Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
من وثائق

 

 

 

 





الوثيقة الأولى

أول استقالة جماعية علنية من الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا


بسم الله الرّحمن الرّحيم

الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على الرّسول الأمين

الأخوة الأفاضل:

رئيس وأعضاء المكتب الدّائم

السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

لقد تكوّنت الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا في جوّ مشبع بالصّدق النّضالي، وبمشاعر التّضحية والإقدام في سبيل الله بالجهد والمال والنّفس، وباليد واللسان والقلب.. تكوّنت الجبهة واندفعت إلى صدارة العمل الوطني انطلاقًا من حيثيّات متعدّدة ما زال أوّلها وأهمّها أنّها قامت على أكتاف شباب من خيرة أبناء الشّعب الليبيّ، ومن طليعته الواعية المثقّفة، ومن قطاعاته الواسعة المؤهّلة لتكوين مدرسة فكريّة وسياسيّة رائدة.

ونحن من الذين انضمّوا إلى الجبهة.. بل نحن من الذين أعطوها كيانًا وقوّة، وبذلوا من أجلها الوقت والجهد، وضحّوا بالدّراسة وبأجمل سنوات الشّباب...

وعندما انضممنا إلى الجبهة كان شعار ليبية المعركة واستقلاليّة القرار الوطنيّ من أهمّ المبادئ التي اجتمعنا حولها وأكدنا عليها.. ولقد تنادينا في عضوية صادقة، وقل في مثالية نادرة تبلورت مظاهرها في المجلس الوطنيّ الأوّل الذي كان البداية الحقيقية للعمل.. وفي ذلك اللقاء الرّائع صيغ التّنظيم وزين ووضع على طبق فضيّ وفي "إطار عصريّ" لم يكن المقصود منه بالنّسبة لنا إثارة إعجاب الحاضرين، أو إعجاب التّنظيمات الأخرى التي كانت على السّاحة الوطنيّة آنذاك.. كما لم يكن المقصود منه أيضا تقديم ضمانات معيّنة لقوى دوليّة كانت تتابع عن كثب ما تقوم به عصبة لا يستهان بها من طاقات ليبيا الشّابّة، بل كان تجسيدًا لقناعاتنا بالجهاد الحقيقيّ والعمل المنظم السّليم .

لقد لعبت الثّقة وحسن النّيّة وقلّة التّجربة السّياسيّة دورًا كبيرًا في الاقتناع بأنّ قيادة العمل سوف تكون تعبيرًا حقيقيًّا عن أمانينا وتطلعاتنا... ولنعترف أنّنا كنّا من الطيبة بحيث كانت مقاييسنا تنبثق دائمًا من وازع الثقة ومن الاحتكام إلى مظاهر الأشياء، ولذلك فنحن:

لم نتساءل عن قصد بعض الأنظمة العربيّة من احتضاننا واستضافتنا ورعاية تنظيمنا.

ولم نشكّ في القصد من وراء إعداد ميزانيّة تساوي ميزانيّة إحدى دول العالم الثّالث، ولم نتساءل عن مصدر هذه الأموال.

وقبلها، لم نستفسر عن المطبوعات الأنيقة ذات الورق الفاخر ولا عن الاجتماعات التي كانت تعقد هنا وهناك، وتصرف فيها عشرات الآلاف من الدّولارات.

ولم يستلفت انتباهنا أن المظاهر الماديّة التي صاحبت تكوين الجبهة، والتي تطوّرت بعد ذلك إلى نوع من البذخ هي أبعد ما تكون عن الجهاد والنضال والعمل الوطنيّ الحقّ.

كما لم نتساءل عن إذاعة الجبهة كيف أنشئت، ومن الذي أشرف على إنشائها والإنفاق عليها، ومن هم أدواتها الخفيّة، ولماذا نشأت في السّودان، ومن أقنع السّودان والمغرب –وغيرهم– بالعطف على الجبهة ورعايتها وتسهيل كلّ السّبل لها.

لقد كانت ثقتنا وحسن نوايانا وقلة تجربتنا السّياسيّة تلهبنا حماسًا وعملاً حتّى تمكّنت قلة "محنكة" من استغلال الأغلبيّة أسماء وإمكانيّات.. قطاعات وفئات.. قبائل ومناطق.. رجلاً ونساء.

وحين ظهرت الجبهة باقة فريدة... ووضعت قواعد التّنظيم، وأعلن نظامه الأساسيّ ولوائحه الدّاخليّة، وتشابكت حلقاته من مجلس وطنيّ ولجنة تنفيذيّة ومكتب دائم.. ومن وحدات إلى مكاتب، ومن مناطق إلى مفوّضيّات، وقتها انفصل الحصان عن العربة.

لقد انفردت "القيادة" و"النخبة" بدراسة الواقع، ووضع القرار، والتّحرّك السّياسيّ والعسكريّ والتّعبويّ والإعلاميّ باسم القاعدة التي هي رصيد التنظيم الحقيقيّ، ممّا يجسّم بوضوح عدم أهميّة الأطر التّنظيميّة للجبهة التي استعملت كأشكال كرتونيّة ليس لها دور يذكر في رسم سياسات الجبهة ومتابعتها ومحاسبة القائمين عليها.

انفردت "القيادة" مبرّرة لنفسها بأنّها "أقدر" على معالجة الأمور، ورغم أنّه لا تكفي النوايا الطيبة، فقد عزنا الأمل بأنّه وفق المبادئ والمنطلقات الأساسيّة:

سنعمل على ترسيخ مجموعة من القيم.

وسنمارس حريّة الرّأي، وديمقراطيّة القرار، والشّورى في الأمور الرّئيسيّة والقضايا المصيريّة وفق الأسس التنظيميّة ليتحمّل كلّ مسئوليته، فلا تكون هناك فرديّة ولا مركزيّة

وسننفّذ برنامج النضال بمصداقيّة كاملة، ونقترح ملامح البديل الذي نعمل جميعًا على تجسيد أخلاقياته خلال مرحلة نضالنا.

وقبل ذلك وبعده إنّنا سنصون مفهوم الجهاد في سبيل الله حسب المقاييس العظيمة التي اتّفقنا عليها صراحة وضمنًا بعيدًا عن التكتيكات المرحليّة والميكافيليّة السّياسيّة.

ولكن استقراء الأحداث، ومعايشة أساليب النضال وأخلاقياته في الجبهة، وعلى السّاحات المختلفة والمتعدّدة، قد برهن على أنّ "القيادة" قد عملت على:

التباهي بمبادئ حريّة الرّأي، وديمقراطيّة القرار، ووضوح الرّؤيا، والممارسة في الأمور المصيريّة، كلّ ذلك على الورق فقط، وفي وثائق الجبهة، وعلى صفحات الإنقاذ في شكل موضوعات يدبّجها الحالمون بالحكم.

عدم الاكتفاء بطرح ملامح البديل، وإنما العمل على فرض شخصيّة بعينها في كلّ المناسبات، دون الأخذ بالمبادئ التي اجتمعنا حولها منذ البداية، فقد انطلقنا من أنّنا أصحاب برامج نضال لا برامج حكم، وشهد الواقع على غير ذلك .

اتخاذ "القيادة" أسلوبًا غريبًا في خلق الو لاءات والسّيطرة على تحريك التّصرّف في إمكانيّات الجبهة الماديّة والمعنويّة مقابل أن يكونوا أتباعا للقيادة يزوّدونها بالمعلومات الخاصّة والعامّة، ويهيمنون على تسيير الأمور في الجبهة رغم افتقارهم لأيّ كفاءات ومؤهلات وعدم وجودهم في أيّ هيكل تنظيميّ معتمد .

لقد تباهينا بإمكانياتنا الذّاتيّة ونزاهتنا الوطنيّة، واستمات الكثير في الرّدّ على "ادعاءات" الارتماء في أحضان المخابرات الأمريكيّة موضّحين أن تلك إشاعات تستهدف المساس بنزاهة الجبهة ووضوح هدفها ومنهجها، وأصرّت "القيادة" على محاصرة أيّ محاولة جادّة لمناقشة هذه القضيّة، إلاّ أنّ الظروف قد تطوّرت بعد ذلك بحيث أصبح فيها الإنكار المطلق أمرًا يفتقر إلى الذّكاء وحسن التدبير.

فبدأ الاعتراف عن استحياء بوجود علاقات مع أطراف دوليّة متعدّدة ومن بينها الإدارة الأمريكية، يتبعه وابل من التبريرات والتحليلات السّياسيّة، بل وحتّى الفتاوى الشّرعيّة إذا استدعى الأمر، ثمّ تطوّر ذلك أخيرًا ليصبح ركنًا أساسيّا من أركان إستراتيجية الجبهة.

وبانعقاد المجلس الوطنيّ الثاني، وإيمانًا بأنّه الإطار التنظيميّ المؤهل لمناقشة سياسات الجبهة وبرامج عملها، تمّ طرح موضوع العلاقة مع أمريكا وذلك لأهمّيته وخطورته وأثره على مسار القضيّة الوطنيّة، تمّ طرحه بموضوعيّة كاملة بفرض وضع سياسة مستقبليّة رائدة، مجسّدة لمبادئنا الأساسيّة، ولقد عايش المؤتمرون وقتها مهزلة محاصرة "قيادة الجبهة" لموضع علاقاتها مع المخابرات الأمريكيّة، حيث ربطته بدهاء بالناحية الأمنيّة، وحذّرت من تسرّب معلومات غاية في الأهميّة مؤكدة بأنّها لن تتحمّل أيّ مسئوليّة في هذا الصدد، ممّا أدّى إلى أن يتنازل المجلس عن حقه في مناقشة القضايا المصيريّة، وبالتالي رضي المجلس بأن يفرّغ من محتواه راضخًا للضّغوط والأساليب التي مارستها "القيادة ...

لقد استطاعت "القيادة" بمناوراتها وأساليبها المتعدّدة أن تصرف المجلس الوطنيّ – وهو السّلطة العليا في الجبهة – عن مهامه الحقيقيّة في النقد والتوجيه ورسم السّياسات ومتابعتها ليصبح مهرجانًا خطابيًا يضاف إلى المهرجانات السّياسيّة التي تشهدها المنطقة صباح مساء.

إنّ هذه الحركة المسرحيّة لتطرح أمامنا عدّة تساؤلات تتعلق بأهميّة المجلس الوطنيّ، ودوره، والغرض من انعقاده، وطبيعة المدعوين لحضوره، والأسس التي اتّبعت في دعوتهم ؟!

وعلى الرّغم من قرار المجلس، فقد أكّدت "القيادة" على أنّ العلاقة مع أمريكا لا تتعدّى بعض صور التعاون في مجال المعلومات والتأشيرات وتسهيلات الإقامة لليبيين، وأنّ ذلك يتمّ في إطار "النديّة"، والإدراك الواعي لأبعاد وملابسات اللعبة الدّوليّة .

وبعد المجلس الوطنيّ "تمادت" "القيادة" في هذا الدّرب، حيث تأكد لدينا بأنّ مجموعة من شباب الجبهة قد تدرّبت في أمريكا عام 1985م بأيدي أمريكيّة، وذلك لغرض حراسة "قيادة" الجبهة، كما تمّ تدريب مجموعة أخرى من الفدائيين عام 1986م، وقد اتّضح لنا فيما بعد أنّ مشروع الاستنفار الذي استجاب له أعضاء الجبهة بكلّ حماس، كان في حقيقته مرتبطًا بمخطّط أمريكيّ في المنطقة...

وهكذا، فقد تطوّر سلوك "قيادة" الجبهة تجاه إشكاليّة العلاقة مع المخابرات الأمريكيّة من أسلوب الإنكار، إلى التّبرير، إلى الاعتراف، فأصبح معروفًا بأنّ للجبهة علاقات متينة وقديمة بأمريكا، وصار ذلك أمرًا بديهيّا يقرّه السّياسيّون المحنّكون الواعون للبعد الدّوليّ، وليغرق المتسائل أو المتوجّس في بحر مثالياته ولينحصر بين تحليلاته وتنظيراته وليهنأ بطيب العيش بعيدًا عن واقع العمل وساحات النضال الحقيقيّة.

والأدهى من ذلك أنّهم يعترفون بأنّ أمريكا هي التي فتحت للجبهة مجال العلاقات السّياسيّة مع أغلب الأنظمة العربيّة، وصاروا يعترفون بأنّه لولا فضل أمريكا لما كان باستطاعتنا القيام بما قمنا به، وهكذا نكتشف فجأة وبعد فوات الأوان بأنّ نجاحاتنا الدّبلوماسيّة واكتساحنا لمواقع العمل السّياسيّ قد تمّت كلها بفضل المخابرات الأمريكيّة ووفق توجيهاتها ومباركتها .

وأخيرًا، فلأن العلاقات الدّوليّة قد صنفت داخل الجبهة إلى علاقات تفتخر "قيادةهو:جبهة بإقامتها مباشرة مع وكالة المخابرات المركزيّة، وعلاقات مشبوهة يقيمها الآخرون مع ما يسمى بخطّ البنتاغون – الموساد -، بحيث يصبح النّوع الأوّل واجبًا وطنيًا، بل وفريضة دينيّة يخشون الله أن فرّطوا في القيام بها، ويصير النّوع الثاني خيانة وطنيّة وعمالة أجنبيّة يذكرونها ويتبرؤون إلى الله منها .

إننا لسنا بصدد مناقشة مثل هذه القضايا، ولكن ما نريد التأكيد عليه بصفة خاصّة هو :

إنّ العامل الدّولي عامل هامّ لا يستطيع أحد أن ينكره انطلاقا من أنّنا لا نتحرّك في فراغ، بل نعيش في عالم تتضارب فيه المصالح ويفرضه علينا واقع التّواجد بالخارج، وإنما نستنكر الانحراف المنهجيّ الذي طبع سلوك الجبهة تجاه هذه القضايا العامّة والمصيريّة، ونرفض طبيعة ومستوى العلاقة التي دفعت إليها الجبهة مع الأجهزة الأمريكيّة.

إنّ قضية على هذه الدّرجة من الأهميّة كان حريًا بها أن تناقش داخل الإطار التّنظيمي المسؤول عن رسم سياسة الجبهة وإقرار برامجها، وأن تهويل قضية عرضها والمبالغة في تصوير العواقب الوخيمة لذلك، لا يوحي بقدرة القيادة على مواجهة الموقف، علاوة على أنّه يسلب القاعدة أبسط حقوقها.

كانت هناك محاولات صريحة لتضليل القاعدة منذ البداية، تجسّدت في إنكار العلاقة مع أمريكا في بداية الأمر، والتّأكيد على أنّها لا تتعدّى تسهيلات الدّخول والإقامة وتبادل المعلومات.

إنّ معرفتنا بوجود علاقة مع الأجهزة الأمريكيّة لم تأت من خلال الأطر التّنظيميّة للجبهة، وإنّما جرت العادة على طرح هذا الموضوع في شكل أسئلة حول معلومات تتحصّل عليها القاعدة بوسائلها الخاصّة، وتقوم "القيادة" بالرّدّ عليها بأساليب غير مشجّعة تجسّد غياب الدّيمقراطيّة والحوار الحرّ داخل الجبهة، وقد أدّى ذلك إلى ظهور ظاهرة التّصنيف ومحاربة أصحاب الرّأي المخالف.

لتأمين التّمادي في الارتباط بالأجهزة الأمريكيّة حدث تهميش لكلّ الأطر التّنظيميّة والهياكل المنتخبة، وتغييب واضح للأساليب الدّيمقراطيّة من أجل تمرير القرارات وحصرها في مركزيّة قاتلة في يد "القيادة الفعليّة للجبهة" التي لا تعدو أن تكون مجموعة صغيرة جمعت بينها ارتباطات قديمة، وعلاقات وطموحات مشتركة.

نتيجة لغياب المناخ الدّيمقراطي داخل الجبهة وقدرة "القيادة" على الاستئثار برسم السّياسات وتنفيذها في غياب كلّ القواعد والأعراف التنظيميّة وتجاهل كامل لتلك المبادئ والمنطلقات التي اتفقنا عليها تمّ تطوير علاقة الجبهة مع الأجهزة الأمريكيّة إلى درجة لا يمكن قبولها أو الاستمرار معها، برغم كلّ التّبريرات السّياسيّة والتكتيكيّة والفقهيّة، فتدريب "مجاهدينا" في أمريكا وبأيدي الأمريكيين، وقبول مساعدات ماليّة في صور متعدّدة، والدّخول في برامج إستراتيجية مشتركة مع وكالة المخابرات المركزيّة كلها أمور تتنافى مع مبادئنا الإسلاميّة وأصالتنا العربيّة وانتمائنا الوطنيّ الليبيّ...

لقد انطلقنا في جميع أعمالنا من مبادئ وقناعات خلقيّة، ومنذ البداية أخذنا عهدًا بأن لا نسمح لأنفسنا بالدّخول في معارك جانبيّة تلهينا عن المعركة الحقيقيّة... ولكن أن يتحوّل هذا العهد إلى محاولات لمحاربة ومهاجمة جهود فصائل وتنظيمات المعارضة، والاستهزاء بدورها الوطنيّ أمرًا لا يتناسب مع المبادئ والقيم الخلقيّة التي تبنّيناها في التّعامل مع الآخرين.

إنّ للجبهة حريّة التّصرّف والاختيار في الدّخول في أيّ محاولة لتجميع فصائل المعارضة الليبيّة أو التّنسيق فيما بينها وذلك فيما تراه مناسبًا لخدمة القضيّة الوطنيّة، وليس من حقّ أحد أن يفرض عليها موقّفا محدّدًا، ولكن أن تتحوّل عدم الرّغبة في الاستجابة لنداءات الوحدة الوطنيّة إلى تبنّي مواقف عدائيّة ومحاولات للتّحجيم والتّصنيف لمحاربة القوى والتّنظيمات الوطنيّة، يعتبر أحد المنزلقات والمخالفات لوثائق المجلس الوطنيّ، وأسلوبًا خطيرًا ينمّ عن الرّغبة في الهيمنة والاستئثار بالسّاحة السّياسيّة الليبيّة، ويدلّ على عدم القدرة على التعايش السّلميّ مع الرّأي الآخر.

لقد حاولنا مع غيرنا تصحيح المسيرة منذ إحساسنا ببداية الانهيار، ونادينا بوقفة للحساب والنقد الذّاتي، ودعونا عدّة مرّات وفي مناسبات موثقة للتّاريخ إلى أن تعود القلة إلى الأغلبيّة، و"القمّة" إلى القاعدة، وكنّا في كلّ مرّة نجابه بحرب هوجاء وبتصنيفات محجّمة يتبنّاها ذوو الو لاءات من أفراد التّنظيم الذين يحرصون على التّعصّب للأشخاص والانتماءات الجهويّة التي يردّون إليها كلّ محاولة مخلصة للإصلاح.

وممّا زاد الطّين بلّة أن موقف "القيادة" الممعن في مركزيته، والفارض فرديته قد تمادى في إعلان هذه الخصائص اللاديمقراطيّة، ولم يعد متحرّجًا من إظهارها، فصنّف أفراد الجبهة على أساس قياديين وأتباع، وأمّا ما عداهم فيجب أن ينسحبوا، وهذا مفهوم مرفوض، إنّ القياديين في الجبهة طبقة واحدة لا تزيد ولا تنمو، والدّليل أنّ الجبهة على أتساع قاعدتها نسبيّا تعاني من عدم إفراز قيادات جديدة، حيث أنّنا منذ البداية كنّا نتعجّل الأمور، ونؤجل القضايا، يسيّرنا وهم كبير هو أنّ نظام القذّافي ينهار – بفعل جهودنا – كلّ يوم، وأنّنا سوف نحمل ذات يوم إلى أرض ليبيا فنتسلم مقاليد الأمور فيها، وتنتهي مشاكلنا، ولذلك فقد كنّا أبعد ما نكون على القدرة على بناء الفرد وإعداد الإنسان وتوجيه القدرات التي يمكنها أن تقوم بدور حضاريّ في بناء ليبيا المستقبل.

هذه فقط بعض القضايا الجوهريّة التي رأينا أن نتعرّض لها، ولقد آثرنا عدم الخوض في قضايا أخرى تتعلق بالعمل العسكريّ وملابساته حرصًا منّا على أن نتناول ما قد يعتبره البعض إخلالاً بالأمن، كما أنّنا لم نناقش قضايا أخرى نعتبرها أقلّ جوهريّة وإن كانت لا تقلّ أهميّة وأثرًا، وذلك حرصًا على التّركيز والاختصار.

ونحن نقف في الذّكرى الثالثة لاستشهاد رفاقنا وأحبّتنا وقفة وفاء وترحم وعهد وتذكر لنتساءل بالألم كله:

أين ليبيّة المعركة؟ وأين استقلاليّة القرار الوطنيّ؟

أين مبادئنا في أخلاقيّات العمل الوطنيّ؟ وأين عهدنا على توجيه كلّ السّهام إلى العدوّ الحقيقيّ؟

أين قواعدنا في الدّاخل، تلك التي أعددناها لإشعال شرارة التغيير على الأرض الحقيقيّة لمعركتنا القادمة؟ أم هل تغيّرت استراتيجيتنا فبتنا ننتظر اللحظة التي "نحمل" فيها إلى ليبيا زرافات ووحدانا؟

إنّ طريق الجهاد الذي عرفه وسلكه الشّهداء الأبرار لم يكن عن طريق واشنطن، ذلك الطريق الذي عاهدناهم عليه كان طريقا ليبيًا بأيد وجهود وطنيّة، وكان باعتماد كامل على الله – سبحانه وتعالى – الذي وعدنا بالنصر أو الشّهادة في سبيله مهما طال الوقت واشتدّت المحن وصعبت الطريق.

وبناء على كلّ هذا، وانتصارًا للحقّ وللضمير وللمبادئ النّبيلة ولشرف الوطن ووفاء للعهد الذي عاهدنا عليه شهدائنا الأبرار الذين سقطوا على أرض ليبيا، وحرصًا على عدم مساندة الباطل، نعلن خروجنا عن الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبيا، ونشهد الله أنّنا قد حاولنا، وأنّنا بلغنا.

وإنّنا على ثقة بأنّ هذا الموقف يعبر عن رأي قطاع لا بأس به من أعضاء الجبهة على مختلف المستويات وإن لم تناسبهم ظروفهم على اتخاذه الآن...

"والحمد لله الذي هدانا إلى هذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله"

وإلى اللقاء على أرض ليبيا، الأرض الحقيقيّة لكلّ صور النضال، والأمّ الرّؤوم لكلّ الليبيين.

ولله الأمر من قبل ومن بعد .

والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

19 شوّال 1407هـ

15 يونيو 1987م


 

 

Home
Up