Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


تعقيب على الفصل الأول من كتاب

د. عبد الرحمن محمد أبو توتة

"دراسات قانونية في ضوء قانون تعزيز الحرية وحقوق الإنسان"

 


تعقيباً على ما جاء في كتاب الدكتور عبد الرحمن محمد أبو توتة  والذي يتحدث فيه عن  دراسات قانونية في ضوء قانون تعزيز الحرية وحقوق الإنسان وبالتحديد ما جاء في الفصل الأول منه تحت عنوان :- (القيمة القانونية للوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان وطرق كفالة احترامها)، والمنشور في "موقع ليبيا أبداً" الإلكتروني www.libya4ever.com.

1.  طرح الدكتور عبد الرحمن أبو توتة في الفصل المذكور سؤالاً أساسياً وهاماً فحواه:- هل يمكن اعتبار ما ورد في الوثيقة الخضراء من مبادئ، قواعد دستورية من الناحية الواقعية حتى ولو لم يجر بعد صياغتها كما هو متعارف عليه في وثيقة دستورية من الناحية الرسمية "الشكلية"؟

 وفي معرض الإجابة على هذا التساؤل، حاول الكاتب البرهنة على صحة الفرضية التي انطلق منها والتي مفادها :- ان الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان  تتمتع بقيمة قانونية بفعل ما قام به المشرع الليبي من عملية صياغة للمبادئ التي جاءت بها الوثيقة في قواعد قانونية قابلة للتطبيق وذلك عندما بادر إلى إصدار القانون رقم 20 لسنة 1991 ف بشأن تعزيز الحرية والقانون رقم 5 لسنة 1427 م بشأن حماية حقوق الطفل فضلا عما جاء في وثيقة حقوق وواجبات المرأة في المجتمع الجماهيري الصادرة في 29/ 12/1442م والتي جاءت – كما يؤكد الكاتب لتكمل ما ورد من مبادئ في الوثيقة الخضراء.

 وبكل تأكيد كانت أطروحات وأفكار الكاتب في هذا الإطار قد أثارت الكثير من الآراء والأفكار المؤيدة والمعارضة، والتي كان من المفترض – لاسيما تلك التي أطلقت أصوات الاحتجاج والمعارضة شديدة اللهجة ليس فقط على الآراء والنتائج التي توصل لها الكاتب بل طالت تلك الأصوات من ضم صوته إلى صوت الكاتب وبأسلوب التهكم والسخرية – أن تأخذ الطابع الأكاديمي والموضوعي من خلال التزام المنهجية العلمية واعتماد مبدأ طرح الآراء بأسلوب الحوار العلمي البناء بعيدا عن العواطف وضرورة تبني مبدأ :- (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) .

2.   وكان الكاتب قد أقر بالحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان، من إن الوثيقة الخضراء لا يمكن اعتبارها دستورا على وفق المعيار الشكلي والتي تعني ان يكون هنالك وثيقة دستورية صادرة بصفة رسمية من سلطة تأسيسية (كأن تكون جمعية تأسيسية، مجلس تشريعي، لجنة أو استفتاء أو ما إلى ذلك) وبالتالي تكون هنالك قواعد دستورية مكتوبة تسمى كما هو متعارف عليه في العالم اليوم ب(الدستور) وعند ذاك يكون هنالك هرم تشريعي يبدأ من التشريع الأساسي والذي يحتل قمة الهرم التشريعي وهو الدستور ومن ثم يليه في المرتبة التشريعات العادية (القوانين) وصولاً إلى قاعدة الهرم التي تأتي فيها التشريعات الفرعية (اللوائح) وفي هذا السياق كان الكاتب قد أكد على أن الجماهيرية الليبية ومنذ إعلان قيام سلطة الشعب في 2 مارس 1977 ف قد هجرت هذا التصنيف الثلاثي للتشريعات على وفق المعيار الشكلي، اذ لم  يعد للإعلان الدستوري المؤقت الصادر في 11/12/1969 ف أي معنى وذلك بعد أن آلت سلطة التشريع للمؤتمرات الشعبية وسلطة التنفيذ للجان الشعبية، وبذلك صارت القوانين تصدر بقرارات عن مؤتمر الشعب العام صياغة لقرارات المؤتمرات الشعبية الأساسية إعمالاً لنص البند الثالث من إعلان قيام سلطة الشعب الذي يقرر بأن السلطة الشعبية المباشرة هي أساس النظام السياسي في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية.

هذا من حيث المعيار  الشكلي، أما من حيث المعيار الموضوعي والذي اعتمده الكثير من فقاء القانون الدستوري في تحديد طبيعة القواعد والأحكام الدستورية من خلال الأخذ بنظر الاعتبار محتوى أو مضمون تلك القواعد والأحكام ولما كانت الوثيقة الخضراء قد اشتملت على مبادئ حقوقية جاءت متصلة بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية والتي تضمنت إقرارا للحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية وعلى كل المستويات الوطنية والقومية والإقليمية والعالمية، والتي لم تبقى مجرد نصوص مكتوبة وإنما بادر المشرع الليبي إلى وضعها موضع التنفيذ من خلال إصدار القانون رقم 20 لسنة 1991 ف بشأن تعزيز الحرية والقانون رقم 5 لسنة 1427 م بشأن حماية حقوق الطفل فضلا عما جاء في وثيقة حقوق وواجبات المرأة في المجتمع الجماهيري الصادرة في 29/ 12/1442م والقانون رقم 1 لسنة 1396 بشأن المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية فضلا عن الكثير من القواعد والأحكام والتشريعات التي جاءت كلها  لتكمل ما ورد من مبادئ في الوثيقة الخضراء وبالتالي يمكن اعتبارها بمثابة قانون أساسي (دستوري)  وعليه لم يعد هنالك أدنى شك في قيمة  الوثيقة الخضراء القانونية.

3.  كان الكاتب قد توصل من خلال دراسته التحليلية المقارنة الى نتيجة أساسية مفادها :- (أن النصوص القانونية السائدة في ليبيا ليست متساوية في قيمتها القانونية، فمنها الأساسي وغير الأساسي، والفرعي. وهذا بلا ريب يستوجب ضمان رفعة وسمو الأعلى درجة بحسب الترتيب، فلا يجوز للوائح والقرارات الصادرة عن الجهات المختصة بالتنفيذ مخالفة أحكام هذه القوانين ولا ينبغي لهذه الأخيرة مخالفة المبادئ الأساسية الواردة في إعلان قيام سلطة الشعب والوثائق الحقوقية الأخرى بحكم علو كعبها وسمو مكانتها، وهذا بالطبع يفرض على المؤتمرات الشعبية الأساسية عدم إصدار تشريعات مخالفة في نصها أو فحواها لما هو مقرر بهذه الوثائق، وهي إذا فعلت ذلك تكون قد خرجت عن حدود نطاق الشرعية، والعبء ذاته نراه ملقى على كاهل الهيئات القضائية التي ينبغي عليها مراقبة صحة القوانين شكلاً وموضوعاً – على نحو يجعلها مستوفية للشروط الشكلية في إصدارها وغير مخالفة نصاً وروحاً للنصوص الأعلى درجة منها بحسب الترتيب المنوه عنه سلفاً وهنا تساءل الكاتب :- ما السبيل إلى ضمان احترام التشريعات الأساسية ولاسيما منها قانون تعزيز الحرية باعتباره القانون الأساسي وأداة التنفيذ لمبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير؟ وكانت الإجابة التي طرحها الكاتب:-

ذلك هو موضوع رقابة القضاء على الشرعية (دستورية القوانين)، وهذه الاجابة تحمل في طياتها الوصول الى وضع الآلية المناسبة لكفالة احترام مبادئ الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان في عصر الجماهير والتي ينبغي أن تتجسد في دور القضاء الليبي في هذا الإطار، وفي هذا الصدد كان الكاتب – ومن خلال الإشارة الى نص البندين 26 و35 من الوثيقة الخضراء – قد اثبت  أن المشرع الليبي اقر للسلطة القضائية الحق في ممارسة الرقابة على صحة التشريعات ودستورية القوانين.

4.  وبنفس طريقة التحليل المقارن، ناقش الكاتب الطرق المتبعة في الرقابة على دستورية القوانين ورجح طريقة الرقابة القضائية على الرقابة السياسية والتي اخذ بها المشرع الليبي، تماشيا مع معظم ما أخذت به نظم الحكم في العالم بفعل فشل أسلوب الرقابة السياسية، ومع تأييدنا لصحة هذا الرأي ولكن هذا لا يمنع من ان تتخذ إجراءات وتدابير لتفعيل الرقابة السياسية في الجماهيرية بالشكل الذي يعزز من فعالية الرقابة الدستورية، ولاسيما أن الوثيقة الخضراء قد أكدت  في نص البند 1 منها على (إن الديمقراطية هي الحكم الشعبي... وان السلطة للشعب يمارسها مباشرة دون نيابة) وذلك من خلال تفعيل حملات التوعية الجماهيرية وتعزيز الثقافة القانونية بين صفوف الشعب في المؤتمرات الشعبية واللجان الشعبية وبالتالي يتحقق شيئا فشيئا كفالة لصدور تشريعات من قبل تلك المؤتمرات واللجان لا تخالف المبادئ والحقوق التي تضمنتها الوثيقة الخضراء، الأمر الذي يعزز مبدأ الحكم الشعبي من جانب ويقلل من الأعباء الملقاة على القضاء الليبي وبالتحديد المحكمة العليا صاحبة هذا الاختصاص في هذا المجال (الرقابة الدستورية) من جانب آخر، لان الوقاية خير من العلاج.

5.  ختاما، يبقى الجانب الأهم في الحكم على نصوص الأحكام والمبادئ الدستورية،هو ان العبرة ليست في مجرد وجودها، شكلا أو مضمونا، وبغض النظر عن كونها مكتوبة أو عرفية، وإنما العبرة في مدى تطبيقها على الواقع ومن خلال توفير الآليات التي تكفل الحقوق والحريات التي أقرتها تلك النصوص، وليس هنالك أدنى شك من أن المشرع الليبي وفر تلك الآليات وهو ما اثبت صحته الكاتب، والتي ساهمت بدورها في تعزيز الشرعية والمشروعية في الجماهيرية بذات الوقت.

 

د. طه حميد حسن

جــامعة بغـداد


 

Home
زبد الرياء ورسوخ الحق