|
Libya4ever ليبيا أبدا |
|
|
الفصل الثاني استقلال السلطة القضائية بين الحماية والانتهاك
توطئة: تجمع كافة النظم القانونية السائدة في العالم اليوم على وجوب ضمان استقلال السلطة القضائية عن غيرها من السلطات الأخرى في الدولة إعمالاً لمبدأ الفصل بين السلطات الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو في كتابه "روح الشرائع". ومنذ ذلك التاريخ ما انفكت الدول تؤكد على هذا المبدأ في متن إعلاناتها ومواثيقها الحقوقية وتدبجة في صدر دساتيرها، بياناً منها لحدود اختصاصات كل سلطة، ومنعاً لافتئات إحداها على الأخرى. وإذا كان المبدأ في أصله يقضي بضرورة الفصل المطلق بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، فإن مفهومه قد تطور مع الزمن نزولاً عند حكم الضرورة حيناً ولاعتبارات عديدة أخرى حيناً أخر، حتى أصبح مضمونه في الزمن المعاصر يكاد يكون مختلفاً عن ذاك الذي ظهر به لأول مرة في أواخر القرن الثامن عشر، فقد صارت السلطة التنفيذية تقاسم السلطة التشريعية بعض اختصاصاتها من خلال ما يعرف اليوم بتشريعات الضرورة أو التفويض أو الطوارىء لأسباب معلومة، وصارت السلطة التشريعية تتدخل بشكل أو أخر في أعمال السلطة القضائية، وصارت هذه الأخيرة تراقب أعمال السلطتين الأخرتين من خلال ما يعرف بالرقابة على دستورية القوانين فيما يخص السلطة التشريعية، ورقابة القضاء على أعمال الإدارة فيما يخص السلطات التنفيذية، حتى ساد اليوم القول بأن الفصل بين السلطات إنما هو مجرد توزيع الوظائف بين مؤسسات الدولة يقوم على أساس من التعاون بينها تحقيقاً للمصلحة العامة، بل إن هناك من فقهاء القانون من لم يعد يقر بوجود هذا المبدأ لزوال مبررات وجوده. وبيان ذلك أن الفصل بين السلطات أنما ولد في ظل أنظمة الحكم النيابية حيث يسود مفهوم سيادة الأمة ليقتصر دور الشعب في ظله على اختيار من ينوب عنه في الحكم بطريق الانتخاب، في حين يتلاشى هذا المبدأ في ظل نظام سلطة الشعب (الديمقراطية المباشرة) تطبيقاً لبنود إعلان قيام سلطة الشعب الصادر في 2 مارس "الربيع" 1977 مسيحي. إلا أننا لا نؤيد هذا الرأي فيما انتهى إليه من أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يعد له وجود بالمطلق، وأنه قد ترك المجال لمبدأ أخر يقوم على وحدة السلطة ووحدة الجهة التي تملكها ألا وهو الشعب من خلال المؤتمرات الشعبية التي تضم كافة المواطنين الليبيين رجالاً ونساءً ممن بلغوا سن الرشد وهي الثامنة عشرة. ولإجلاء هذه المسألة ينبغي التمييز بين أمرين: سيادة الشعب المطلقة التي لا تقبل القسمة أو التنازل أو التفويض، مجسدة في المؤتمرات الشعبية التي تختص اختصاصاً مانعاً بسن القوانين ورسم سياسات الدولة العامة، وبين ممارسة وظائف الدولة العامة، حيث من غير الممكن أن يقوم الشعب في مجموعة بتطبيق القوانين وفض المنازعات وتنفيذ القرارات السيادية التي سبق إصدارها، وبالتالي لا بد من أن يوكل الأمر إلى هيئات عامة تتولى وظيفة القضاء، وإدارة مرافق الدولة في حدود ما يوكل إليها من اختصاصات ومهام بموجب القوانين النافذة. وهذا ما تم صياغته في إعلان قيام سلطة الشعب)[1](، والمادة الثانية والثلاثين من قانون تعزيز الحرية التي نصت على أنه لا يجوز لأي جهة عامة تجاوز اختصاصاتها والتدخل في أمور غير مكلفة بها، وكذا ما قررته المادة الحادية والثلاثون من أن القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في أحكامهم لغير القانون. ونخلص مما تقدم إلى عدم وجود تعارض بين مبدأ وحدة السلطة التي يملكها الشعب وحده، وبين مبدأ توزيع الوظائف العامة، لاسيما إذا ما علمنا أن كافة الأجهزة التنفيذية في الدولة الليبية تخضع لرقابة الشعب ومساءلته باستثناء الهيئات القضائية. على أن الذي يعنينا في هذا المقام بيان الضمانات المقررة لاستقلال القضاء كوظيفة عامة في وسط الوظائف الأخرى للدولة بصرف النظر عن طبيعة نظام الحكم السائد فيها، ثم إبراز مظاهر التدخل في دائرة النشاط القضائي، وعلاقة كل ذلك بحقوق الإنسان. أولاً: مفهوم وضمانات مبدأ استقلال السلطة القضائية.. لعله من نافلة القول التذكير بأن السلطة القضائية ممثلة في هيئات المحاكم والنيابات هي الحارس الأمين على القانون، منه تستمد شرعية وجودها وقوام ولايتها، وبه تهتدي في معرفة حدود اختصاصاتها، ومقدار السلطة المقررة لها عند الفصل في المنازعات المطروحة عليها، وبعبارة أخرى أكثر إيجازاً تخضع السلطة القضائية لمبدأ الشرعية في الوجود ولأحكام القانون في التطبيق، وهذا بالضرورة يقودنا إلى البحث في الركائز التي يقوم عليه بناء السلطة القضائية من ناحية، ووجوب التزامها بالقانون نصاً وروحاً عند ممارستها للوظيفة القضائية من ناحية أخرى. وفي هذا السياق، ولأجل بيان معنى استقلالية السلطة القضائية كضمانة مقررة لها بموجب القانون، تمنع عنه التدخل، وتضمن لها الحيدة والنزاهة في الأداء، وتغرس الثقة في نفس المواطن بحسبان أنها الجهة التي تحمي قوانين الدولة من أي انتهاك، وترعى حقوق المواطنين؛ أجمعت كافة القوانين الأساسية السائدة في العالم اليوم (مواثيق ودساتير وقوانين) على اعتبار السلطة القضائية (هيئات المحاكم والنيابات) هيئات قضائية لا تخضع في عملها سوى للقانون والضمير، وبالتالي يحظر كافة الجهات الأخرى التشريعية منها والتنفيذية التدخل في عملها ضماناً لمبدأ حياد القاضي الذي يجسد استقلال القضاء. ولذلك درجت الدول ومن بينها الجماهيرية الليبية منذ نشأتها على تضمين قوانينها الإجرائية. منها قانون نظام القضاء وقانوني الإجراءات الجنائية والمرافعات المدنية الضمانات الكفيلة باستقلال القضاء وحياد القاضي، وذلك من خلال منع التأثير على استقلاليته أو التدخل في نشاطه. ومن أبرز الضمانات التي يمكن الإشارة إليها أن إدارة شئون المحاكم والنيابات موكولة إلى هيئة مؤلفة من أعضاء الهيئات القضائية وهي المجلس الأعلى للهيئات القضائية، مما يضمن عدم تدحل السلطة التنفيذية في شئون القضاء بما في ذلك أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل)[2]( ]وزير العدل[، وكذا من خلال الأسلوب المتبع في تعيين القضاة ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وعزلهم الذي يخضع لأحكام قانون نظام القضاء تشريعاً، وإلى سلطة المجلس الأعلى للهيئات القضائية تطبيقاً. والجدير بالملاحظة في هذا المقام أن رئاسة المجلس موكولة إلى أمين اللجنة الشعبية العامة للعدل وهو جزء من كيان السلطة التنفيذية ممثلة في اللجنة الشعبية العامة، الأمر الذي قد يخضع المجلس لتأثيرات تلك السلطة في اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة هيئات المحاكم والنيابات، وهذا التخوف له ما يؤيده على صعيد الواقع، إذا ما أدركنا أهمية القرارات التي تصدر عن المجلس الأعلى للهيئات القضائية، لاسيما بعد أن تم تفويضه بإنشاء محاكم استئناف متخصصة في نوع معين من القضايا بموجب القانون رقم "10" لسنة 1425م، بتعديل بعض أحكام قانون نظام القضاء الصادر بالقانون رقم "51" لسنة 1976 ف وبعد أن آلت عديد الاختصاصات الاستثنائية التي كانت مسندة لمكتب الادعاء الشعبي ومحكمة الشعب إلى النيابات والمحاكم التخصصية بمقتضى قانون إلغاء محكمة الشعب رقم "7" لسنة 1373 و.ر، حيث نصت المادة (الثالثة) منه على أن "تؤول الاختصاصات والصلاحيات التي كانت مسندة إلى كل من محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي بموجب القانون رقم "5" لسنة 1988 ف وتعديلاته إلى المحاكم والنيابات المختصة أو التخصصية". وكان هذا القانون قد أثار جدلاً كبيراً في الأوساط العلمية، وتساؤلات عديدة على صعيد التطبيق، بما حاصله أن قانون الإلغاء لم يعبر عن الإرادة الشارعة التي قررت إلغاء محكمة الشعب ومكتب الادعاء الشعبي باعتبارهما هيئتين قضائيتين استثنائيتين مثلما سيرد بيان ذلك تفصيلاً في الفصل الخامس من هذا الكتاب. تلك هي القواعد التي يعتصم بها القاضي في مواجهة السلطات الأخرى تأثيراً أو تدخلاً. وإذا كان القانون يضمن للقاضي هذا القدر من الاستقلالية في مواجهة الغير، فإنه بالمقابل يخضع في عمله، حيث يلتزم في إدارته للعملية القضائية بجملة من المبادىء الأساسية منا النزاهة والحيدة والمساواة بين الخصوم، وهي المبادىء التي تشكل ما يسمى بدستور القضاء ابتغاء تحقيق هدف أسمى ما انفكت البشرية تسعى إلى تحقيقه ألا وهو تحقيق العدالة. وهنا يجد القاضي نفسه أمام عدالة النصوص كما افترضها المشرع، وعدالة الواقع كما يقدرها هو من خلال الوقائع المطروحة عليه، الأمر الذي يفرض عليه القيام بعمل ذهني ونشاط إيجابي يقرب به الوقائع من تلك النماذج التي افترضها المشرع في نصوصه، لذا أطلقت القوانين يده ليقوم بدور إيجابي في إدارة دفة العدالة حتى لا يتحول إلى مجرد آلة في ظل جمود النصوص وعدم تناهي الوقائع بحكم سيرورة الحياة والتغير الذي يحدث على صعيد الواقع الحياتي في المجتمعات. وهكذا يصير القاضي مطالباً بالتقريب بين العدالة الحقيقية بما يحقق الإنصاف والمساواة بين الخصوم، وعلى نحو يتفق مع أحكام القانون واملاءات الضمير، ولذلك كانت مهمة القضاء من أنبل المهن التي لا يقدر عليها سوى الراسخون في العلم ممن نذروا انفسهم لخدمة العدالة.... وفي السياق ذاته، ولأجل تحقيق تلك الأهداف، أقرت كافة التشريعات- الموضوعية منها والإجرائية- للقاضي بسلطات واسعة في تقدير وقائع النزاع أو الخصومة وتكييفها والبحث عن الأدلة وتقييمها أي وزنها حتى يكون حكمه مطابقاً للحقيقة الواقعية، لا كما صورها الخصوم في اوراقهم ومرافعاتهم)[3](. ولأجل فهم الدور الذي يقوم به القاضي عند فصله في موضوع النزاع المطروح عليه نشير بإيجاز شديد إلى تلك المساحة الواسعة التي تفصل عادة بين مقدار الجزاء المقرر بموجب النص في حده الأدنى والأقصى، وإلى نظرية الظروف المخففة والمشددة، والأعذار القانونية وموانع العقاب... وإلى صلاحيات القاضي في التدخل لإعادة التوازن بين الأداءات رفعاً للغبن في المسائل المدنية والتجارية. ومختصر القول أن استقلال القاضي لا يعني وقوفه محايداً أو جامداً عند النظر في المنازعات المطروحة عليه، وإنما يعني باختصار امتناع التأثير عليه في الحكم من أي جهة أخرى بما في ذلك الجهة التي ينتمي إليها مع وجوب تقيده بالمبادىء التي ترسيها المحكمة العليا في أحكامها نزولاً عند حكم القانون لذي يجعل من المبادىء التي تقررها المحكمة العليا في أحكامها ملزمة لكافة المحاكم والسلطات في الدولة)[4](. وليس هذا في واقع الأمر سوى مظهر من مظاهر الخضوع للقانون من جانب القاضي الأدنى درجة في السلم القضائي للأعلى درجة ابتغاء توحيد القانون – تفسيراً وفهماً، وتأويلاً وتطبقاً-. ثانياً: مظاهر التدخل في أعمال الوظيفة القضائية.. يظهر هذا التدخل في صور عديدة منها ما يشكل اعتداءً صارخاً على حرمة القضاء وقدسية أحكامه، ومنها ما ينتقص من دائرة نشاطه لصالح هيئات قضائية استثنائية. ومن أبرز صور النوع الأول إلغاء الأحكام القضائية بعد صيرورتها نهائية وقابلة للتنفيذ طبقاً للقوانين التي صدرت في ظلها، أو وقف تنفيذها بعد أن صارت أحكاماً باتة مذيلة بالصيغة التنفيذية. ويحدث ذلك عندما يصدر المشرع قانوناً يعيد بموجبه تنظيم موضوع معين وفق رؤية جديدة تتناقض في كليتها مع سياسة المشرع السابقة. وكثيراً ما يحدث ذلك في المجتمعات التي تشهد حركة تغيير في نظامها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي على أثر ثورة أو حركة تصحيح، أو بسبب تبني أيديولوجية مناقضة للتي كانت سائدة قبلها. ومن الآثار المترتبة على ذلك زعزعة المراكز القانونية التي ترتبت على إصدار تلك الأحكام، مما يؤدي بالضرورة إلى المساس بهيئة القضاء، وقدسية أحكامه، ليس فقط في نظر المتقاضين، بل أيضاً في نظر عموم الناس. لذا يجمع دعاة حقوق الإنسان وفقهاء القانون على وجوب عدم إصدار مثل تلك التشريعات حفاظاً على هيبة القضاء، وقدسية أحكامه. ولا يشفع في ذلك القول بأن التشريع هو من مطلق سلطان السلطة التشريعية، وأنه تعبير عن إرادة الأمة أو الشعب، فلا ينبغي غل يدها في ذلك إلا إذا كان التشريع صادراً بشأن قضية بعينها، فهذا القول مردود عليه بأن مثل ذلك التشريع لا يعد قانوناً في جوهره بحكم افتقاره إلى الخصائص التي تميزه عن القرارات والأوامر، أي صفتي العمومية والتجريد. وقد عرفت الجماهيرية بعض صور هذه القوانين في مرحلة تطبيق المقولات الثورية في المجال الاقتصادي، حيث صدر القانون رقم "7" لسنة 1985 ف بتقرير بعض الأحكام الخاصة بدعاوي التعويض المتعلقة بتطبيق المقولات الثورية. ومن أبرز صور التدخل الأخرى، نزع الاختصاص من القضاء العام لصالح هيئات أخرى استثنائية تحت مسميات عديدة. وقد شهدت دول كثيرة مثل هذا النوع من الاعتداء تحت ذرائع وحجج لا تقع تحت حصر، تلتقي جميعاً حول نقطة واحدة ألا وهي، عدم أهلية القضاء العام للفصل في نوع من القضايا. وقد لحقت بعض الدول الكبرى في الزمن المعاصر بالدول الصغرى في هذا الشأن، فأنشأت لها محاكم استثنائية لمحاكمة فئات من المتهمين بالمخالفة للصكوك الدولية التي توجب مثول المتهم أمام قاضيه الطبيعي من ناحية، وحقه في أن يحظي بمحاكمة عادلة تؤمن له فيها المحكمة كافة الضمانات المتعلقة بحق الدفاع من ناحية أخرى. ثالثاً: الضمانات المقررة لاستقلال السلطة القضائية في الجماهيرية الليبية.. إن الجماهيرية الليبية بعد أن شهدت لفترة من الزمن تجربة القضاء الاستثنائي من خلال ما كان يعرف بمحكمة الشعب ومكتب الإدعاء الشعبي، بادرت في مطلع العام 2005 ف، بإلغاء هاتين الهيئتين بموجب القانون رقم "7" لسنة 1373 و.ر (2005 مسيحي))[5](،وبذلك تكون الجماهيرية الليبية قد قطعت شوطاً بعيد المدى في مجال حماية حقوق الإنسان وحرياته العامة، وقد وقع ذلك في إطار مراجعة وتعديل القوانين النافذة بما يتفق مع مبادىء الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان الصادرة في 12/6/1988 مسيحي. ومن أهم البنود التي وردت في هذه الوثيقة الإقرار لكل فرد بالحق في اللجوء إلى القضاء لإنصافه من أي مساس بحقوقه وحرياته الواردة فيها)[6]( وقد تم لاحقاً صياغة هذا المبدأ في نصوص قانونية تضمنها القانون رقم 20 لسنة 1991 ف بشان تعزيز الحرية الذي يعد القانون الأكثر سمواً ورفعة في الدولة الليبية، حيث نصت المادة الثلاثون منه على أن لكل شخص الحق في الالتجاء إلى القضاء وفقاً للقانون وتؤمن له المحكمة كافة الضمانات اللازمة بما فيها المحامي، وله حق الاستعانة بمحام يختاره من خارج المحكمة ويتحمل نفقته. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الجماهيرية الليبية إذ تتبنى فكرة المحاماة المجانية (الشعبية) إلى جانب نظام المحاماة التقليدي المعروف (بمقابل) إنما تنطلق من فلسفة عميقة أساسها ضمان حق المتهم في أن يحظي بمحاكمة عادلة بصرف النظر عن قدرته المالية، فكما تلتزم الدولة بتحمل نفقات مؤسسات العدالة – ضبطاً وتحقيقاً ومحاكمة وتنفيذاً – ترى من واجباتها تجاه المتهم ضمان حقه في الدفاع أمام المحكمة عندما لا يبادر باختيار محام خاص على نفقته، وكأنها بذلك تكون قد تجاوزت ذلك الحل المعروف بالمساعدة القضائية تجاه المعدمين بما يحمله من امتهان لكرامة المتهم. ومنعاً للتدخل في دائرة نشاط هيئات المحاكم، نصت المادة الثالثة والثلاثون من القانون ذاته على أنه لا يجوز لأي جهة عامة تجاوز حدود اختصاصها أو التدخل في أمور غير مكلفة بها، كما لا يجوز لأي جهة التدخل في شئون الضبط القضائي إلا إذا كانت مخولة بذلك قانوناً. ولأجل تحصين نصوص هذا القانون الأسمى من أي اختراق، نصت المادة الخامسة والثلاثون منه على اعتبار أحكام هذا القانون أساسية، ولا يجوز أن يصدر ما يخالفها ويعدل كل ما يتعارض معها من تشريعات. وفي إطار تنفيذ هذا النص أصبح المشرع الليبي ملزماً بتحقيق واجبين: أولهما سلبي وهو الامتناع عن إصدار أي قانون يخالف نصاً أو روحاً الأحكام الواردة به. وثانيهما إيجابي مقتضاه قيام المشرع بمراجعة وتعديل كافة القوانين النافذة على نحو يتفق مع أحكام ذلك القانون الأسمى. وفي جميع الأحوال يظل للسلطة القضائية ممثلة في هيئات المحاكم وعلى رأسها المحكمة العليا الليبية حق الرقابة على دستورية القوانين (الشرعية القانونية)، لاسيما بعد أن استأنفت المحكمة العليا من خلال الدائرة الدستورية النظر في الطعون المتعلقة بالدستورية مثلما سبق بيان ذلك)[7](.
(1) صدر هذا الإعلان في 2 مارس 1977 ف بمدينة القاهرة بسبها.
(1) تجدر الملاحظة إلى أنه تم الفصل بين اللجنة الشعبية العامة للعدل (وزارة العدل) وبين اللجنة الشعبية العامة للأمن العام (وزارة الداخلية) بموجب قرار سيادي صادر عن مؤتمر الشعب العام في اجتماعه العادي لسنة 2004 ف. (1) انظر د. على مسعود محمد، القاضي والعناصر الواقعية للنزاع المدني، أطروحة دكتوراه مقدمة لكلية القانون جامعة الفاتح 1373 و.ر (2005ف)، ص59 وما بعدها. (1) راجع نص المادة الواحدة والثلاثين من القانون رقم 6 لسنة 1982 بإعادة تنظيم المحكمة العليا الصادر في 25/5/1982، الجريدة الرسمية، العدد 22، السنة العشرون، ص754 وما بعدها. (1) مع الإشارة على جملة الإشكالات التي أثارها هذا القانون من حيث نقل الصلاحيات الاستثنائية إلى المحاكم والنيابات المختصة والتخصصية (أنظر الفصل الخامس من هذا الكتاب). (2) البند السادس والعشرون من الوثيقة.
(1) راجع الفصل الأول من هذا الكتاب.
|
|
|
|