للـكتـابـة
والاختـلاف أخـلاقيّـات
(3)
في
الحلقتين السّـابقتين تناولت عددًا من
النّـقاط الجوهريّـة المتعلّـقة بأصول
الكتابة والاختلاف في الرّؤى والتّـصـوّر
وفهم الأحداث والوقائع ، واتخاذ المواقف حيال
تلك القضـايا التي نعيشها ونحن شهود أو
مشاركون فيها . واستكمالاً لما مضى أواصل
فأقول :
·
الأصل في
الكتابة أن تعبـّـر عن الواقع بكلّ مصداقيّـة
وواقعيّـة ، وتطلـّـع إلى تأصيل حسـناتـه
ومحاولة تغيير مساوئه من أجل تحقيق الأفضل ،
وليس بالضّرورة أن يتحقّـق الأفضل بمجرّد
التّـغيير ، فاستعجال النّـتائج قد يؤدّي إلى
الضّرر والخراب أو الدّمار ، أي إلى ما هو
أسوأ من الواقع ومساوئه ، فمن البديهيّـات
أنّ مـن استعجـل الشّيء قبل أوانه عـوقب
بحرمانه ! والمعوّل على نجاح الإصلاح هو صدق
النّـوايا من الـجميع ، والإخلاص والمثابرة
لكي يتحقّـق الخير والـرّفعـة .
·
والأصل في
الكتابـة أن لا نغفل بشرية الكاتب والقارئ ،
وأن هذه البشريّـة في حركة دائـمة ونـمو (
معرفي ووجداني ) وتفاعل مستمرّ ، فالحكم على
مواقف الأمس ( البعيد أو القريب ) ليست هي ذات
الأحكام اليوم أو غدًا !! والمواقف لا تخلو من
عوامل التّـغيير والتّـبديل الذي لا يعتبر
عيبًـا ولا خطأً ولا جريمة – خاصّـة – إذا
كان التّغيير يستهدف الأفضل والأصلح وتحقيق
الخير ، فاكتشاف الخطأ والعمل على إصلاحه
أفضل من البقاء على الخطأ بحجّـة مفاهيم
جامدة . وهذا يتطلّـب الثّـقة في النّفس
والشّـجاعة في الأداء .
·
والأصل في
الكتابة الاعتزاز بالحريّـة التي منحنا
إيّـاها الخالق جلّ وعلا وتوظيفها في تعزيز
هذه القيمة واحترام ضوابطها الأخلاقيّـة ،
فعندما نعطي الحقّ لذاتنا في التّـغيير
والتّـطوّر وتبديل أو تحوير مواقفنـا، فلا
نحجر ذلك على الآخرين ، ونطالبهم بالجمود
والانكفاء ! ولا نعتقد بأنّ فعلنا نحن فقط هو
الأصح ومبعثه الحكمة ، وفعل غيرنا هو الخطأ
ومبعثه التّـخاذل وكلّ أوصاف التّهم والنعوت
، ويـجب أن نتذكـّـر وباستمرار أنّ الإنسـان
حرٌّ في مواقفه وتصرفاته شريطة عدم إلحاق
الضّرر بالآخرين .
·
والأصل في
الكتابة أن لا تضـرّ مصلحـة وسلامة الوطن
والـمواطن ، وأن تدعوا وتسـاند مبدأ الحريّـة
العامّـة للجميع بلا استثناء ، ومبدأ تحقـّـق
العدل والـمساواة للجميع أمام القانون
والانتصار للحـقّ أينما كان ووجد .
هذه
الأصول قد اعتمدتها كإطار وضابط في كتاباتي ،
وما سأتناوله من مواضيع – إن شاء الله تعالى
– والتي أهدف من خلالهـا ، وبجهد متواضع
إصلاح ما يمكن إصلاحه ، بدءًا بنفسي ولا ألزم
غيري به ، فمن وافقني في الرؤيّـة
والتّـحليل وتطابقت وجهات النّـظر في بعض
القضـايا أو جلـّـها وألزم بها نفسه ، فهذا من
حقّـه وفق إرادته واختياره الحرّ . ومن لم
يوافقني في ذلك فهو أيضًـا حرٌّ في رؤياه
وتحليله واختياراته . وكمـثال فإنّ الكتابات
والمواضيع التي نشرتها قوبلت بالعديد من ردود
الأفعال ، بعضها كان مرحّـبًـا ومتفهّـمًـا
ومتضامنا لتطابق بعض الآراء ، والبعض الآخر
كان مستنكرًا ومعارضًـا لاختلاف الرّوية
والقناعات ، وهـذا من الأمور
الطـّـبيعيّـة ولا غرابة في ذلك ، فسنّـة
الخلق بنيت على أساس التّـنوّع والاختلاف
والحريّـة والاختيار وفق الفهم والمعرفة
والإدراك والتّـجربة. ولكن
الغريب في الأمر هو الابتعاد عن مناقشة
المواضيع مناقشة موضوعية والتّركيز على
النّـوايا – التي لا يعلمها إلاّ الخالق –
واتّـخاذ الـظـّـنّ منـهجًـا ، وإصدار
الأحكـام والتـّـحامل دليـلاً وبرهـانًـا ،
فــ :
·
هناك من
اعتبر كتاباتي هي ردّة ! وهناك من وصفها بأكل
العيش ! وهناك من أقرّ بأنّـها يأس ! وهناك من
ردّهـا إلى طول ومرارة الغربة ! وهناك من
أكـّـد أنّـها تهدف إلى تحقيق ضمانات العودة
والسّـلامة ! و .. و .. و ..
·
وهناك من
استنكر توقيت كتابة المواضيع !
·
وهناك من
استغرب ، بل استهجن ذكر الاسم الحقيقي !
·
وهناك من
أراد أن تكون كتاباتي بصيغة غير التي كتبت بها
! لأنّـه لا يؤمن بما آمنت به من أنّ قرار الأخ
العقيد معمّـر القذّافي بشأن التّـخلـّـص من
أسلحة الدّمـار الشّـامل هو قرار حكيم ، لما
فيه من تحقيق لمصلحـة الشّـعب اللّـيبي .
·
وهنـاك مــن
أرادنــــي أن أعطـّـل عقـلي وألغي كافّـة
القيــم الــتي أؤمن بهــا ( استخفـافًـا )
واستبدلـها برؤيّـته وتفكيره !
هذه
الاعتراضات لـم نـأت في إطـار الاستفسار أو
الاستفهام من أجل العلم بالشّيء ، لكنّـها –
وكما ذكرت – جاءت في إطار اليقين بمعرفة
النّـوايا ، والـحقـائق في تحديد النّـتائج !
ومع ذلك ، فـمن حقّـي على نفسي – أوّلاً –
وعلى الصّـديق والآخرين الّـذين أعتـزّ بهم ،
أن أوضح لهم .
وباختصار
، فإنّ ما كتبت هي حصيلة تجربة السّـنوات
الـماضية ، وما فيها من جهد وعطاء وتجارب ،
وما صاحبها من إيجابيّـات وسلبيّـات ، ونجاح
وإخفـاق ، عـاقدًا العزم على تصحيح الـمفاهيم
الخاطئة ، وإصلاح الأخطاء بكلّ صدق
وموضوعيّـة وشجاعة ، جاعلاً مصلحة الوطن
والـمواطن فوق الـمصالح الأنانيّـة ،
والتّـعامل وفق الاحترام والتّـخاطب بلغـة
بعيدة عن أساليب الحقد والبغضاء والكراهيّـة
، بل ومعتذرًا عـمّـا خطـّـته أناملي من
أخطـاء في حق الآخرين ، وكلّ ما كان متعارضًـا
مع ما طرحتـه من أصـول في سلسلـة : " للكتابة
والاختلاف أخلاقيـّـات " .
محمـّـد قـدري الـخوجـة
Mkelkhoja2000@yahoo.com
|