Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 


فـي البـدء كـان الـحوار !!

إنّ استعبـاد إنسـان لإنسـان آخر ، أو مصادرة فكره أو مصادرة رأيـه أو موقفـه يتعارض وخلق الإنسـان حرًّا ، والتّـعايش البشري في كيانات بدءًا بالأسرة وانتهاءً بالكيان الإنسـاني الكامل فرضت وتفرض الإعتراف بالآخر والتّـعايش معه  برغم الإختلافات المتعدّدة بين فرد وآخر ، فعندما تختلف مع الآخر فلا ترجمه بالحجارة أو يرجمك هو بالحجارة ، بل عليك أن تحاوره ، وهذا من دعائم الإسلام : " قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " ( البقرة : 111) ، والحوار يجب أن ينطلق من ثقافة ما تحاور به : " ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّـون فيمـا ليس لكم به علم والله يعلـم وأنتم لا تعلمون " ( آل عمران :66 ) ، والحوار في الإسلام يسبق كلّ مناهج الحوار في العالم فالحوار في الإسلام لا يدخل الذّاتيّـة فيه : " وإنّـا أو إيّـاكم لعلى هدىً أو في ظلال مبين " ( سبأ : 42 ) ففي هذا الحوار يتقمّص الـمحاور شخصية الشّـاك ليدفع الآخر بأن يتقمّص شخصيّـة الشّـاك لكي يوضّح له بأنّ هناك حقيقة ضائعة بين الطّرفين مما يلزمهما بالتّرافق في رحلة البحث عن الحقيقة ، فليس هناك أنا وأنت " وإنّـا أو إيّـاكم لعلى هدىً أو في ظلال مبين " فمن الممكن أن أكون أنا المهتدي وأنت الضّـال ، ومن الممكن أن تكون أنت المهتدي وأنا الضّـال ! لذلك نجد في عالم الحوار الدّعوة للتّـفاهم من أجل استكشاف الحقيقة الضّـائعة بين الطّرفين . وهكذا نرى أنّ الإسلام قد أبعد كلّ شيء للذّات في الحوار ، وبقي الحوار موضوعيّـًا يفرض نفسه ، وهذا هو الأسلوب الإسلاميّ للحوار مع من لا تلتقي معه في فكره ! أمّـا مع الذّين تلتقي معهم في الفكر : " قل يا أهل الكتاب تعالوْا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًـا ولا يتّـخذ بعضنا بعضًـا أربابًـا من دون الله " ( آل عمران : 64 ) .

          إذا نظرنا إلى العديد من التّـفاصيل التي لا يتّـفق فيها أهل الكتاب والدّين الإسلاميّ في معنى التّـوحيد وغيرها فهي كثيرة بلا شكّ ، ومع ذلك نجد أنّ القرآن قد ركّـز على الفكرة الجامعة : " تعالوْا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم إلاّ نعبد إلاّ الله ولا نشرك به شيئًـا " ، فهي الكلمة السّـواء الأولـى ، ووحدة الإنسـانيّـة : " ولا يتّـخذ بعضنا بعضًـا أربابًـا من دون الله " الكلمة السّـواء الثّـانية ، يقول تعالى : " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الّـذين ظلموا منهم وقولوا آمنّـا بالّذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنـا وإلهاكم واحد ونحن له مسلمون " ( العنكبوت : 46 ) وفي هذا الدّعوة إلى البحث عن مواطن اللـّقـاء مع الآخر ، لكي نعيش روحيّـة اللـّقـاء قبل أن نبدأ الحوار ، لكي يكون الحوار بوحدة من خلال المناخ الوحدويّ . إنّـها دعوة لإبعـاد الذّات عن الفكر ، لأنّ مأسـاة الفكر في العالم خلال التّـاريخ الإنسـانيّ تـكمن فـي الذّات ! التي تضطهد الفكرة  بكلّ وسائل الإضطهـاد . إذًا فالكلمة السّـواء بيننا وبين أهل الكتاب عبارة عن خطّ للحياة كلّـها .

          فعندما نلتقي مع أيّ شخص أو جهة في أمر فلنقف وإيّـاه على الكلمة السّـواء عقيديّـًا أو سياسيًّـا أو إجتماعيًّـا ، فالكلمة السّـواء منهج الذين يلتقون في جانب ويختلفون في جانب آخر حتّى تنطلق حركة الإختلاف من روحيّـة اللّـقاء ، وهذا منهج الحياة كلـّها لو اتّـبعناه من موقعنا الإسلاميّ ومن موقعنا الإنسـانيّ ، فإنّـنا نستطيع أن نحصل على خير كبير حتّى في حياتنا السّـياسيّـة الّـتي يركّـز فيها النّـاس على فواصل أكثر ممّـا يركّـزون على الـجوامع !

          فعندما ركّـز الإنسـان على الفواصل في الدّيـانات جعل كلّ مذهب يكفـّر المذهب الآخر ، وكلّ دين يكفـّر الدّين الآخر والسّـبب هو عدم محاولة الوقوف على مواقع اللّـقاء ! وهكذا فقد عشّـنا هذا الجوّ في تاريخنا ، ورأينا ذلك في تاريخنا السّـياسيّ الـّذي اتّـخذ مصطلح التّـكفير فيـه مصطلحات أخرى أيّ تكفير من نوع هذا رجعيّ ، وهذا تقدميّ ، وهذا عميل وهذا خائن ومـا إلى ذلك من المصطلحات ، فالكلمات هي الكلمات ، لقد استهلكنا كلّ كلمات السّـباب ، وبدأنا نبحث في اللّـغات الأخرى عن السّـبّ والشّـتم بلغات وأساليب أخرى ! والقرآن الكريم يقول : " ولا تسبّـوا الـّذين يدعون من دون الله فيسبّـوا الله عدوًا بغير علم كذلك زيّـنّـا لكلّ أمّـة عملهم ثمّ إلى ربّـهم مرجعهم فينبّـهم بما كانوا يعملون " ( الأنعام : 108 ) ، لقد " رأى عليٌّ (ر) قومًـا من أهل العراق يسبّـون أهل الشّـام ، وكانوا في حالة حرب ، قال لهم : إنّـي أكره لكم أن تكونوا سبّـابين ، ولكن لو وضحتم أفعالهم بالمنطق وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول وأبلغ في العذر ، وقلتـم مكان سبّـكم إيّـاهم : ربّـنا أحقن دماءنا ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتّى يعرف الحقّ من جهل ، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لـهج به . " هذا منطق عندما تختلف مع الآخر فالمطلوب هو التّـحدّث عن الأساس الـّذي تختلف أمّـا أن تشتمه ، فلو أنّـك شتمته من الصّـباح إلى المساء فهل تقنعه ؟!!

          إنّ الإسلام يعترف بالآخر ، والإسلام يدعونا أن نحوّل أعداءنا إلى أصدقـاء : " ولا تستوي الحسنة ولا السّـيّـئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الّـذي بيتك وبيته عداوة كأنّـه وليّ حميم " ( فصلت : 34 ) ، حوّل عدوّك إلى صديق ، حوّل أعداء قضيّـتك إلى أصدقـاء لقـضيّـتك ، حوّل أعداء دينك إلى أصدقاء لدينك ، حوّل أعداء وطنك إلى أصدقاء لوطنك ، أملك الأسلوب المنفتح الواعي الصّـابر على الحساسيّـات : " وما يلقّـاها إلاّ الّـذين صبروا وما يلقّـاها إلاّ ذو حظٍّ عظيم " ( فصلت : 35 ) .

          إنّـنا عندما نتمسّـك بهذا المنهج فلن نختلف في الكثير من التّـفاصيل ، لأنّ مشكلتنـا في هذا الإستهلاك للتّـفاصيل ، فما أحوجنا لأنّ نتعرّف على منهج العلم ، ومنهج الدّين ومنهج السّـياسة ومنهج الإجتماع لكي نلتقي على ما يجمعنا ، والإسلام سوف يبقى يعطي الإنسـان عقلاً وروحًـا ينفتح به على الغير ، فالخلق كلّـهم عيال الله وأحبّـهم إلى الله أنفعهم لعياله ، والنّـاس صنفان : إمّـا أخ لك فـي الدّين أو نظير لك في الخلق ، وما أحوجنا : " أن نأنسـن الدّين في نفوسنا ، ولنديّـن إنسانيتنا في حركتنا " فنحن لانزال مولعين بالتّـعب ، نتعب أنفسـنا ونتعب عائلاتنـا وأزواجنا وأولادنـا ، ولا نزال مولعين بأن نتعب السّـياسة والإقتصاد والإجتماع ! فلماذا لا ننطلق لنجرّب الرّاحة ، وأن نريح بعضنا بعضًـا بالمحبّـة ، وأن نريح بعضنا بعضًـا بالحوار ، وأن نريح بعضنا بعضًـا بكلّ ما يغني إنسانيتـنا .

          لقد قال شاعر فلسطين إبراهيم طوقـان عندما كانت فلسطين تهتزّ عام 1936 :

في يـدنا بقية مـن بــلاد

فاستريحوا كي لا تطير البقيّـة

وطارت البقيّـة ، وما بعد القضيّـة ، ولا نزال في عالمنا العربيّ والإسلاميّ نفقد الكثير من أرضنا الإقتصـاديّـة وأرضنا الأمنيّـة وأرضنـا الإجتماعيّـة ، فقـدنا الأصـالة ، أمن مستعار وإقتصـاد مستعار ، وإجتماع مستعار ، أصبحنـا لا نعرف ما نريد ، وكلّ ما عندنـا أن نفكّـر ماذا يريد الآخرون منّـا !! والقضيّـة ماذا نريد نحن ! فلنحمي أنفسـنا ومصالحنا ووطننـا وعقيدتنا ونحفرها في الأعماق كي نتحرّك كإنسـان يريد ويؤكّـد ما يريد ، ويجاهد من أجل ما يريد ، لا أن نكون كما قال الشّـاعر نزار قبّـاني :

يا ويح أوعيّـة الصّـديد

هي ليست تملك أن تريد ولا تريد !!

محمّـد قدري الـخوجة

Nkadri2004@yahoo.com

( الموضوع تلخيص بتصرّف لمحاضرة العلاّمـة السّـيّد محمّد حسين فضل الله بـعنوان : الإسلام أمام تحدّيات الحداثـة / طرابلس لبنـان ، جزى الله المحاضر العلاّمة الخير والتّوفيق ) محمّد قدري الخوجة


 

 
Home
لـنـكـن صـرحــاء