أوّل استقالة
علنيّـة لأحد أعضـاء اللّـجنة التّـنفيذيّـة
للجبهـة الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا
في الحلقة الأولـى والثّـانية في هذه
السلسلة ( من الوثـائق ) ، قمت بنشر أوّل
استقالة جماعيّـة علنيّـة من الجبهة
الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا ( 45 منـاضلاً
ومنـاضلة ) بتاريخ ( 15/6/1987 ) ، ولقد ركّـزت على
التّـذكير بأنّـهـا استقالة جماعيّـة لأنّ
الجبهة شهدت في مطلع إنشـائها انشقاقًـا
وانسحابًـا لمجموعـة من الشّـباب الذي أعطى
الجبهـة زخمًـا ودورًا للقبـول الشّـعبيّ ،
وفـي الحلقات ( 3-5 ) نشرت ثـاني إستقالة
جماعيّـة علنيّـة من الجبهة الوطنيّـة
لإنقـاذ ليبيـا ، وقـّـعها (15) عضوًا
قياديـًّـا من اللّـجنة القيادية والمكتب
الدّائم . أمّـا الحلقة السّـابقة (6) فقد نشرت
مقتطفـات من خمس (5) وثاثق .جميعـها أشارت
وحدّدت الأسباب الجوهريّـة التي أدّت إلى ما
آلت إليه الجبهة الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيــا .
إنّ ظاهرة الإنسحـابات والإستقالات
الفرديّـة والجماعيّـة والإنشقاقات التي
شهدتهـا الجبهة الوطنيّـة لإنقاذ ليبيـا
التي وثـّـق بعضها برسـائل وبيانات
ومذكّـرات ، وبعضها ، بل وأغلبـها لم يصاحبها
تقديم رسائل أو بيانات أو مذكـّرات مكتوبة ،
وجميعـها وضّـحت وأكّـدت على وجود أخطـاء
جوهريّـة في الجبهة صـاحبتها حتّى قبيل
الإعلان عن إنشـائها ولا تزال !! وذلك راجع
لعديد من الأسباب لا مجال لذكرهـا أو سردهـا
الآن .
" بعد
إنتـهاء إنعقـاد المجلس الوطني الدّورة
الثّـالثة بمدّة بسيطة بدأت الأخطـاء التي
تركت بدون إصـلاح ... أكبر خطأ .. ارتكب في
المجلس الوطني ، هو طريقة ترشيح وانتخـاب
أعضـاء الهيئة القيـاديّـة ، ونوعيّـة
العنـاصر التي تمّ تعيينـها في الهيئـة ... وقد
كنت شديد المطالبة بالتّـغيير ، وإعطـاء
الفرصة للقيـادات الفاعلـة أن تقوم بدورهـا ،
وتنشـل العمل من ركود فرضـته سياسة الأمر
الواقع .. إنّـنا وصلـنا بالـعمل إلى طريق لا
نملك تحديد إتـّجاهـه ، والشّيء الوحيد الذي
نملكـه هو إنـهـاء العمل ، وهذا فـي حدّ ذاتـه
تراجـع واستسلام لـروح اليـأس والـقنوط .. "
(30/10/1992م) .
لم أقم بنشر كـامل
الوثيقة الثّـانية من الحلقة السّـادسة (6)
وهي مذكّـرة من خمس صفحات قدّمت إلى اللجنة
التّـنفيذيّـة والمكتب الدّائم بتارخ (28/8/1993م
) ، بل اكتفيت بنشر ملخص لبعض الفقرات التي
وردت فيـها ، وتلك المذكّـرة استهدفت
الإصـلاح ، لكنّـها أدّت إلى المزيد من
الإنشقـاق والإنسـحابات لأنّ " قيادة "
الجبهة لا تستطيع سماع الرّأي الآخر مهمـا
كانت صحّـته وسلامته ، ومهما كان مصدره أو
مؤيـّده ، فمن أحد أؤلئك المؤيّديـن لما ورد
في المذكرة قد أوضح بأنّ :
" أيّ محاولة إصلاحيّـة
لابد لها أن تنطلق من مضمون ما جـاء في
المذكـّرة المحرّرة بتاريخ 10 ربيع الأوّل 1414هـ
الموافق 28 أغسطس 1993م ... وأدعو المكتب الدّائم
والهيئة القيـاديّـة أن تكون في مستوى
المسؤوليّـة المنـاطة بهـا ، وأن تتنـاول هذه
المذكـّرة بعقل واعي ، بعيدًا عن العواطف
والأمور الشّـخصيّـة ... إذا لم أر(ى) ( إصلاح
وتغيير حقيقي ) ... فـي مدّة زمنيّـة محدّدة (
ثلاثة أشهر ) سأعتبر نفسي خارج إطـارهـا
التّـنظيميّ ومستقيلاً من عضويّـتـها "
!! ( رسالة موجّـهة إلى رئيس المكتب الدّائـم
وأعضـاء المكتب ، وإلـى أمين عـام الجبهـة
وأعضـاء الهيئـة القيـاديّـة بتاريخ : 10/9/1993م
) ، ومضى من السّـنوات عقـدًا أو يزيد والمكتب
الدّائم والهيئة القيـاديّـة لم ترق لمسـتوى
المسؤوليّـة ، ولم تُـتناول المذكـّرة بعقل
واع أو غير واع ... فالسّـنوات تمر والمشاكل
تتراكم ، والأخطـاء تتكرّر وتزداد ، ونسقط
أخطائنا وإحباطاتنـا ومشاكلنـا وفشلنـا على
الآخرين والآخرين فقط !!
لنعد
بالذّاكرة إلى اليوم الأوّل من ديسمبر 1987م ،
في ذلك اليوم قُـدّمت أوّل إستقالة فرديّـة
علنيّـة من عضوية اللّـجنة التّـنفيذيّـة
وعضويـة الجبهـة ، ( قدّمـها يوسف أمين شـاكير
للأمين العامّ ونائبه ، ولرئيس المجلس الوطني
، ولكافّـة أعضـاء الجبهة ) ونلخـّص بعض
الفقرات التي وردت فيـها :
" الأخ الدّكتور
محمّد يوسف المقريف الأمين العـامّ للجبهة
الوطنيّـة لإنقـاذ ليبيـا ، بعد التّـحيّـة ،
وكم كنت أتمنّـى ألاّ تأتي هذه اللـّحظة ...
وها أناذا أكتب لكم خطـاب إستقالتي هذا .. وكم
يختلف اليوم عن البـارحة . أمّـا أسباب
الإختلاف فإنّ قسمًـا منها يمضي في مسـارات
معقـّدة ليحلّ في نهاية المطـاف على كتف "
القيـادة " التي بايعنـاها ذات يوم ، آملين
أن تنسج من الخيوط المتنـاثرة حبلاً يلتـفّ
حول رقـاب جلاّدي الوطن ، فانهمكت في نسج
حبـال تربط بـها أقـدام المعارضة
اللـّيبيّـة .
وتركنا لكم موقع
الرّبـّـان ، وانطلقنـا نعمل بأكثر ممّـا
تسمح به طـاقة البشر في بعض الأحيـان ، وكنـّا
نلتفت إلى اتّـجـاه القارب بين الفينة
والأخرى ، ونتبـادل فيما بيننـا نظرات
التّـساؤل عن الإتـّجاه ، إذ لم يكن يبدو
أنّـنا نبحر نحو الوطن ، ولكنّـنا أزحنـا
الشّكوك من سلامة خطّ القيـادة وممارستهـا
جانبًـا ، وقلنـا إنّ مهمّـتنا الأولى هي
مواجهة النـّظام ، فيما قلتم أنتم إنّ أيّ
انتقادات تثـار من داخل سفينة الجبهة ستخدم
الخصم الذي يتربّـص بنـا جميعًـا ... وهكذا
كتمنـا حيرتنـا في الصّـدور ، على أمل أن تكشف
الأيـّـام أنّ مـا نراه " له أسباب لا يمكن
توضيحـها لدواعي الأمن " .. كمـا دأبنـا على
القـول ، ولإنّ مصلحـة الجميع السّكـوت الآن
، والحسـاب فيما بعد .
ولكن فيما بعد مـاذا
؟ .. هـا نحن نراوح في أماكننـا ، نقتـات على
عبارات محكمـة الصّـياغة بقرب النـّصر ، ولا
نبصر عملاً واحدًا يجعله أدنى ممـّا كان حين
بدأنـا . فلنتحـاسب إذا ...
إنّ بنـاء أيّ منظمة
سيـاسيّـة لابدّ أن يعتمد على معادلة ذات
شقـّين ، الشّـقّ الأوّل : هو حقّ "
القيـادة " في ممارسة دورهـا بتوجيه
السّـفينة نحو الهدف المنشود ، الشّـقّ
الثـّاني : هو حقّ الأعضـاء في مراجعة مدى
كفاءة " القيادة " في تنفيـذ هذا الدّور .
أمّـا الشّـقّ
الأوّل فقد نفذتـموه حتّـى القطرة الأخيرة ،
وأمّـا الشّـقّ الثّـاني فإنّـنا لم نر منه
بعد القطرة الأولى . لقد إختلـّت المعادلة ،
فرجحت كفـّة المركزيّـة المطلقـة ، بل لم
تعـادلهـا أصـلاً كفّـة
أخرى تضمن ضبط حركتـها ، ومتابعة دورهـا ،
وأدّى هذا إلى نتـائجه الـمحتومة .
انتهى الـمطاف إلى
إنفرادكم بتوجيه السّـفينة إلى حيث تشـاؤون
... حتّى وصل الأمر إلى إقتـناعكم العميق بأنّ
مـا تقولونه صواب مئة في المئة ، وأنّ أيّ
اختـلاف معكم – بالتّـالي – هو خطأ مئة في
المئة ...وهكذا وصل الأمر إلى نفق مسدود ..
إذ كيف يمكن للجبهة أن تعيش وقد أوقفت
الزّمن ! ، كيف يمكن لها أن تكتسب مظهر مـن
يسير ، فيما تراوح مكـانهـا ! ... لقد فرض هذا
الخلل الذي لم تنتقدوه ، ولم تسمحوا لغيركم
بانتقـاده ، تركيبًـا شـاذًّا في الطـّابق
العلويّ من بنـاء الجبهة ، فوجدنـا "
قيـادة " ضاق صدرهـا تدريجيّـًـا – بحكم
التّـعوّد ربـّمـا – حتّى لم يعد يقبل بهمسـة
نقد واحدة ، يحيط بها – أي بهذه القـيادة –
عدد من المسـاعدين
الذين تنحصر مهمّـة أغلبهم
في الطـّـاعة ، ونقل الـمعلومـات عن
زملائهـم ، دون مراجعة " القائد"
فيما يفعل .. وكم كـانت خسـاراتنـا فادحة ،
إذ خسرنـا " القيـادة " والمسـاعدين ،
ثمّ القدرة على توجيه السّـفينة بالـمرّة .
إنّ قنوات العلاقة
بين " قيـادة " الجبهة والأعضـاء
أصـابـها الإحتقـان ، حتّى بـات موقـف "
القيـادة " من أيّ عضو مرهونًـا بما ينقـله
إليهـا أحد " المساعدين " ، وعرضة لمزاج
هذا المسـاعد أو لأتّـفاقه واختلافـه مع
اتـّجاهات العضو محلّ التّـقييم ، والأمثلة
كثيرة ، ولا داعي لسردهـا ، وسقط كـثيرون تحت
أسـنان هذه الآلـة المختلـّة .
إنّـكم باختصـار قد
شكـّلتم هذا الهيكل المختنق ، كما أنّ هذا
الهيكل شكّـلكم بدوره ، فأصبح من الـمستحيل
التّـمييز بين عقليّـة " القيـادة "
ووسـائلـها ...ولكن التّـتابع المحزن لم
يتوقـّف عند هذا الحدّ ، فقد أدّى رفض الأذن
الإنصـات للنقد إلى ابتكـار أسـاليب تستهدف
اختصـار الطّـريق ، أيّ إسكـات الألسـن التي
تجرؤ على التّـفوّه به ، لقد تراكمت لدى "
قيادة " الجبهة ترسـانة كاملة من المفردات
اللـّغويّـة المخصّـصة للإتـّهام بالعمالة ،
فهذا عميل للموسـاد ، وذاك للقـذافي ، وذلك
للرّوس ، ورابع لجمهوريّـة مدغشقر
الدّيمقراطيّـة ... وكان هذا المناخ معبّـقًا
بالإتّـهامات والصّراخ والشّـائعـات ، حتّى
حوّلتـم سـاحة المعارضة اللـّيبيّـة إلى
ميدان معركة كلاميّـة ، وداست أحذية جنودكم
عشرات من المنـاضلين الشّرفـاء ، وأبـى عشرات
غيرهم المشـاركة في هذه المذبحـة
اللـّفظيّـة بمستواهـا المنـحطّ فانسحبوا
رافضين اللـّعبة برمّـتهـا .
وكم يجتاحكم غضب
هـائل إذا سمعتم من ينتقـد إذ ترون في ذلك
مسـاسًـا بحقـّكم المطلق في الجلوس على عرش
المعارضة اللـّيبيّـة ، تتذرّعون بتضحيّـات
الشّـهداء ، وتتسترون خلف وعود الخلاص العاجل
والإنقـاذ الوشيك ، وترفضون الإنصـات
لبقيّـة المعارضين الشّـرفـاء ، ثمّ ترفضون
الإنـصات للزّملاء المخلصين من أعضـاء
الجبهة ممّـن يحاولون تصحيح هذا الـمسـار ،
ثمّ ترفضون الإنـصات لمن يحاول جمع الشّـمل
ولـمّ الصّـفوف لعلّ في ذلك ما يعوّض مـا فات
، بل تطلقون عليهم رصـاص العمالة الجـاهز
دائمًـا في أفواهكم ، وذلك بدلاً من الحوار
والإقنـاع ، إذ كيف يمكنكم الحوار مع من ترونه
تهديدًا لإنفرادكم بعرش المعارضة ! .
إنّ المعارضة
اللـّيبيّـة – كما تمثـّلونهـا – تحتاج
بدورهـا إلى معارضة تنظـّفهـا ممّـا علق بهـا
من ممارسـات خاطئة ومن عقول نضب معينهـا إلاّ
من عبارات التّـبرير للقيـادة وسبّ من
ينتقدونـها .
إنّـني – الأخ
الدّكتور – مواطن ليبيّ عادي إخترت صفوف
المعارضة حين رأيت ما حلّ بالوطن من كوارث ،
إخترت المعارضة دون شروط ، وفي أحلك الظـّروف
، وأسّـست معكم الجبهة الوطنيّـة لإنقـاذ
ليبيـا كـأمل في الخلاص ، ثمّ هـا أنذا أعلن
خروجي منهـا علـّـني بذلك ألفت نظركم إلى مـا
تواجهـه الجبهة من مأزق حـادّ ، فإذا شئتم
الإنصـات لهذه الحنجرة المنفردة فإنّ عليكم
مواجهة مـا يحدث بتفـهّـم انتـقاد
الـمنتقدين ، بل وبقيـامكم بنقد ذاتـيّ
لممارستكم وممارسة التّـنظيم في السّـنوات
السّـابقة ، ثمّ التّـصدّي بجرأة لإنتزاع
الجذور التي أدّت إلى هذا الخلل العميق .
أمّـا إذا كـان الوقت قد فـات ، فإنّ إنقـاذ
الجبهة والعمل الوطنيّ برمّـته لا بـدّ أن
يمـرّ بطريق إستقـالة قيـادتـها " .
محمـّد
قـدري الـخوجـة
Nkadri2004@yahoo.com
|