Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


الليلة العاشرة

المواطن بين الدولة و الإنتلجنسيا


الجانب البنيوي لنص المعارضة الليبية يتسم بقدر كبير من التسرع والمغالاة في حين إن الجانب العضوي (الشكلي) لمعظم النصوص التي اطلعت عليها لا تخلوا من صياغة سليمة تحترم قواعد وأسس لغة الضاد.

وبعد تفكيك النص المعارض للوقوف علي مرتكزات ومنهجية ذلك النص ولمعرفة الأنساق المعرفية المتبعة في صياغة خطاب جزء من الانتلجنسيا  الليبية, وجدت انه علي المستوي الابستمولوجي صيغت معظم النصوص التي قرأتها باستخدام أدوات المنهجين الوصفي والنقدي في حين تفادت تلك النصوص المنهج التحليلي والمقارن والبنيوي             والمرادف ومرد ذلك ربما استسهال البعض للمنهجين الوصفي والنقدي دون إدراك كونهما السهل الممتنع مما جعل تلك النصوص تأتي مهلهلة يغيب عنها تتابع السياق  الشيء الذي يثقل علي القارئ ويشتت ذهنه ويجعله يقفز من فقرة إلي أخري ........الخ

مع إدراكي أن المنهج الشامل الذي يوظف كافة المناهج ويستخدمها حسب حاجة النص  هو الاجدي والأعم لأنه يتسم بصرامة البحث العلمي ويوظف كافة آلياته, إلا أن متطلبات اللحظة وطبيعة الموضوع  والخطاب المراد  إيصاله كل ذلك يجعل من المتعذر استخدامه في كل لحظة.

هذا من ناحية الجانب الشكلي (العضوي) للنص, أما من ناحية المضمون فيطبع تلك النصوص الابتسار والتسرع ويصاب الناقد بالذهول من حجم التسطيح وسرعة إطلاق الأحكام العامة القطعية واليقينية دون إيراد لمقدمات وإتباع لأساليب تفضي لتلك النتائج والأحكام!!

كما لاحظت أن هناك خلطا مريعا بين دور ووظيفة الدولة الوطنية كحاضنة وبين دور الانتليجنسيا الوطنية كَمُؤَسِسَة’’ للأنساق والبني الفكرية العامة وكَمُشَكِلَة’’ للوعي الجماعي للمواطنين.

دور الدولة الوطنية وباختصار شديد هو دور الوعاء الذي يحفظ ما بداخله, فهي تحفظ وتحقق الأمن والآمان للمواطنين وتحمي الثروات وترفع الظلم عن كافة الفئات وتضع فرصا متساوية أمام الجميع وتخطط للسياسات العامة وعلي كافة المستويات وَتُرْشِدُ الإنفاق وكل ذلك تحت مظلة القانون الذي يفترض أن الجميع تحتها.............الخ.  

ودور الدولة الوطنية يأتي مكملا لدور الانتليجنسيا الوطنية وليس العكس, فالنخب الثقافية هي التي تشكل الوجدان وهي التي تصيغ الوعي الجماعي التراكمي للمواطن ومن هنا نعي أن الدولة كَمُؤَسِسَة’’ تحفظ وتصون ما أسسته وشكلته الانتليجنسيا.

وهنا أشير إلي نقطة هامة لا ينبغي إغفالها منعا للبس, مفادها أن التركيز علي الجوانب المادية لمخرجات التنمية فيه قصور في الفهم وضيق في الأفق, فالمنجزات المادية التي تشيدها الدولة مهما كانت ضخامتها ليست بأهمية بناء عقلية المواطن (الذي يشكل وسيلة التنمية المستدامة وهدفها), من هنا ندرك الأهمية البالغة لدور الانتليجنسيا في صياغة الوعي الجماعي للمواطنين.

ومن خلال استقراء تجارب الشعوب وبناءا علي معطيات التجربة الليبية المحلية يمكننا القول بأن دور الانتليجنسيا الترشيدي والاستشاري والموجه يحتل المرتبة الأولي في حين يأتي دور الدولة الوطنية لاحقا وهنا لا أقصد ترتيبا زمنيا بقدر ما ارمي إلي ترتيب للأهمية.

الدوران صنوان ينبغي أن يكونا متزامنين ومتساوقين في ذات اللحظة.

والحصاد الهزيل لنمو عقلية المواطن (إن صح التعبير) في ظل الدولة الوطنية طيلة ثلاثة عقود من الزمن لدليل صارخ علي الغياب الكلي والتقاعس غير المبرر للنخب المثقفة عن تأدية واجبها.

في أدبيات المعارضة الليبية ترد وباستمرار "....................محاربة النظام الليبي للمثقفين و الأدباء وإقصائهم و تهميشهم.....................................الخ".

وأعجب من هذا التجني! فالتجربة الليبية حرصت ومنذ لحظاتها الأولي علي إبراز الجانب الثقافي و إيلاءه المرتبة التي يستحقها في سلم الأولويات.

والصراع المفتعل بين الدولة الليبية وبعضا من النخب الثقافية الليبية المعارضة في الخارج مرده سعي الأخيرة إلي الحكم وتوطيد شرعية متعارف عليها لسلطة المثقفين.

وهذا ما يرفضه جيل الشباب المتحمس و المندفع الذي أراد إزالة كافة أنواع الغبن والظلم عن كاهل المواطن الليبي الذي عاني طويلا وعلى مر العصور.

وهذا الصراع المفتعل فيه عدم وعي بطبيعة دور المثقف, فهناك خلط من العسير تقويمه في وجدان الانتليجنسيا الوطنية, مفاده أن الثقافة والزاد المعرفي مطية وتكية لتحقيق مكاسب مادية ومعنوية والجاه, فهم يرونها معبرا لتبوأ واحتلال المناصب الإدارية في الدولة وهذا القصور الواضح في إدراك دور المثقف الذي يشكل البارومتر والموجه والمشكل والصائغ لوجدان العامة إنه حامل رسالة وإنسان مبدئي يشكل صمام الأمان لمثل و قيم مجتمعه والحافظ و الناقل للموروث الحضاري والمراجع للتراث              والمغربل له.

المهاتما غاندي ذلك المثقف الواعي الذي أدرك خطورة وأهمية النخب المثقفة قال كلمته المشهورة حين رفض أن يكون رئيسا للهند بعد التخلص والتحرر من الاستعمار البريطاني:

"المثقف ملاك و حارس أمين طالما هو يعلم الناس ويوجهها نحو الخير والمحبة والتسامح لكنه يتحول إلي جلاد و طاغية بمجرد أن يتربع علي سدة هذا الكرسي (وأشار إلي كرسي الرئاسة).........."

..................يتبع في الليلة القادمة

دمتم في رعاية الله وحف

 - مواطن حائر -


Home
الليلة التاسعة