الفهم الصحيح للنصوص التي تضمنها القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر لا تؤيد مطلقاً –فيما نرى- إلغاء كافة الأحكام التي تضمنها القانون رقم 5 لسنة 1988 ف وتعديلاته بل اقتصر الإلغاء على النصوص الإجرائية التي ارتبطت وجوداً وعدماً بمحكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي؛ ومن قبيل هذه النصوص الأحكام المتعلقة بكيفية تشكيل الدوائر ومواعيد وطرق الطعن في الأحكام فيما يخص المحكمة، ومثلها من القواعد المتعلقة بالتحقيق ورفع الدعوى الجنائية، فيما يخص مكتب الادعاء الشعبي. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن أكثر الإجراءات قسوة تلك التي خولها القانون رقم 7 لسنة 1426 م لرئيس وأعضاء مكتب الادعاء الشعبي فيما يخص الأمر بالحبس الاحتياطي وتمديد مدته التي تبلغ مائة وخمسة وثلاثين يوماً قبل أن يحال طلب التمديد للمحكمة التي لا تتقيد بسقف أعلى في التمديد –عدداً ومدة-، كما لا يتقيد مكتب الادعاء الشعبي عند رفع الدعوى الجنائية بأي قيد من القيود المقررة في قانون الإجراءات الجنائية، ولا سيما منها الطلب والإذن اللذين كانا يحدان على نطاق واسع من سلطة النيابة العامة في رفع الدعوى الجنائية. ومختصر القول في هذا الجانب أن الأحكام الإجرائية التي وردت بنص القانون رقم 5 لسنة 1988 ف وتعديلاته يفترض أنه قد شملها الإلغاء تبعاً لإلغاء المحكمة ومكتب الادعاء الشعبي تطبيقاً لقاعدة أن الإجراءات تتبع الاختصاص. وينسحب هذا القول أيضاً على طرق الطعن في الأحكام ومواعيدها. والجدير بالذكر في هذا الشأن أن القانون رقم 5 لسنة 1988 ف المعدل بالقانون رقم 7 لسنة 1426م كان قد أجاز للخصوم في كافة الدعاوى الجنائية والمدنية الطعن بالاستئناف في الأحكام الصادرة عن الدوائر الابتدائية، وبالمقابل حجب عنهم حق الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا –فيما عدا الأحكام الصادرة بعقوبة الإعدام: (العرض بقوة القانون). وإذا كان الطعن بالاستئناف قد شكل في ظل قضاء محكمة الشعب ضمانة للمتهمين في مواد الجنايات مقارنة بما هو عليه الحال في القضاء العادي، فإننا في هذا المقام نحث المشرع الليبي إلى المبادرة بتعديل أحكام قانون الإجراءات الجنائية ليكون التقاضي في مواد الجنايات على درجتين أسوة بما هو مقرر في مواد الجنح التي تعد أقل خطورة من الجنايات، وكذلك رفعاً لهذا الشذوذ. ونخلص مما تقدم إلى أن إلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي لا يعني بالضرورة إلغاء كافة الأحكام الواردة بالقانون رقم 5 لسنة 1988 ف وتعديلاته. بل انحصر الإلغاء –في ظل صمت- المشرع على النصوص التي زالت مبررات وجودها بزوال محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي، وهذا يعني بحكم اللزوم العقلي والاستنتاج المنطقي بقاء النصوص الموضوعية التي اختصت بتنظيم حق المواطن في اللجوء إلى القضاء للرقابة على المشروعية أو للتظلم من الإجراءات والقرارات الماسة بحقوقه وحرياته الأساسية. كما ينبغي التوكيد مرة أخرى على ثبات حق المواطن في اللجوء إلى القضاء المدني للمطالبة بالتعويض عن الأموال المنقولة التي تم الاستيلاء عليها بسبب الانحراف عن تطبيق المقولات الثورية طبقاً للشروط المقررة قانوناً وهي:- 1. أن يكون كسب المدعي للمال المطالب بالتعويض عنه كسباً حلالاً: 2. أن تكون ملكية المدعي للمال غير مستغلة ناتجة عن جهده دون استغلال الغير. 3. أن يثبت المدعي التزامه بسداد الضرائب المستحقة للخزانة العامة عن النشاط الاقتصادي الذي كان يمارسه وقت الزحف. هذا، والجدير بالملاحظة أن رفع مثل هذه الدعاوى جاء طليقاً من أي شرط زمني أو أي أجراء شكلي آخر. ثانياً: الإشكالات الإجرائية المترتبة على نقل الاختصاص.. جاءت المادة الرابعة من قانون إلغاء محكمة الشعب رقم 7 لسنة 1373 و.ر متضمنة أحكاماً انتقالية غايتها معالجة الإشكالات المترتبة على إلغاء الهيئتين. ويعكس هذا النص إصرار المشرع على وجوب العمل بأحكامه منذ تاريخ صدوره في 12 من شهر أي النار 1373 و.ر -2005 ف وهذا النهج في الإلغاء جاء مخالفاً للأحكام العامة المقررة في قانوني المرافعات المدنية والتجارية والإجراءات الجنائية من ناحية وللمبادئ التي تحكم تعاقب القوانين من حيث الزمان من ناحية أخرى. ولأجل البيان ينبغي عرض الفقرات الثلاثة التي تضمنتها المادة الرابعة من قانون الإلغاء وذلك على النحو التالي:- 1. نصت الفقرة الأولى من هذه المادة على أن تحال الوقائع والدعاوى المنظورة أمام محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي إلى المحكمة أو النيابة العامة المختصة أو التخصصية بالحالة التي عليها عند العمل بهذا القانون. وتشير عبارات هذا النص إلى أن منطوق الخطاب جاء موجهاً إلى كل من مكتب الادعاء الشعبي ودوائر محكمة الشعب الابتدائية. أي ينبغي على مكتب الادعاء الشعبي إحالة كافة الوقائع المتداولة أمامه إلى النيابة العامة المختصة أو التخصصية بالحالة التي هي عليها. وهذا يعني زوال الاختصاص وانتهاء الولاية فلا يستطيع أحد بمكتب الادعاء الشعبي بصفته السابقة القيام بأي إجراء من إجراءات التحقيق أو الاتهام، وكذا الأمر فيما يخص دوائر محكمة الشعب الابتدائية حتى ولو كانت الدعاوى قد تهيأت للحكم بإقفال باب المرافعة فيها. وفي هذا الشأن نلاحظ أن المشرع قد خرج بنص صريح على الأحكام العامة المقررة في المادة الأولى من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تستثني من مجال تطبيق القانون الجديد بأثر فوري على الدعاوى التي تهيأت للحكم بعد إقفال باب المرافعة فيها لجملة من الاعتبارات العملية لعل من أهمها عدم إطالة أمد التقاضي ولأجل تجنب الخصوم المصاريف والنفقات.... ولكن إرادة المشرع شاءت ذلك؛ فله ما أراد. 2. وجاء نص الفقرة الثانية من المادة الرابعة متعلقاً بالدعاوى الجنائية المتداولة أمام الدائرة الاستئنافية بمحكمة الشعب مقرراً ما يلي:- · إحالة الدعوى المستأنفة في مواد الجنح والمخالفات بالحالة التي هي عليها إلى المحكمة المختصة بنظرها وهي إما دائرة الجنح والمخالفات المستأنفة بالمحكمة المختصة أو التخصصية للفصل فيها. · إحالة الدعاوى المستأنفة في مواد الجنايات إلى النائب العام ليقرر إما إحالتها إلى محكمة الجنايات المختصة أو إلى محكمة الاستئناف 'جنايات' التخصصية وذلك لإعادة محاكمة المتهم طبقاً لقرار الاتهام مراعاة أحكام المادة 379 من قانون الإجراءات الجنائية. والذي يمكن استخلاصه من هذا النص أن المشرع فرّق في المعاملة بين دعاوى الجنح والمخالفات من ناحية ودعاوى مواد الجنايات من ناحية أخرى. وأوجه الاختلاف في المعاملة تنحصر في أمرين اثنين هما: الجهة المحالة إليها الدعوى من جانب ومصير الحكم الابتدائي الصادر فيها من جانب أخر. وبيان ذلك أن الجهة المحالة إليها الدعوى في الجنح والمخالفات هي المحكمة المختصة بنظر الاستئناف آياً كان نوعها مختصة أو تخصصية في حين تكون الإحالة في دعاوى الجنايات إلى النائب العام رغم سبق إحالتها والفصل فيها أمام المحكمة الابتدائية. ويتمثل وجه الخلاف الأخر في أن المشرع لم يقرر إعادة المحاكمة في مواد الجنح والمخالفات مثلما فعل في مواد الجنايات وكأنه بذلك أبقى على الحكم الابتدائي الصادر فيها، في حين قرر بنص صريح إعادة محاكمة المتهم بجناية مقرراً في الوقت ذاته وجوب التزام المحكمة بقاعدة عدم مضارة الطاعن بطعنه في كافة المواد جنحاً أكانت أم جنايات. وهذا المنهج الذي سلكه المشرع في التعامل مع هذه الدعاوى نراه مخالفاً للقواعد العامة المقررة في قوانين المرافعات المدنية والتجارية والإجراءات الجنائية من جانب ولقواعد العدالة والإنصاف من جانب أخر. وبيانه أن إعادة المحاكمة في مواد الجنايات تعني إلغاء مرحلة المحاكمة التي تمت أمام محكمة الدرجة الأولى (الدائرة الابتدائية) على اعتبار أن القانون رقم 5 لسنة 1988 ف ضمن للمتهم الحق في التقاضي على درجتين ابتداءً واستئنافاً، في حين يترتب على إعادة المحاكمة حرمان المتهم من حق كان مقرراً له قبل صدور القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر ولا يخفف من وطأة هذا الحرمان وجوب التزام المحكمة بقاعدة عدم مضارة الطاعن بطعنه التي لا نرى مجالاً لتطبيقها في حالة إعادة المحاكمة ذلك أن المحكمة المحالة إليها الدعوى من قبل النائب العام إنما تنظرها ابتداءً وانتهاءً على درجة واحدة غير مقيدة في ذلك بالحكم الصادر فيها من دائرة محكمة الشعب الابتدائية. وهكذا وضع المشرع نفسه في حالة من التناقض، فهو يقرر من ناحية إعادة المحاكمة متنكراً لمرحلة المحاكمة السابقة ويلزم المحكمة المحالة إليها الدعوى بألا تضير الطاعن بطعنه في حالة ما يكون الاستئناف مرفوعاً من جانب المتهم فقط وبالتالي خالف المشرع المبادئ المستقرة في فقه قانون الإجراءات الجنائية التي تقضي بعدم إلغاء الإجراءات التي اتخذت في ظل القانون السابق عملاً بمبداً تطبيق القانون الإجرائي بأثر فوري، وعدم تطبيقه بأثر رجعي. وهذا ما أكدت عليه المحكمة العليا الموقرة في حكم رصين لها بقولها إن صدور قانون الإجراءات قد وضع لتنظيم شكل الدعوى وإجراءات المرافعة فيها، ومن المسلم به فقهاً وقضاءً أن أي إجراء يتخذ صحيحاً في ظل قانون قائم لا يتأثر بصدور قانون أخر ينظم هذا الإجراء على نحو مغاير لما كان عليه([2]). كما خالف المشرع من ناحية أخرى أحكام المادة الأولى من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي تستثني من مجال التطبيق بأثر فوري القوانين المعدلة للمواعيد متى كان الميعاد قد بدأ قبل تاريخ العمل بها والقوانين المنظمة لطرق الطعن بالنسبة لما صدر من الأحكام قبل تاريخ العمل بها متى كانت لاغية أو منشئة لطريق من تلك الطرق. ورغم نبل الدوافع الكامنة وراء إعادة المحاكمة إلا أننا لا نؤيد المشرع في منهجه هذا الذي جاء مخالفاً للأحكام العامة المقررة في قانون الإجراءات الجنائية ومجافياً لقواعد العدالة والإنصاف. فإعادة المحاكمة تؤدي إلى إطالة أمد النزاع بالنسبة للمتهمين الذين يقبع جلهم داخل مؤسسات الإصلاح والتأهيل في انتظار فرز القضايا وتقرير ما يحال منها إلى محاكم الجنايات ومحكمة الاستئناف التخصصية. وكان حرياً بالمشرع استثناء هذه القضايا من الإحالة إلى النائب العام لتستمر ولاية الدائرة الاستئنافية بالفصل فيها مع تمكين الخصوم من الطعن بالنقض على الأحكام الصادرة فيها أمام المحكمة العليا. والجدير بالملاحظة في هذا المقام أن المشرع أغفل إيراد أحكام انتقالية فيما يخص الدعاوى المدنية المتداولة أمام الدائرة الاستئنافية الأمر الذي يلقي بظلال من الشك حول كيفية الإحالة لاسيما وأن بعض هذه القضايا لا يدخل في اختصاص القضاء العام كما هو الحال في الدعاوى المتعلقة بالطعن على قرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية الصادرة بالمخالفة للقوانين السيادية. فهل يا ترى ستجري إحالتها إلى دوائر القضاء الإداري أم إلى المحاكم الشعبية بالمؤتمرات الشعبية الأساسية؟..... وأياً كان الأمر، فإن المبادرة بإلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي تعد في تقديرنا خطوة إيجابية في طريق تعزيز الحقوق والحريات الأساسية والتي يعد حق المواطن في التقاضي أمام قاضيه الطبيعي من أكثرها إلحاحا وأهمية في الزمن المعاصر. ثالثاً: الملاحظات والمقترحات والمعالجات.. أ. الملاحظات: 1) لما كانت الغاية من إصدار هذا القانون هي إلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي كهيئتين قضائيتين استثنائيتين تنفيذاً لتوجيهات الأخ قائد ثورة الفاتح من سبتمبر العظيم، فإنه وبمطالعة أحكام القانون، يبين على وجه اليقين أن المشرع قد ألغى الهيئتين ككيان مادي، ونقل الصلاحيات والاختصاصات الاستثنائية التي كانت مسندة إليهما كقضاء استثنائي إلى المحاكم والنيابات المختصة أو التخصصية، الأمر الذي قد يؤدي إلى وصم هذه الهيئات بالصفة الاستثنائية. 2) ترتب على أيلولة الاختصاصات والصلاحيات الاستثنائية التي كانت مسندة إلى مكتب الادعاء الشعبي والمحكمة، أن صارت هيئات القضاء العام (نيابات ومحاكم) تخضع لنظامين في المحاكمات الجنائية أحدهما عادي والأخر استثنائي فرضه العمل بالقانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر، ومن ذلك مثلاً: · الاختلاف في طرق إحالة القضايا من النيابة العامة إلى هيئات المحاكم، حيث يجري إحالة بعضها من النيابة العامة مباشرة إلى دوائر المحكمة التخصصية، في حين يحال البعض الأخر دون معيار موضوعي إلى دوائر الجنايات عبر غرفة الاتهام بدعوى أن صلاحيات مكتب الادعاء الشعبي قد آلت إلى النيابة التخصصية... · اختلاف مدة الحبس الاحتياطي بحسب اختلاف صفة النيابة المختصة بالتحقيق، فإن كانت نيابة عامة فإنها تلتزم بالمدة المقررة في قانون الإجراءات الجنائية (القانون العام)، أما إذا أحيلت القضية من قبل النائب العام أو من يفوُضه في ذلك إلى النيابة التخصصية فإن مدة الحبس الاحتياطي تكون مختلفة كليةً عما هو مطبق في النيابات العامة بدعوى أن صلاحيات مكتب الادعاء الشعبي قد آلت إلى النيابة التخصصية. · تملك النيابة التخصصية صلاحيات واسعة استثنائية فيما يخص رفع الدعوى دون أي قيد يحد من سلطتها (الشكوى، الإذن، الطلب) وذلك على خلاف النيابات العامة بحجة أن صلاحيات مكتب الادعاء الشعبي قد آلت إلى النيابة التخصصية. · تملك النيابة التخصصية صلاحيات واسعة استثنائية في مجال التحفظ على أموال المتهم، وكذا عند تنفيذ الأحكام القضائية بالإدانة استناداً إلى الصلاحيات التي خولها القانون رقم 14 لسنة 1369 و.ر لمكتب الادعاء الشعبي بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 2 لسنة 1979 ف بشأن الجرائم الاقتصادية، حيث يتم التنفيذ بطريقة استثنائية لا تخضع لأحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية والإجراءات الجنائية. 3) كشف التطبيق العملي لهذا القانون عن إشكاليات عديدة منها إثارة دفوع جوهرية تتعلق بعدم المشروعية (عدم الدستورية) من ناحية، وعدم الولاية والاختصاص ببطلان أوامر الإحالة من ناحية أخرى وقد حظي بعض هذه الدفوع بالقبول أمام دوائر المحكمة التخصصية حيث قضى بعضها بعدم قبول الدعوى بسبب بطلان أمر الإحالة وسوف يوقف بعضها السير في الدعوى إلى حين الفصل في الدفع بعدم الدستورية أمام المحكمة العليا (الدائرة الدستورية التي استأنفت عملها بعد تعديل نص المادة (23) من القانون رقم "6" لسنة 1982 م بإعادة تنظيم المحكمة العليا، المعدل بالقانون رقم "17" لسنة 1423 م والقانون رقم "8" لسنة 1372 و. ر). ب. الاقتراحات والمعالجات.. لما كان التشريع لا يلغي إلا بتشريع لا حق ينص صراحة أو ضمناً على الإلغاء، لذا فإنه وفي ضوء ما تقدم نرى أن الحل الأمثل هو إعادة النظر في القانون رقم 7 لسنة 1373 و.ر على النحو الأتي: 1. إصدار قانون جديد يقضي بإلغاء القانون رقم 5 لسنة 1988 ف وتعديلاته، مع الإبقاء على بعض النصوص التي لا نظير لها في القوانين النافذة مثل النص الذي يقر للمواطن بحق في الطعن في القرارات والإجراءات الماسة بحقوقه وحرياته الأساسية، وحقه في الطعن على إجراءات التصعيد الشعبي، على القرارات التي تصدر من المؤتمرات الشعبية الأساسية بالمخالفة للقوانين السيادية. وكذا حقه في رفع دعاوى التعويض عن أمواله المنقولة التي استولت عليها جهة الإدارة بالمخالفة للقوانين النافذة مع نقل الاختصاص بنظرها إلى هيئات المحاكم وفق القوانين الإجرائية النافذة، والأخذ بعين الاعتبار نوع خاص منها وهي دعاوى الطعن على إجراءات التصعيد الشعبي حيث يمكن إسناد هذا الاختصاص بالفصل فيها ابتداءً وانتهاءً إلى المحاكم الشعبية بالمؤتمرات نظراً لطابع الاستعجال الذي يميزها مع الالتزام بنظرها وفق لائحة إجراءات النظر في الطعون المتعلقة بالتصعيد الشعبي. 2. نهيب بأمانة مؤتمر الشعب العام إشراك عناصر قانونية متخصصة من أساتذة الجامعات ورجال القضاء عند تشكيل لجان لصياغة ومراجعة القوانين قبل إصدارها. ([1]) بحث قدمه الباحث للندوة التي انعقدت بمعهد القضاء تحت عنوان "الإشكالات العملية المترتبة على إلغاء محكمة الشعب" في ربيع سنة 2005 ف. ([2]) طعن جنائي في 13/06/1964 ف، مجلة المحكمة العليا س1، ع2، ص45.
|
|
|
|