Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


ثـاني استقالة جماعيّـة علنيّـة من الجبهة الوطنية لإنقـاذ ليبيـا

الـوثيقـة الثـّانيّـة الجزء الأوّل


هذه المذكّـرة تلخـّص بإيجاز وموضوعية وأدّلـة واقعيّـة بعض الظّـواهر التي عاشتها الجبهة الوطنية لإنقـاذ ليبيـا بعد أن انحرفت قيادتـها والمتمثلـة فـي رأس التّـنظيم وشلـّة قليلة محيطة به عن مبادئها وأهدافها ومنطلقـاتها بعد أن طال الزّمن وبعد الحلم بكرسي السّـلطة والتّربّـع عليه وعلى رقـاب الشّـعب اللّـيبيّ الذي دغدغت عواطفه بشعارات الحريّـة والدّيمقراطيّـة والبديل الرّاشد وما إلى ذلك من الشّـعارات الجوفـاء التي تخفي حقـائق الأنانيين والمتعطشين للسّـلطة مهما كانت التّـكاليف " من التّـضحية بالبنين والصّـحب والصّـاحبة ، بل والعشيرة ، بل والأنكى من ذلك بمن في الأرض جميعًـا " ولكن مشيئة الله التي تعرف خفايا الأنفس وما في الصّدور جاءت صريحة " كلاّ !!

لقد استحودت تلك القيـادة الغائبة ظاهريًـا والمتواجدة فعليًـا شخصًـا أو سلوكًـا فيما تبقّـى من الجبهة  على جهد وعطـاء ونضـال وتضحيـات ، بل واستشهـاد جلّ من سـاهم بصدق وإيمـان وقناعة وإخلاص من أجل ليبيـا الأفضـل ، ليبيـا الخير للجميع ، ليبيـا التّـسامح والتّـرابط .

        إنّ هذه المذكّـرة تؤكّـد أسباب ومبرّرات إستقالة أوّل محموعة علنًـا (45) من الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا ، وهي تؤكـّد أيضًـا على نفس الأسباب التي دفعت بالعديد من أعضـاء الجبهة أن ينسحبوا فرادى وجماعات ، سواء على مستوى القيادة أو القاعدة / ممّـا دلّ ويدلّ على الإنحراف الحقيقي في قيادة الجبهة ، وهذه المذكرة واحدة من رسائل ومذكـّرات مهمّـة تؤرّخ واقعيًـا لمسيرة الجبهـة منذ نشأتها وحتّى انـهيارهـا ، وتتميّز هذه المذكرة ( 17 صفحة ) بأنّـها من قبل (15) خمسة عشر قياديًـا من اللّـجنة التّـنفيذيـّة والـمكتب الدّائم والهيئة القيـاديّـة .


بسم الله الرّحمن الرّحيم

الأخوة والأخوات أعضـاء الجبهة الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا

السّـلام عليكم ورحمة الله وبركـاته

          تـأكيدًا لـموقفنـا الـجماعي الـمعلن في البيـان الـمرفق الـذي أصدرنـاه صباح هذا اليوم الجمعة : الأوّل من شهر رمضان الـمبارك 1414هـ الـموافق 11 فبـراير 1994م ، وحرصًـا منـّا على تحمـّل المسؤوليّـة التـّاريخيّـة بشأنه ، ومـن منطلق مبـدأ " اللـّهمّ ها قد بلـّـغت .. اللـّـهمّ فاشـهد " ، نخاطبكم في هذه الوثيقة وبشكل مباشر بصفتكم أعضـاء فـي الجبهة الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا .

الأخوة والأخـوات :

          إنّـنا وإد نؤكـّد على موقفنـا الـمعلن في البيـان المرفق ، الذي يتلخـّص في تجاوزنا للأوضـاع المتردّيـة في الـجبهة والتـّراكمات السّـلبيّـة التي طفحـت على السّـطح في الآونـة الأخيرة ، حيث لـم تـعد الـجبهة قادرة على تـحقيق طموحـاتـنا النـّضاليّـة .

          نؤكـّد مرّة أخرى بأنّ هذا الـموقف هو من وجهـة نظرنـا الـموقف الصّـحيح للـوفـاء لدمـاء الشّـهداء وتضحيّـات الـمناضلين .

          كمـا نؤكـّد أيضًـا بأنّ هذا العمل لن يكون مجرّد خروج عن الجبـهة أو إنفصـال عنها فحسب ، بل هو في تصوّرنـا تـجاوز للجبهة وللحالة التي هي عليها والإرتقـاء بأنفسـنا إلى مجالات أرحب في العطـاء النّـضالي وفي العمل السّـياسي البعيد عن الشّـخصنـة والأنـانيّـة والنـّظرة الجزئيّـة القصيرة الـمدى .

          ونضيف بأنّـنا سنعمل على ألاّ يتراجع حماس هذه الحركة الإصـلاحيّـة أو حماس رجالاتـها وألاّ تفتر هممهم ، وألاّ يتضـاءل بإذن الله هذا الدّفع المبارك في اتـّجـاه الـمزيد من العطـاء والنّـضال ضدّ نظام حكم القذافي الفاسد .

          أمّـا النـّظرة المستقبليّـة لهذا التـّحرّك – كما نتصوّرها – فهي بإذن الله ستتميّـز بالتـّواضع والواقعيّـة .

الأخوة والأخـوات :

إنّ الجبهة لـم تحقّـق ما حقّـقته من مكانة وسمعة ورصيد إلاّ بعد أن خطت خطوات ملموسة على طريق التـّضحية والفداء ، يشهد لها بذلك دمـاء الشّـهداء ودموع اليتـامى وآلام الـمنفى ، فما من خطوة إلاّ وارتبطت بآلام دفعت إلى الـمزيد من التـّضحية والعطاء ما كان للسّـكون والإنتظـار أن يخرجها ، وما من خطوة إلاّ وكان وراءهـا الكثير من الدّمـاء والدّموع والعرق ، ولكن القيادة الحاليّـة اختارت أن تراهن على الرّؤية المرتبطة بمصالحها الشّخصيّـة بدرجة عرّضت تلك المكانة والسّـمعة والرّصيد إلى التّـآكل والتّـشويه .

إنّـنا ونـحن نتّـخذ هذا القرار الصّـعب على أنفسـنا ، نؤكـّد لكـم :

·       بأنّـنا نعتـزّ بكلّ هذه الجهود والتـّضحيـات والعطـاءات ،

·       وسنظلّ نفتخر بأنّـنا ساهـمنـا بجهود متواضعة في هذا الرّصيد المشرّف ،

·       كمـا أنّـنا نعتـزّ برفقة النـّضال في الجبهة طوال هذه السّـنين ،

·       ونـعتـزّ بالصـّحبة التي كونـّاها من خلال الـجبهـة ،

·       ونتمنـّى أن نحافظ على علاقات طيّـبة مع جميع المناضلين وإن تباينت مواقفـنا ومواقعـنا واجتهاداتنـا ،

·       وسنظلّ بإذن الله مفتوحي القلوب والعقول لكلّ رفاق الدّرب الطـّويل ، فالإختلاف في الرّأي لن يفسد الـودّ بيننـا .

ولكن هذا الإعتزاز والفخر وهذه المشـاعر الجميلة لن تمنعـنا من القيـام بواجبنـا الذي تمليه علينـا ضمائرنا وأخلاقيّـاتنا النـّضاليّـة ، إذ انّ موقفنـا من قيـادة الجبهة الحاليّـة إنّـما هو – في تصوّرنـا – انحياز لصالح ترسيخ الممارسة الدّيمقراطيّـة وإنقـاذ ما يمكن إنقـاذه مـن هذه التـّجربة الرّائعـة ،

·       وحتّى لا يتحوّل ذلك العطـاء المتميّـز إلى حالة من الشّـلل والإنتظـار التي أفقدت النّـفوس المؤمنـة الفاعليّـة والحيويّـة فماتـت فيهـا العزائم وخبت فيهـا جذوة النـّضال ،

·       وحتّـى لا يتحوّل ذلك الرّصيد المضيئ إلى مبرّر للدّفع بالجبهة لتكون وسيلة تستبدل استبدادًا باستبداد .

الأخوة والأخوات :

إنّ هذا الموقف إنّـما هو تعبير عن إصرارنـا على رفض هذه القيـادة المتمثـّلة في الأمين العـامّ وعدد قليل من أعوانه ، الني فقدت مقوّمـات القيادة النـّضاليّـة ، وخاصّـة أنّـها تصرّ على الإستمرار في ارتكـاب ما يمكن وصفه بالأخطـاء الإستراتيجيّـة القاتلة ، والتي يمكن أن نجملها فـي الآتـي :

أوّلاً : فـي مـجال قيـادة وإدارة التـّنظيـم :

إنّ من أهمّ القناعات التي باتت راسخة في أذهـان الكثير من أعضـاء الـجبهة ، أنّ الحالة المـتردّية التي انتهى إليـها تنظيم الجبهة بعد كلّ الجهود والتـّضحيّـات التي بذلت تحت رايتهـا ، إنّـما هي بسبب فشل القيادة الحاليّـة وعلى رأسهـا الأمين العـامّ في إدارة  شؤون هذا التـّنظيم ، ونذكّر هنا بجملة من النـّقاط من باب التّـدليل لا الحصـر :

1-             اعتمدت القيـادة أسلوب إدارة الجبهة من خلال الأزمـات ، وكانت في كلّ أزمة ترفع شعار : ضرورة الفعل قبل الفكر على إعتبـار أن الـمزيد من الفعل هو الضّمـان الذي يحرّر الإمكـانات الكامنة التي ستمكّـن الجبهـة مـن تجـاوز الأزمة ، وهذا الأسلوب ترجمته القيادة في أكثر من أزمة إلى درجة التّـخلـّي عن عناصر مجرّبة كفؤة بمجرّد أن تبدي تلك العناصر أيّ نوع من التّـبرّم أو الضّـيق بممارسـات القيادة وأسلوب إدارتـها .

2-             فشلت القيادة الحاليّـة في بسط حدّ أدنى من الشّـورى أو الـممارسة الدّيمقراطيّـة داخل مؤسّـسات التّـنظيم ، ولـم تحقـّق أيّ قدر من حريّـة التـّعبير والمشاركة في صنع القرار السّـياسي ، بل إنّ الأجهزة التّـنفيذيّـة الـمتخصّـصة ظلـّت مبعدة ومغيّـبة بالكامل عن دائرة صنع القرار ، وظـلّ السّـمت الغالب على علاقات الأمين العـامّ مع الـمناضلين في الجبهة هو أخذ النـّاس بمنطق حتميّـة الرّضا والقبول بأيّ تحرّك يقدم عليه أو قرار يتّـخذه أو موقف يتبنّـاه مع عدم اكتراثه بمشـاعر الرّجال الذين رافقوه طوال هذه السّـنين وأعطوا كلّ ما يمـكن من أجل تحقيق الجبهة لأهدافها الإستراتيجيّـة ، وظلّ الأمين العام يتعامل مع من يخالفه الرّأي من خلال بعض المعالجـات الجزئيّـة عبر النّـفوذ الـمعنويّ الشّـخصيّ أو اللـّجوء إلى التّـهميش والإقصـاء .

3-             فشلت القيادة في الحفـاظ عـلى وحدة التـّنظيم المتمثـّلة في وحدة الفريق القيـادي ، كما فشلت أيضًـا في ضرب الـمثل والقدوة سواء على الـمستوى الفكري أو الـحركي .

4-             خلطـت القيادة بين الغايات والوسائل وصارت تنطلق في أدائها السّـياسيّ من منطلقـات شخصيّـة بعيدة عن معـاني التّـجرّد والتّـضحية ممّـا شوّه سمعة الجبهـة ونصاعة صورتها في أوسـاط اللـّيبيين في الدّاخل والـخارج .

5-             فشـلت القيـادة فشلاً ذريعًـا في أدائها الإداري داخل الجبهة ، وسيطرت الفوضى على غالب تحرّكـها ، فكثيرًا ما تنشغل القيـادة بقضايـا ثانويّـة جانبيّـة ليس من اختصاصها ولا من مصلحة التـّنظيم الإلتفـات إليها ، ولكن في نفس الظـّرف قد تطرأ مشكلات كبيرة يصعب عـلى التـّنظيم تحديد المسؤول على معالجتها وحسم الأمر فيهـا ، ونجد أحيانًا أنّ الصّـلاحيّـات تمنح لعناصر منتقـاة لتنفيذ أعمال ومهام خطيرة وبأسلوب يتجاوز ويستفزّ المخوّلين لائحيًـا وتنظيميّـًا ، ومهام أخرى في غاية الحساسيّـة تسند إلى عناصر مخوّلـة ولكن دون أيّـة صلاحيّـات متناسبة معها .

6-             انصرفت القيادة في السّـنوات الأخيرة بالكامل عن التّـنظيم وتعذّرت عن ذلك بالهموم الخارجيّـة ، فانشغلت عن القاعدة وحاجاتها فلم تبذل جهدًا لأداء حقّ الولاء وتنمية العلاقات التـّنظيميّـة ولم تولي مسألة البنـاء الفكري والسّـياسي للأعضـاء أيّ أهميّـة ، واستعاضت عنه بخطاب تلقيني مكرّر ، ولم تعط وزنًـا أو وقتًـا لاستنصاح القاعدة ممّـا أدّى إلى القطيعة معهـا .

ثـانيـًـا : فـي مجـال علاقـات الجبـهة الـدّوليّـة

إنّ من أكبر الأخطـاء الإستراتيجيّـة التي تحسب على قيادة الجبهة وبالذّات أمينهـا العامّ هو ما يتعلـّق بالعلاقات الدّوليّـة ، حيث أن هذا الأمر ظلّ من خصوصيّـاته التي غابت تفاصيلها عن الكثير من العناصر القياديّـة الأخرى في الجبـهة .

إن السّمت الذي طبع أسلوب إدارة الأمين العامّ لهذه المسألة هو الضّرب العشوائي المبني على الرّؤية التي تسيطر عليهـا أهـواء الإنفعالات السّياسيّـة والإستقراءات الخاطئة ، فظلّ الأمين العامّ تتخطفه الفرص السّـياسيّـة من هنا وهناك ، وتقوده المصالح الآنيّـة المتغيّرة في عالم مضطرب بتدافع قوى سياسيّـة عربيّـة ودوليّـة ، وتميّـزت التّـجربة بالإندفاع المفرط في المغامرات والمناورات السّـياسيّـة التي تبنى على قدر ضئيل من التـّشاور والتّـناصح مع العناصر القياديّـة الأخرى وبعد فوات الأوان .

ومن هنـا جاء المطلب الذي طرحته محاولات الإصلاح وهو ضرورة إعادة النّـظر في رؤيتنـا وتقويمنـا لمعطيّـات البعد الدّولي .

لقد طرحت مذكرة الإصلاح مثلاً مجمل تصوّرها في النـّقاط التـّاليـة :

1-             أن تتحوّل الجبهة إلى تنظيم سياسي يقوم على خصائص فكريّـة متميّزة من حيث الرّسالة والمنهج والأداء ، بحيث تلتزم خطًـا متميّزًا في علاقاتها الدّوليّـة تعتصم فيهـا بموقف عزيز وتستقلّ بسياستها ، وبالتـّالي تحتمي من الضغوطات التي قد تتعرّض لها من قبل علاقاتها الدّوليّـة .

2-             أن تتحرّك الجبهة على قدر  إمكانياتها الذّاتيّـة ، وأن تسعى في تحصيل أسباب القوّة كضمان للإحتماء من النـّفوذ الخارجي ، وألاّ تعوّل على الإمتداد والدّعم الخارجي ، وألاّ تصبح عالة على الغير في مقومات حياتها السّياسيّـة .

3-             أن تكثـّف التـّدابير والسّياسات التي تضمن قدرًا من التـّعاون والتّـآزر مع مختلف القدرات والجهود والطـّاقات الفكريّـة والسّـياسيّـة الوطنيّـة لخدمة مختلف جوانب التـّحرّك على ساحة العلاقات الدّوليّـة لإنجاز أهداف النـّضال الوطنيّ الإستراتيجيّـة المتمثـّلة في إنقـاذ الوطن وإعادة الشّرعيّـة الدّستوريّـة ، وإرسـاء دعائم الدّيمقراطيّـة .

ثـالـثًـا : في مجال علاقات الـجبهة مع فصائل المعارضة اللـّيبيّـة :

ويأتي هذا الخطأ الإستراتيجيّ في إطار الفشل الذي حقّـقه الأمين العـامّ في جوانب العلاقات النـّضاليّـة مع فصائل المعارضة اللـّيبيّـة في الخـارج ، فقد سيطرت على سياسته الإزدواجيّـة بين الرّؤية التي تلغي كلّ الـمتواجدين خارج دائرة سيطرة الجبهة وبين الإرتمـاء على بعض العناصر من أجل تحقيق بعض المكاسب الآنيّـة . هذا النـّوع من الضّـرب العشوائي لم يحقّـق للجبهة إلاّ المزيد من التّـنافر مع المناضلين والتـّباعد عن أوسـاط المعارضة السّـياسيّـة وتجمّـعات اللـّيبيين في الـمهجر حتّى كادت الجبهة أن تفقد كلّ عنصر صديق أو متعاطف أو متفهّـم لمواقفها واجتهاداتها ، لقد ساد شعور عارم في أوسـاط اللـّيبيين بأنّ القيادة الحاليّـة جعلت من الجبهة غاية وهدفًـا في حدّ ذاتها حتّى كادت أن تتحوّل إلى حجر عثرة أمام وحدة المعارضة الوطنيّـة . ومن هنا ظـلت الدّعوات الإصلاحيّـة تنادي بضرورة ترميم جسور وقنوات الإتـّصال والحوار والتـّعاون مع مختلف العناصر الوطنيّـة من منطلق المصلحة الوطنيّـة المجرّدة من المطامع والحسابات الشّـخصيّـة .

الأخوة والأخوات :

إنّ الـمرحلة  التي تمرّ بها القضيّـة الوطنيّـة تتطلـّب منّـا الـمزيد من العطاء والتّـضحيات المليئة بالمعاناة والآلام والمصابرة وذلك ما دفعنـا – من خلال المواقف التي اتـّخذناها منـذ مبادرة الإصلاح – إلى رفض الرّكون إلى هذا الواقع المتردّي أو الإستسلام لضغوطاته ، فحاولنـا تغييره أو تطويعه لمصلحة التـّنظيم وصالح القضيّـة ، ولكن جهودنـا مثل ما سبقها من محاولات ، لم تجد من القيادة الحاليّـة أيّ تفـهّـم أو محاولة للفهم ، بل كان نصيبها التـّهميش والتّـشويه ، بل التّـخوين منذ اللـّـحظات الأولى .

إنّ ما طرحته محاولات الإصلاح من تـحدّيـات أمام الجبهة كانت تتطلـّـب نوعًا جادًا من الرّجال على مستوى القيادة ، وقدرًا من الشّـجاعة والصّبر والجرأة والتّـوكـّل من الجميـع .

ولكن تبيّـن لنا أنّ القيادة الحاليّـة مصرّة على الإبقـاء على الحال السّـاكن للتـّنظيم ، بل إنّ الأساليب التي اتـّبعتها القيادة لتهميش تلك المحاولات الإصلاحيّـة اعتبرتها هذه القيادة براعة في فنّ الدّهقنـة والمناورة السّـياسيّـة ، فاعتبرت مناوراتها الإعلاميّـة المضلّـلة وأساليبها الإقصـائيّـة وإجراءاتها التّـسويفيّـة في داخل التـّنظيم قمّـة في فنّ إدارة الأزمـات ، وكان الأولى أن تواجه هذه الأزمة – التي لا تريد أن تعترف بـها أصلاً – بغير هذه الأساليب التي لم تعد تجدي أمام خطورة التّـحدّيـات ، فالجبهة كما نتصوّر تطرح نفسها من خلال " مشروع حضاري " يسعى لإنقـاذ الوطن وخدمة قضايا الأمّـة ، فكان الأولى أن تمارس العمل السّـياسي في وسطها من منظور حضاري ينسجم مع " المشروع " الذي تريد من كلّ عضو أن يعتبره بمثابة العقيدة السّـياسيّـة وإلاّ أسقطت عنه عضوية التـّنظيم ، وأن تمارس التّـنافس السّـياسيّ في وسط التّـنظيم بروح حضاريّـة تجعل منه وسيلة للخير وليس العكس ، أو كما قيل في الأثر أن السّـياسة هي " ما كان فعلاً يكون معه النّـاس أقرب إلى الصّـلاح ، وأبعد عن الفسـاد ... "

لقد أثبتت التّـجربة الأخيرة أنّ القيادة الحاليّـة لا تقدر على متطلـّبات الإصلاح ولا على التـّحدّيـات التي تفرضها المرحلة ، ولا تريد لهذا التـّنظيم أن ينهض من كبوته ، وليست على مستوى الشّـعارات الحضاريّـة التي ترفعهـا ، فالذي تحرّكـه الدّوافع المصلحيّـة الشّـخصيّـة لا يتحمّـل عبء القرار الضّروريّ لإحداث التـّغيير ، ولا يقدر على ضغوطات التـّـحدّيات وبالتّـالي لن ينتج عملاً عظيم الأثر والتّـأثير في واقع الجبهـة أو القضيّـة الوطنيّـة فضلاً عن أن يقدّم ما كنّـا نرجوه في صنع ليبيـا المستقبل .

إنّـه لم يعد خافيًـا على أحد بأنّ الجبهة كتنظيم سياسيّ لم تفقد القدرة على التـّواصل مع قاعدتهـا فحسب ، بل أنّـها لن تستطيع أن تقوم بالدّور الذي ادّعتـه لنفسها في ساحة الـمعارضة اللّـيبيّـة ، ومن باب أولى في أوسـاط الشّــعب اللّـيبيّ ، وستضلّ سوءاتها تتـعرّى أمام الرّفقـاء والفرقـاء عند كلّ أزمة قادمة ، وأكبر تلك السّـوءات : ضحالة رصيدهـا وشعبيتهـا في الدّاخل والخارج بسبب الطّـابع التـّسلـّطي الإستبدادي لقيـادتـها ، وبسبب الخلل الأمنيّ الذي شاب علاقاتها مع الدّاخل ، ومهما اختلفنـا في تقديرنـا للأساليب التي يتبعها الإنسـان اللـّيبيّ الـمقهور في تصدّيـه لإستبداد القذافي ، فإنّـنا لن نختلف بأن اللـّيبيين لن يقبلوا بأيّ نوع آخر من الإستبداد مهمـا كانت مسمّـياته ومبرّراته .

إنّ من أخطر الإبتلاءات التي واجهتها الجبهة هو إصرار الـقيادة على أن تجعل منها مجرّد تجمّـع لعدد كبير من الأتبـاع المعجبين بالزّعيم " الـرّمز " يدورون حيث يدور ، ولا يملّـون الزّهو بتضحيات الرّجال الـذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه دون أن يكون لذلك أثر في الممارسة النـّضاليّـة للتـّنظيم . إنّ ما وصف مؤخّـرًا بضرورة " الإنصيـاع للشّـرعيّـة " إنّـما هو تعبير عن هذا الخلل في العلاقات النـّضاليّـة في داخل الجبهة وهوشعار يفترض أنّ الشّرعيّـة تعني " الـزّعامة الـمطلقة " للرّمز الذي يفترض هو بدوره ضرورة وحتميّـة الإنقيـاد الأعمى له من كلّ أعضـاء الإنقـاذ " في أيّ موقع وفي أيّ زمان ومكان وتحت أيّ ظروف "

وإلى اللـّـقاء في الجزء الثّـاني من هذه الوثيقة .

محمّد قدري الخوجة

Nkadri2004@yahoo.com



                    

 

 

 
Home
أوّل استقالة جماعيّـة علنيّـة من الجبهة الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا -2