استقـالة
أوّل رئيس للمجلس الوطـني للجبهة الوطنيّـة
لإنقـاذ ليبيـا من عضوية اللّـجنة
التّـنفيذيّـة وعضوية الـجبـهة .
انتـخب
أعضـاء الجبهة الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا
الدّكتور محمود سعد تـارسين كأوّل رئيس
لمجلسهم الوطنيّ الأوّل ، وشـارك بكلّ الجهد
والعطـاء في مجالات النـّضـال الأخرى للجبهة
دون كلل أو ملل ، وعنـدمـا اتـّضحت له الأمور
من موقعـه في قمّـة الهرم التّـنظيمي بعكس
مـا يذكر وينشر إعـلاميّـًـا ، ومـا يحـاك في
الخفـاء غير مـا يتظـاهر به من بيدهم زمـام
ومقـاليد الجبهـة ! وعنـدمـا بلغ السّـيل
الـزّبى ، وأصبح من الـمحتّـم كشف المسـتور ،
وقول كلمـة الحقّ لتنبيـه الـمخطئ ، وترشيد
الـغـافل ، وتـحذير القـادم الجديد لكي لا
تتكـرّر الـمأسـاة ! وإن تكرّرت فلا لوم ولا
عتـاب على من صدع بقول الحقّ وأبـان مـا حاك
في الصّـدور ( بسبب التّجربة وأنمـاط
السّـلوك المتأصل والمتكرّر معيشة ) خوف
إطـّلاع النّـاس عليه !! قـدّم الدّكتور محمود
سعد تارسين استقـالته ( التّـالية ) لأمين
وأعضـاء اللّـجنة التّـنفيذيّـة بتاريخ : 3
رجب 1406هـ الموافق 13 مارس 1986م ، وصورة منـها
للأخ رئيس المجلس الوطني .
بسم
الله الرّحمن الرّحيم
"
ونفس وما سوّاهـا فألهمها فجورهـا وتقواهـا
قد أفلح من زكـّاهـا وقد خاب من دسّـاهـا "
الحمد
لله ربّ العالمين ، جعل مـن الصّـبر نصرًا ،
ومن الضّـيق فـرجـا ، ومع كـلّ شدّة مخرجـا ،
ومع العسر يسرا ، وجعل سبحـانه لكلّ بداية
نـهايـة ..
الإخوة
أمين وأعضـاء اللـّجنة التّـنفيذيّـة
السّـلام
عليكـم ورحمـة الله
أحبّ أن
أنتهز فرصة اجتماع لجنتكم التّـنفيذيّـة
ومكتبكم الدّائم لأقف بينكم ومعكم وقفـة
مراجعة وتأمّـل ، مستشعرًا في ذلك المساءلة
الرّبّـانيّـة التي
تكون النّـيّـة والوسيلة فيـها هما
الـمقيـاس والـمرجع ، ومستشعرًا كذلك
المسؤولية التّـاريخيّـة لشخصي الضّـعيف ،
الذي عارض حكم القـذافي منذ سنوات حكمه
الأولـى من موقف وطنيّ بحث ، وليس بتـاتًـا من
موقف سيـاسيّ قد يضطـرّ يومًـا إلى أن يخضع
إلى تكتيك مرحليّ ، أو تنـازلات مؤقـّـتة ، أو
أسـاليب تفرضـها السّـياسـة .
لقـد
شاءت إرادة الله أن أنـضمّ إلى الجبهة
الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا منذ أن كـانت فكرة
وليدة ، ووضعت يدي في يـدّ أخي محمّـد
الـمقريف ، الذي قـام بمبـادرة كتـابة بيـان
معـارضتـه لحكم القـذافي باسمـه الشّـخصيّ ،
وشرع مع اخوة لـه آخرين في تشكيل تنظيم
معـارضة آخر يتميّـز عن غيره من التّـنظيـمات
الموجودة قبلـه ... وقد انضممت إليهم – كمـا
انضـمّ عشرات ، بل مئـات غيري ... – بدافع
الثّـقة الشّـخصيّـة في سمعة وضمير أصحـاب
هذه الـمبـادرة ... وبالرّغم من أنّـني لم أكن
فعـلاً من الـمؤسّـسين لهذه المنظـمة كما
تذكر وثائقـهـا ، إلاّ أنّـني نزلت عن رغبـتي
لإخـوتي ، وتحمّـلت لمسؤوليّـة أوّل مجلس
وطنيّ بغيـة إنجاحه .. ومن منطلق الإخلاص في
العـمل النـّضـاليّ قبلت كذلك مسؤوليّـة
رئـاسة الـمجلس على أسـاس أنّ الـعمل جمـاعيّ
، والـمسؤوليّـة جمـاعيّـة ، والقـرار شوريّ
... وعلـى مـدى ثلاث سـنوات ونصـف ، فقد تبيّـن
لـي أن ذلك حلـمًـا مثـاليّـًـا مستحيل
التّـحقيق ... ولا أريد – إخوتي – أن أقصّ
عليكم تفـاصيل تجربتي الـمريرة خلال هذه
الـمدّة الطـّويلـة ، فأنـا أعلم أن وقتكم
ووقـتي لا يسمحـان بذلك ... ولكن يكفي أن أذكر
هنـا بأنّـني قد واجهت صـعوبة بـالغـة في أن
أجـانس نفسـي مع مجموعة صغيرة استأثرت بكلّ
شئ ، وأحـاطت نفسـها بسيـاج من الرّسميّـات
طالمـا ترجعهـا إلى ( الشّـكل التّـنظيميّ ) و
( القـنوات التّـنظيميّـة ) و ( الكـادر
التّـنظيميّ ) ... ووجدت نفسي في حرج من تسـائل
والـمتـابعة ؟ حيث إشراكي في بعـض الأمور
خـاضعًـا للأمزجـة الشّـخصيّـة ! ... ولا أريد
هنـا أن أستعرض قدراتي الشّـخصيّـة في
التّـحرّك النّـضـالي ، أو الاتصال الشّـعبيّ والـرّسميّ ، ولكنّـني
أحبّ أن أؤكـّد بأنّـني كنت خـارج الصّـورة
الحقيقيّـة التي ظلـّـت فقط معلومـة لمجموعة
تـعدّ على الأصـابع ، ممّـا جـعل أحد أعضـاء
اللـّـجنة التّـنفيذيّـة الأولـى
والحـاليّـة يقول بحضوري لأحد الأخوة العرب
بأنّ " هـناك أمور فـي الـجبهـة لا يعلمـها
حتّـى الأخ رئيس الـمجلس محمود " ... وهـذا
ما جـعلنـي أتّأكـّد بأنّ هنـاك سرًّا وراء
هذه الـمركزيّـة ظلـّـت أجـهله ... وهكذا لم
يتعـاون معي شخص واحد من قيـادات الجبـهة ، بل
إنّ الأشخـاص الذين كـان يفترض فيهم مـعاونتي
في مسؤوليّـات أمـانة المكتب الدّائم ، مثل
نـائب رئيس الـمجلس والـمقرّر ، قد أسندت
إليهم مـهام أخرى شغلتهـم عن الـمهام
الرّئيسيّـة التي كلـّفهم بـها المـجلس
الوطني الأوّل !
وبنظرة سريعة للفترة الواقعة بين
الـمجلسين الوطنيين الأوّل والثـّـاني ،
فإنّ الجبهة قد واجهت العديد من الـمشـاكل
والصّـعاب ، وأخصّ منـها ما يتعلـّق بالأمور
التّـنظيميّـة وردود أفعـال القـاعدة تجـاه
مواقف معيّـنة اتّـخذتـها الجبهة ... وفي كلّ
مرّة فإنّ منـاقشة هذه الأمور كـانت تؤجّـل
لمنـاسبة أخرى هي في الغالب اجتمـاع قادم
للمكتب الدّائم ... ولكن كـان يعدّ لتلك
الاجتمـاعات بحيث تصبح القضـايا الـمؤجّـلة
لا مكـان لهـا ، لا في جدول الأعمـال ، ولا في
السّـيـاق العامّ لتلك الاجتمـاعـات ... ولا
أدلّ على ذلك من اجتـماع الـمجلس الوطني
الثّـاني ، الذي نجح في القـفز به على جميع
القضـايا الأسـاسيّـة التي تواجه سير
الجبهـة ، وتجـاهل التّـساؤلات والاستفسارات
حول بعض القضـايا التي شغلت القـاعدة مدّة
طويلة من الـزّمن ... رتبت جلسـات المجلس حتّـى
صـار المتسائل مشـاغبًـا ، ونعت من طـالب
بحقّ القـاعدة في المحاسبة بقصوره الأدبيّ في
مدح " القيـادة " على إنجازاتها ! ... كان
المجلس الوطني مظـاهرة رائعة ، أو كمـا وصفه
أحد الأخوة " مهرجـان " رائعًـا ،
مليئًـا بالخطب والنـّدوات والشّـعر ! ... ولكن
قضـايا الجبهة الأسـاسيّـة لم تنـاقش ، وتركت
لتزداد تعقيـدًا .
أحـبّ
كذلك أن أشر إلى نقطتين أسـاسيتين وهـامتين ...
ولعلـّـهما بيت الـدّاء :
·
أولاهـما
الـمركزيّـة ، والقرارات الفرديّـة داخل
الجبـهة ... وبمراجعة بسيطة للجـان الفرعيّـة
المكوّنـة لمتـابعة موضوعـات معيّـنة ،
تجدون أنّ هنـاك أشخـاصًـا قلـّة يتكرّر
تعينهم في كلّ لجنـة ! ، وتصبّ معلومـاتهم
وقراراتهم عند مصدر واحد يتـابعهــا
ويحرّكـها ... وكـأنّ ليس في الجبهة قـدرات
غيرهـم ! ، ولا مخلصون غيرهم ! ، وكأنّ
قـاعدة الجبهة لا تتكوّن من أقدر
العنـاصر وأعـلاهـا مؤهـّـلاً ... وكأنّ ليس
من مسؤوليّـة الجبهة السّـياسيّـة
والأدبيّـة والتّـاريخيّـة اكتشـاف قدرات
جديدة ، وتدريبهـا ، وإعطاؤها فرصة العمل
والإضـافة والتّـجديد .
·
إنّ
القرارات الفرديّـة تجلـّـت كذلك في أمثلة
واقعيّـة أخرى ، أورد بعضـها للمثل لا للحصر
... أحدهـا تحديد موعد ومكـان اجتمـاع الـمجلس
الوطني الثـّـاني ، ودعوة النّـاس لحضوره قبل
أن تقـرّر ذلك إذ لا اللـّجنة التّـحضيريّـة
للمجلس ولا المكتب الدّائم ... ومثـال آخر هو
دعوة أشـخاص رفض المكتب الدّائم ( دعوتهم ) ،
ثمّ فوجئ الـجميع بدعوتهم .
·
أمّـا
النـّقطة الأسـاسيّـة الثّـانية ، فتتعلـّـق
بمصـادر الجبهة الـماليّـة التي لا يعرفـها ،
ولا يتصرّف فيـها إلاّ نفر قليل ... ومن
الـمؤسف أنّ هذا الـمال قد استغلّ في محاربة
بعض الأشخـاص والسّيطرة على مواقفهم وآرائهم
... بل وقد حدّ من النّمو الشّـخصي للعديد من
شباب الجبهة الذي اكتفى بالاعتماد عليـها في
قـوته ومعـاشه ... وهذا في رأيـي ليس جـهـادًا
ولا نضـالاً ! .
أيّـها
الإخوة الكـرام .. إنّ العديد منكم على علم
بأفكـاري ، وتسـاؤلاتي ، ومعـانـاتي ... ذلك
أنّ إخلاصي لله وللقضيّـة
، قد جعلـني ألـجـأ إلى الاحتمال والصّبر ،
وتكرار الـمحـاولة ... وقد لجأت كذلك إلى
إخوتـي الذين رأيت أنّـهم يملكون التـّـأثير
لصـالح وحدة هذا التّـنظيم خـاصّـة وأنّـهم
على علم بكلّ خطوة تخطوهـا الجبهـة ، رغم
أنّـهم كـانوا خارج جهـازهـا التّـنفيذي ،
وأذكر بالخصوص الأخ عـاشور الشّـامس رئيس
الـمجلس الـحالي ... كذلك صـارحت إخوة
تنفيذيين آخرين ، أذكر منهم : الـمرحوم أحمد
حواس ، ومحمود النـّـاكوع ، وعلي رمضـان ،
محـاولاً شرح وجهة نظري ، والتّـدليل على أنّ
خلافي مع بعض الأشخـاص ، وعلى الخصوص الأخ
الأمين الـعـامّ ، هو اختـلاف تنظيمي وليس
شخصي على الإطـلاق ... فنحن شخصيّـًـا
واجتمـاعيّـا إنسـانان منسجمـان
ومتفـاهمـان ... ولكنّـنا تنظيميّـًـا غير
ذلك ... والقضيّـة بالنّـسبة لي قضيّـة مبـادئ
وقيم وأهــداف .
ولتـعلموا
أيّـهـا الإخوة بأنّـني قد ذكـّرت بكلّ هذه
القضـايـا وبغيرهـا كثير في وقت مبكّـر ،
وبالتّـحديد منذ اجتـمـاع الـمكتب الـدّائم
الثّـاني الذي عقد في الخرطوم خلال شهر
أكتوبر 1982م ، وكذلك فـي اجتمـاع المكتب
الثّـالث في التّـقرير المكتوب الذي حملته
للأخ نـائب رئيس الـمجلس ... وذكّـرت بذلك
أيضًـا في التّـقرير السّـاخن الذي قرأتـه في
اجتمـاع المكتب الدّائم في ديسمبر 1984م ... ولكم
أن ترجعوا إلى هذه التّـقـارير .
وحتّى
لا آخذ الـمزيد من وقتكـم ، فإنّـني ألخص
كلامي في الآتي :
·
إنّ
العمل في الجبهة – من أي موقع – غير جمـاعي ،
وغير شوري ، وغير ديمقراطي ... بينـما
المسؤوليّـة الأدبيّـة والتّـاريخيّـة
فيـها مسؤوليّـة جمـاعيّـة .
·
إنّ
الجبهة تنظيميّـا هيكل مرسوم على الورق في
شكل بنود ، وصيغ مثـاليّـة ... ولكن واقعيّـًـا
فإنّ جميع الأشكـال التّـنظيميّـة من وحدات ،
ومكـاتب منـاطق ، ولجـان ، ولجنة تنفيذيّـة ،
ومكتب دائم ، تعـاني خلـلاً تنظيميّـًـا ،
أصـابها بالشّـلل ، وعطـّل فعـاليتهـا ، حتّى
صـارت الجبهة تعني أشـخاصًـا بعينهم ، يملكون
القرار ، ويتحكّـمون في تحديد الـمسـار .
·
إنّ
الـجبهة ، وخـاصّـة لجنتـها التّـنفيذيّـة ،
جـهاز لا يؤمن بالنـّـقد الـذّاتي ، ويتجنـّب
دائمـًا تصحيح المسيرة ، ويكره الاعتراف
بالـخطـأ والنـّقد الـذّاتي ... وهو بهذه
الفلسفة غير قـادر عـلى تصـوّر ليبيـا
الـمستقبل التي يجب أن يكون فيـها مكـان لكلّ
اللـّيبيين على اختلاف مسـارهم وتوجّـهـاتهم
، نـاهيك بتسيير الأمور فيـهـا ... إنّ الجبهة
على هذه الصّـورة قادرة على القـفز إلـى
ليبيـا ، ولكنّـهـا غير قـادرة على السّـير
إليـها .
·
إنّ
رؤيــة العـمل السّـيـاسيّ – فلسفتـه
ومنهجـه وبرامجه – غيـر واضـحة فـي الـجبهة
... وهـذا هو سبب وجود الـمركزيّـة القـاتلة
فيـهـا ، وتخبـّط إطاراتها التّـنظيميّـة
الـمختلفـة ... ولعـلّ انـطلاق " قيـادة "
الجبهة من الإيـمـان بأنّـه ليس للقـاعدة دور
في إسقاط القـذافي قد جعل الشّـكل
التّـنظيميّ هيـكلاً تفـاخر به فصـائل
الـمعـارضة الأخرى .
·
هـناك
ارتبـاطات سيـاسيّـة مصيـريّـة بجـهـات لم
يؤخـذ فيـها رأي الجمـاعة ، ولم يتم فيـها
التّـصويت على أيّ مستوى ، وينقصـها
الانضبـاط والتـّوثيق ، وقد طالبت مبكّـرًا
بضبطـها وتوثيقـها ، فكـان نصيبي الـعقـاب
الذي أخذ صيغـًـا من التّـجاهل
والـمقاطعة والتّـحجيم .
لـهذا
... أقـدّم استقـالتي من اللّـجنة
التّـنفيذيّـة ، ومن الجبهة الوطنيّـة
لإنقـاذ ليبيـا ... هذه الاستقالة التي
كتبتـها باختصـار أثنـاء وجودي ببـغداد إثر
انتخـابي ، وقد طلب منّـي العديد ممن أثـق
بإخلاصهم وتعقلهم تأجيلهـا ، ودراسة
الـموضوع مـدّة أطول ، وإعطـاء فرصـة للأمور
علـّـها تتحسّـن ... ولكن مـا تمّ منـذ ذلك
التّـاريخ قد زاد نظرتـي تأكـّدًا ،
واستنتاجـاتي صحّـة ، وثبـت لـي وأنـا أتـابع
من بعيـد أنّ الأمور فـي الجبهـة تزداد
تعقـّـدًا ، وأنّ الأخطـاء تتكـرّر ... وأنّـه
لا طـاقة لـي على الاستمرار في هـذا
الاتـّـجـاه .
أطلـب
من كلّ فرد فيكم أن يغفر لي ما يكون قد بـدر
منّـي نحوه عمـدًا أو خطـأ دون وجه حـقّ ...
اللـّـهمّ
أعـط نفوسنـا تقواهـا .. وزكـّـها ... أنت خير
من زكـّـاهـا ، أنت وليّـها ومولاهـا ... غفر
الله لنـا خطـايـانـا ، ومنحنـا القـدرة
والشّـجاعة على اكتشـافهـا ، والاعتراف بـها
واصـلاحهـا ... وصلـّى
الله على سيّـدنـا محمّد .
والله وحـده يهـدينـا إلى سبل الرّشـاد .
محمّـد قـدري الـخوجـة
|