Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


الليلة الثانية

موجز من تاريخنا


عبر تاريخنا الطويل كانت بلادنا محط رحال القوافل واستراحة للمسافر (لو لاستثنينا منطقتين في الشمال، إحداهما في الغرب وتمتد من صبراتة وحتى الخمس والأخرى في الشرق وتمتد من بنغازي حتى درنة) وعلى مر العصور كانت تدار من الغير بمعنى أن الآخرين سواء كانوا غزاة أو فاتحين هم من تسيدوا وحكموا ليبيا، بل إن أغلب فترات التاريخ شهدت وجود مجتمعين متمايزين أشد التمايز، مجتمع مخملي يملك كل شيء ويتكون من الفاتحين أو الغزاة الوافدين، ومجتمع آخر يعيش كل مظاهر السخرة من فاقة وحرمان وكد وتعب والقاسم المشترك بين أفراده هو البؤس وضعف الحيلة وهذا المجتمع عادة يمثل السكان الأصليين لليبيا والتمازج بين المجتمعين يتم في أضيق صورة.

ومع أي غازي جديد تتغير تركيبة المجتمع الأول فتأتي أثنيه جديدة أو تتشكل طبقة جديدة على أنقاض الأولى في حين يظل مجتمع السخرة كما هو دون حراك.

ومع الفتح الإسلامي تغيرت الصورة وتمازج المجتمعان تمازجاً شديداً أدى إلى الانصهار وولادة مجتمع جديد يغلب عليه التجانس، ولكن تلك الحقبة الزاهرة من تاريخنا لم تعمر طويلاً فسرعان ما وأدها العثمانيون وأعادوا للوجود من جديد الصيغة الثنائية للمجتمع.

وفي العصر الحديث ومع تكالب الدول الأوروبية لاستعمار العالم القديم والحديث كانت ليبيا من نصيب إيطاليا! التي تعيش تحت سطوة ذهنية الإمبراطورية الرومانية ولم تجاري بعد جاراتها في أوروبا بالأخذ بالمكتسبات العلمية في مجالات العلوم الإنسانية الشيء الذي كرس مجتمع الثنائية من جديد وبأبشع الصور.

هذه الأحقاب الطويلة من السخرة والامتهان جعلت الدولة الليبية منذ نشأتها في مطلع خمسينات القرن العشرين تواجه كما هائلاً من التحديات نتجت عن تراكمات عديدة لسلبيات عصور طويل، لعل من أشق التحديات التي واجهت مؤسسة الدولة الليبية الحديثة إبان المرحلة الملكية من تاريخنا هو المواطن الليبي ذلك الإنسان الذي تركته تجربة الحقبة الإيطالية المريرة وغيرها مسخاً حضارياً يعيش التخلف والجهل بأدق معانيهما.

ولإدراك مؤسسي الدولة الليبية، الرواد لتلك الحقيقة فقد شرعوا في سياسة الخطوة خطوة لتأهيل المواطن الليبي لولوج عالم الدولة المدنية الحديثة ذات مؤسسات المجتمع المدني الفاعلة وتأطيره ضمن خطة طويلة الأمد تضمن رسوخ التغيير لدى الأجيال القادمة.

ولأن جل الرواد الأوائل كانوا من الشريحة الليبية التي سمحت لها الظروف بالتمازح والاختلاط مع المجتمع المخملي الوافد فقد كان سلم أولوياتها يختلف عن تلك التي لدى السواد الأعظم من الناس إلا أن جيل الرواد كانوا بحق أنتليجنسيا وطنية راقية الطرح.

ومن ضمن الإنجازات العميقة الأثر لجيل الرواد هو تأسيسهم لنظام تربوي وتعليمي مرحلي لردم الهوة بين طبقات المجتمع المختلفة، كانت من نتائجه أن جزءاً من شباب الطبقات الفقيرة والمعدمة والتي تشكل السواد الأعظم من الليبيين في تلك المرحلة تعلمت وحصلت على شهادات عليا وانخرطت في الشأن العام.

إلا أن شباب (طبقة السواد الأعظم) الذي أتيحت له الفرصة للتعلم أدرك هو المعاناة وقسوة الظروف التي يعيشها السواد الأعظم ونظراً للطبيعة الاندفاعية للشباب عادة وحبهم الشديد للوطن، فقد اعتبروا طرح النخب الحاكم المتسم بالمرحلية، اعتبروه ترفاً فكرياً وتقاعساً غير مبرر وبدأت مجموعة من هؤلاء الشباب المتحمس لنقل ليبيا نقلة نوعية نحو الأمام بالتفكير بتغيير النظام الحاكم وكان لها ذلك في أواخر الستينات.

ومن البيان الأول للثورة نستطيع أن نقف على أبعاد ثلاث رئيسية شكلت مرتكزاً للسياسات اللاحقة لهؤلاء الشباب هي:

1.   الإدراك الواعي للشرط التاريخي والبعد الاستشرافي.

2.   الحماسة والاندفاع وحرق المراحل لنقل المجتمع من حالة التخلف إلى التقدم.

3.   تحديد واضح للثوابت والتشبث بها وعدم التفريط فيها.

ولأن الشباب المتحمس والمندفع والذي يريد لليبيا مكانة غير التي لها في أرض الواقع اندفع بحماسة منقطعة النظير للعمل على محورين:

·   البنية التحتية: وهنا تشهد أرقام الخطتين الأولى والثانية إبان عقد السبعينات من القرن المنصرم على ضخامة وروعة ما تم.

·        العمل السياسي:

1.  تأطير المجتمع الليبية وخلق آلية لنظام حكم ثابت ودائم ومستقر يستفيد منه كل الليبيين ويضمن عدم إتاحة الفرصة من جديد لأية جهة محلية أو غازية للتحكم بمصائر الناس.

2.    إقامة علاقات دولية متوازنة قوامها الندية والاحترام المتبادل.

3.    خلق مكانة جيوبولوتيكية لليبيا.

ومنذ مطلع ثمانينات القرن المنصرم وليبيا تساق من معركة إلى أخرى دون أن تجد فرصة لالتقاط الأنفاس مما جعل الدولة الليبية تركز تدريجيا على الجانب السياسي والأمن وشيئاً فشيئاً سيطر هذان الجانبان حتى فوجئنا بعد ثلاث عقود من الزمان عن مدى هشاشة البنية التحتية بعد تلك العقود!!

وهنا يتبادر إلى ذهني سؤال مفاده:

هل نجح جيل الشباب المتحمس والمندفع في تحقيق تلك النقلة النوعية لليبيا؟

سأحاول الإجابة عن هذا التساؤل في ليلة الغد لأن الصباح قد أدركني الآن.

دمتم جميعاً في رعاية الله.

مواطن حائر


 

Home
الليلة الأولى