الـمعارضـة
مـرّة أخـرى !!
(8)
لـمــاذا الـحـوار ؟
الـحوار
نقـاش بين طرفين حول رأيٍّ أو فكـرةٍ أو موضوع
أو وجهة نـظرٍ أو قضيّـةٍ ، وكلّ طرف ينظر
إليها من منظوره الـخـاصّ وفق ثقافتـه
ومسـتواه العلمي وخبرته في الـحيـاة من
معرفـة وتـجـارب ، ويعتقد في صحّـتها ويلتزم
بها ، ويدافع عنـهـا بكلّ
ما أؤتي من قدرات وأسـاليب وأدلّـة .
والأهـداف الـمرجوّة مـن الـحوار يـمكن
إيجازهـا فـي :
1-
الـوصول إلى معرفة
وفهم الطـّرف الآخر ، كيف يفكـّـر ؟ منهجه في
الطـّرح والتّـحليل ، موقفه من القضـايا
الـمطروحة . " إنّ فهم الأمـور نصـف
السّـداد " .
2-
الـوصول إلى إدراك
وفهم الحقـائق وأسس الفكرة أو الـموضوع أو
القضيّـة أو الرّأيّ أو وجهة النـّـظر ،
ويستتبع ذلك الإستعداد لقبول التّـعديل في
الرّأيّ أو الفكرة أو الـموضوع أو وجهة
النـّظر أو القضيّـة ، أو استبدالها بما هو
أصحّ وأفضل إذا ثبت بطلانهـا !
3-
إقـامة الـحجّـة على
الطـّرف الآخر ، بإظهار وبيـان خطـأ أو بطلان
رأيّـه أو فكرته أو وجهة نظره بأدلـّـة
عقليّـة موضوعيّـة .
4-
طـرح ونشـر أكثر من
رأيّ أو وجهة نظـر أو أسلوب في فهم موضوع أو
قضيّـة ، وترك الأمر للآخرين للإطـّـلاع على
الآراء الـمطروحة ، وإتّـخاذ مـا يرونه
حيـالها من موافقة أو إعتراض أو رفض .
إنّ الـحوار لا يلزم
أيّ طرفٍ أن يغيّـر من مواقفـه إذا لـم تتم
القـنـاعة برأيّ أو وجهة نظر أو موقف الطـّرف
الآخر لعدم التّـأكّـد من صحّـتها أو لأيّ
سبب آخر .
إنّ الـحـوار لا
يـعني الـكفر ، فلا كفـر في الـحوار ، فالكفر
في الكفـر ، ولا ضرر في الـحوار ولا ضـرر منه !
ولا إنتقـاص ولا عيب في الـحوار مع من كـان ،
بـل العـكس هو الصـّحيح ، وصـاحب الـرّأيّ أو
الفكرة أو الـموضوع السّـديد والـمنطق
الرّشيد لا يـخاف من الـحوار إلاّ إذا كـانت
قضيّـته أو حجّـته واهية أو ضعيفـة !! أجـل ،
لا كفر ولا ضرر في الـحوار ، بل فيه مكـاسب
عديدة منهـا : إتـاحة الـفرصة لـمزيد من الفهم
والـمعرفـة ورؤيّـة الأشيـاء من أبعـادٍ
ومواقف وظروف مختلـفة تسـاعد على إدراك أشمل
وأعمق للقضـايـا والـمواقف ، وتثري الـمعرفة
والدّرايـة .
إنّ الله سبحـانه
وتـعالى وهو الخالق والغنيّ عن خلقـه ، ونحن
الفقراء إليه يذكّـرنـا في ثلاث سـور مـن
القرآن الكريم ( الأعراف : 12-18 / الـحجر : 32-43 / ص :
75-85 ) بحواره مع إبليس عندما رفض إطـاعة أمر
الله سبحانه وتعالـى في السّجود لآدم ، يقـول
تعالى : " قال يا إبليس ما منعك أن تسجد
لِمـا خلقتُ بيديَّ أستكبرت أم كنت من
الـعالين . قال أنا خيرٌ منه خلقتني مـن نـارٍ
وخلقته من طين . قـال فاخرج منها فإنّـك رجيم .
وإنّ عليك لعنتي إلى يوم الدّين . قال ربّ
فأنظرني إلى يوم يبعثون . قال فإنّـك من
الـمنظرين . إلى يوم الوقت الـمعلوم . قال
فبعزّتِـك لأغـوينّـهم أجمعين . إلاّ عبادك
منهم الـمخلصين . قـال فـالحقّ والـحقّ أقول .
لأملأنّ جهنّـم منك وممّـن تبعـك منهم أجمعين
" . ( ص : 75-85 )
والـحـوار مـع مـن ؟
·
إنّـه
حوار بين كـافّـة اللّـيبيين في داخل الـوطن
وخـارجه ، فليبيـا جلّـها أخيـار وشرفـاء
وطاقات في كـافّـة مجالات الحيـاة ، وفي شتّى
الـمواقع والثّـغور ، فأبناؤها البررة
يحبّـونها ويعملون من أجلـها حاضرًا
ومستقبلاً ، ومن أجل سيادتها ورفعتها ،
وحمايتها من الفتن والدّمـار ، كيف لا ،
وليبيـا بلد الخير والعطـاء والنّـقـاء وإن
كـانت لا تخلو من بعض الأنـانيين وأصحـاب
النّـظرة الضّيّـقة سواء في الدّاخل أو
الـخارج ، وهؤلاء قلـّـة فليلة وهم شواذ ،
والشّـاذّ يحفظ ولا يقـاس عليه !
·
إنّـه
حـوار الإصلاح ينطلق من رؤية للحـاضر لا
بكـاء على الـمـاضي ومحاولة إصلاحه ! ويستهدف
الـمستقبل والمتمثل في الـمصلحـة العليـا
لكـافّة الـمواطنين لا فئة محدّدة ، إذًا
فـهو حوار الإصلاح والبنـاء لا حوار المزايدة
والمكابرة أو العـنـاد " كـاد الـعنـاد أن
يكـون كفـرًا " .
·
إنّـه
حـوار الـقرب لا البـعد ، تتحطـّم فيه حواجز
التّـصوّرات الـّتي بنيت عن بعد والـّتي
ولـّـدت الكراهيّـة والـحقد والبغضـاء
والعداوة ، أي أنّـه حوار الـفهم والـمعرفة
والتّـرابط والتّـواصل لا حـوار تآمر وتسجيل
نقـاط أو مواقـف !
·
إنّـه
حـوار مـدّ الجسور بين أبـنـاء الـوطن
الـواحد والـمستقبل الواحد والمصير الـواحد
، حـوار سلميّ من أجل ليبيـا وطنًـا ومواطنين
، ومن أجل أبنـائنـا وأسرنـا وأهـالينا ، ومن
أجل البـنـاء والإعـمـار لا الهـدم
والـدّمـار ، ومن أجل الخير لا الشّـرّ
والإضـرار .
لـقــدخسرنـا
الكثير الكثير من إنـعدام الـحوار حتّـى
أصبحت مقولة " لا حـوار " وكأنّـها عقيدة
وحقيقة مطلقـة ، فتباعدت بيننـا الشّـقّـة ،
واتّـسعت الهوّة ، واشتـدّ العـداء ! ومن يرى
خلاف ما ذكرت ، فليذكـّرنـا بـما استفذنـاه
من إنـعدام الـحوار !! .
ولـن نخسـر شيئًـا
لـو تـحـاورنـا ، لأنّ الـحوار لا يعني
التّـنازل عن الآراء المعتقد في صحـّتهـا أو
الـمواقف الـّتي لم يثبت بعـد بطـلانهـا ،
ومن يرى خلاف مـا ذكرت ، فليذكـّرنـا بـماذا
سنخسر لو تـحـاورنـا !! .
لـقد كنّـا ولا يزال
بعضـنا يعتقد بأنّـنا مارسـنا الحوار
ونمارسه من خلال الكتابات من مقالات ورسـائل
ورسومـات، ولكن فـي واقع الأمر ( وفق وجهة
نظري ولا ألزم غيري بها ) لـقد مارسنـا
ونمـارس حروبًـا أهليّـة وقبليّـة
إعـلاميّـة ، زادهـا الكلام البذيء
ومفرداتهـا ألفـاظ السّـبّ والشّـتم ،
ورسومـاتها دليل السّـقوط الأخلاقي الشّـنيع
!! ولقـد اتّـسمـت حـواراتـنـا بـ :
·
دعـاوى
مـعرفة النّـوايـا ، ثمّ حبـك فصول قصصيّـة
لا تستنذ علـى أيّـة حقائق أو أدلـّة
.
·
التّـرع
في إصدار الأحكـام والإتّـهامـات بنـاءً على
مـا تمّ حبكه من تصوّرات استنذت على استكشـاف
النّـوايا ، وربط الأحداث وفق نتـائج محسومة
أصـلاً ومسبّـقًـا " إن لم تكن نسخة منّي ،
فأنت ضدّي وعدوّي " !! ثمّ تقدّس تلك الأحكام
وكأنّـها حقائق مطلقة !
·
التـّعصّـب
لتلك الأحكـام الـّتي بنيت على بـاطل " مـا
بني على بـاطل فهو بـاطل " ، ويشتّـد
التّـعصّـب والـغـلو لتلك الدّعاوى لو أنّ
إنسـانًـا آخر ناقشها من منظور مغاير وبقدرات
ومفـاهيم ومعرفة مختلفـة ,
" إنّ الـعقـائد بـالـغلو تضـار " !! .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه يبـدأ
بإصلاح نفسـه ، ثمّ إصلاح محيطـه ، وبكلّ
تأكيد لا يعني ذلك أن يتنـازل الـمحاور عمّـا
يعتقد في صحّـته ، بل يجب أن ينطلـق الـمحـاور
من قـاعدة : " إنّ موقفي ورأيي صحيح قابل
للخـطأ ، وإنّ موقف ورأي الطـّرف الآخر خطـأ
قـبل للصّـواب " ! وبذلك تنعدم فكرة
الإستحواذ والـغرور والإجبـار والإكراه .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه لا
يـدّعي الـمعرفة بالـنّـوايـا ، ولا يـخوض
فيـها إحترامًـا لعقله وتوفيرًا لوقته ونزع
بذور الفتـن والبغضـاء ، والـمحاور الـمخلص
يتسآءل عمّ لا يعرفـه ، وبتأكـّد من
معلومـاته ومصـادرهـا ، ولا يتوقّـف عن
الإطّـلاع والبحث .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجـه لا
يتـحدّث بلسـان الآخـرين ، أو عـلى لسـان
الآخرين ، خـاصّـة الطـّرف الآخر في الـحوار
، بل يتـحدّث عـمّـا يعتقد في صحّـته ومـا
يراه صحيحًـا ، فلا يقـل : " إنّ الطّـرف
الآخر يـعني ويقصـد ويحـاول أن " ، ولكن
يقول : " قال الطّـرف الآخر ..... ، وذكر
الطّـرف الآخر أنّـه ..... ، وأنـا أقول ، أو
أنـا أذكر " .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه لا
يـدّعي اليقيـن الـقطعي في الأحكـام
والنّـتـائج بصورة مطلقـة ، فالقضـايا
والأحكـام والنّـتـائج قابلة للتغيير
والتّـعديل والتّـحوير ، ويكون على إستعداد
لقبول ذلك التّـبديل أو التّـغيير أو
التّـعديل إذا ثبت بالدّليل صحّـته .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه لا
يستعجل النّـتـائج ، ولا يستعجـل إصـدار
الأحكـام ، ففي
التـّأنّـي السّـلامة وفي العجلة النّـدامة .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه "
كيـّـس فـطن " لا يـحـاور متنطّـعًـا (
الـمبـالغ في الأمور ) فعن الرّسول صلّى الله
عليه وسلـّم أنّـه قال : " هلك الـمتنطّـعون
" قالها ثلاثًـا .
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه لا
يـحـاور الـبذئ ، ولا من يجهـر بالـبذاءة
لأنّـه كجليس السّـوء ونـافخ الكير ، فعن
ابن مسعود رضي الله عنه قـال : قال رسول الله
صلـّى الله عليه وسلـّم " ليس الـمؤمن
بالـطـّعـّان ، ولا اللـّعـان ، ولا الـفاحش
، ولا الـبذئ "
إنّ الـمحاور
الـمخـلص الـّذي يهدف تحرّي الـحقّ ، والحكمة
والرّشـاد ضـالته ، والإصـلاح منهجه يركـّز
على منـاقشة الـرّأيّ أو وجهة النّـظر أو
الـفكرة أو الـموضوع أو القضيّـة منـاقشة
موضوعيّـة ، وسـواء توصـّل الطـّرفـان إلى
قـنـاعـات مشتركة أو إتـّفاقٍ ، أو ظـلّ
الإختلاف قــائمًـا ، فإنّ ذلك لن يؤثّـر على
العـلاقـات بين الطّـرفين، أو نظرة كلّ طرف
للآخـر بإحـترام وتـسـامح .
فـي الـرّأيّ تضـطغن
الـعقول
وليـس تضـطغن الصـّـدور
لـقد تـعدّدت وجـهات النّـظر في قضيّـة
الـحوار بين فصـائل الـمعـارضة ، فهـنـاك من
لا يـعـارض مبـدأ الـحوار ، ويذكر بأنّ
هـنـاك أسـسًـا للحوار ، وهـنـاك من يرفض
الـحوار رفضًـا قطعيًّـا من أيّ مصدر يدعو
للحوار بإعتبـار أن الـحوار والـمصـالحة
ليست الطّـريق الـجـادّ ، وهـنـاك من يرى أن
الـحوار إجتهـاد سياسيّ لا يستنكـّر على من
يرى فيه مصلحـة القضيّـة الـوطنيّـة ،
وهـنـاك من يرى ( وأنـا من ضمنهم ) أنّ الـحوار
والـمصـالحة أو التّـصـالح متروك لحريّـة
الإنسـان الشّـخصيّـة ( فردًا أو فصيلاً أو
تنظيمًـا ) ، فحريّـة الإنسـان وإجتهـاداته
مكفولة له بحكم الخلق ، فلا توصف هذه
الإجتهـادات بأيّـة نعـوت أو صفـات سلبيّـة ،
وفي الوقت ذاته لا توصف آراء وإجتهـادات
الطـّرف الآخر بـأيّـة نعـوت أو صفـات
سلبيّـة أيـضًـا .
وختـامًا ، فـما أحوجنـا إلى مدّ الجسور
بيننـا ، وإلى التّـواصل ، وليبق الـخلاف
الفكريّ خـلافًـا سلميًّـا لا تـحريض فيه ولا
إجبـار عليه ، ولا دعوة فيه للتّـمرّد
والعصيـان ، ومـا أحوجنـا إلى حوارات تزيل
بذور الفتـن والخراب والدّمـار ، وتحقّـق
التّـرابط والعـمران .
محمّـد
قدري الـخوجة
Mkelkhoja2000@yahoo.com
|