الـمعارضـة
مـرةً أخـرى !!
(7)
للـحوار أصـول وآداب
عندمـا
يطرح الإنسـان فكرة أو رأيًـا أو موضوعًـا أو
قضيّـةً فسيكون لهذا الطّـرح ردود أفعـال
متبـاينة ( وهذا أمر طبيعيّ ) من حيث القبول
والـرّفض ، ومن حيث أسلوب الـرّدّ ومنهجه ،
ويتمّ التّـعبير على هذا القبول أو الرّفض
إمّـا بـ :
·
منـاقشة
الفكرة أو الرّأي أو الـموضوع أو القضيّـة
مناقشة موضوعيّـة تهدف إلى تأييد مـا ورد في
الفكرة أو الرّأي أو الـموضوع أو القضيّـة ،
أو بيـان بعض النّـواقص والقصور ، أو طرح بديل
مغـاير أو أفضـل .
·
مهاجمة
صاحب الفكرة أو الرّأي أو الـموضوع أو
القضيّـة مهاجمة شخصيّـة سواء بالتـّجريح أو
السّـبّ والشّـتم أو بالـغمز والهمز
واللـّـمز ، بل وغـالبًـا ما يتعدّاه إلى
مستوى متـدنّـي أخلاقيّـًـا حيث يتـمّ
استعمال ألفـاظ بذيئـة سوقيّـة "
شوارعيّـة " !! والسّـبب في ذلك يعود إلى صغر
النّـفس وضعف العلـم وقصور الفهـم والـميل
إلى الهوى والتّـعصّـب .
عندمـا يطرح
الإنسـان فكرة أو رأيًـا أو موضوعًـا أو
قضيّـةً ويطـرح الآخرون ردود أفعـالهم يصبح
أمام صاحب الفكرة أو الرّأي أو الـموضوع أو
القضيّـة الخيـار في الـرّدّ على تلك الرّدود
أو تجـاهلهـا ، وهذا يتوقّـف على بعض
العـوامل منهـا أسـلوب ردّ الآخـرين :
·
ففي
حالة استعمال الألفـاظ البذيئـة من سبّ وشتم
، والمصطلحات البعيدة كلّ البعد عن القيم
والأخلاق ، أو التّـعرّض لشخصيّـة صاحب
الفكرة أو الرّأي أو الـموضوع أو القضيّـة
فالأسلوب الأفضـل والأمثـل هو التّـجاهل
لأنّـه :
-
أجدى وأنفـع وأعـمّ
للفـائدة .
-
لا يستحقّ الإلتـفات
إليه أو الـرّدّ عليـه ، لأنّ في الـرّدّ نزول
، بل سقوط إلى مستوى متدنّـي أخلاقيـًّـا لا
يرضـاه الإنسـان لنفسه .
-
تـحوّل من حـوار
موضوعيّ إلى حوار من أجل الإثـارة أو
الإستفزاز أو الدّسّ أو السّـخريّـة ، ممّـا
يؤدّي إلى إحداث هوّة سحيقة مقيتـة " إذا
خـاصم فـجر "
·
وفـي
حـالة أنّ ردّ الآخرين اتّـسم بالـموضوعيّـة
، ومناقشة الفكرة أو الرّأيّ أو الـموضوع أو
القضيّـة ، وإستعمال الكلـم الطـّـيّـب بدون
التّـنازل عن الـمعتقد أو القضايـا ، ففي هذه
الحالة يستمرّ الحوار بين الطـّـرفين ، وليس
من الضّـرورة أن تتـطابق وتتّـفق الأفكـار
والآراء والمفاهيم والقضـايا لأنّ البشر
يختلفون في القدرات والفهم والعلم والخبرة
والثّـقافة والأهـواء ، وفي مثل هذه الحالات
يتحقّـق للطّـرفين :
-
إعـادة أسلوب وطريقة
العـرض الأصليّـة بأنـماط جديدة ومختلفة
بهدف الوصول إلى الحقّ ، وتضييق شقّـة الخلاف
، وتقريب دوائر ومسـاحات الإتّـفاق .
-
التّـعامل مع
الآخرين بالإحترام مع إختلاف الآراء
والأفكـار والـمفاهيم والقضـايا ووجهات
النّـظر ، وهذا من مبـادئ إحترام حـرّيّـة
الإنسـان الّـتي منحها الخالق جلّ وعلا لخلقه
، ورفض الوصـاية عليهم حتّـى من قبل
الأنبيـاء والرّسل الكرام ( صلّى الله عليهم
وسلّـم ) .
-
توضيح بعـض الأفكـار
والآراء والـمواضيع والقضـايا ووجهات
النّـظر الّـتي أسيئ فهمهـا بمزيد من
التّـحليل والشّـرح والأدلّـة والبراهين
العقليّـة على صحّـتها ، وإسقـاط ما يثبت
بالدّليل عجزهـا أو بطلانـهـا .
عندمـا يطرح
الإنسـان فكرة أو رأيًـا أو موضوعًـا أو
قضيّـةً ويـطرح الآخرون ردودهم عليهـا
ويتولّـى صاحب الفكرة أو الرّأيّ أو الـموضوع
أو القضيّـة الرّدّ عليـها ، يجب أن يتمّ ذلك
وفق أهـداف محدّدة وواضحـة من أهمّـهـا :
·
إدراك
وفـهم مـا يراه ويعتقده الطّـرف الآخر ،
والتّـعرّف على سلوكـه وأسلوبه في التّـفكير
·
تحديد
نقـاط الإتّـفاق ، والعمل على تحقّـقها
والإستمـرار فيها ، وتحديد نقـاط الخلاف
والإختلاف وبيان كلّ طرف وجهة نظره ورؤيته
وأدلتـه وقـناعاته حيالها ، ولا يلزم بها
غيره فرضًـا أو قسرًا لإنّ ذلك يعني التّـدخل
والحدّ من حرية الآخرين .
·
تعديل
أو تغيير الفكرة أو الرّأيّ أو الـموضوع أو
القضيّـة إذا ثبت بطلانـها عن قناعة وفهم
وإدراك وإتّـباع ما يثبت صحّـته .
·
التّـركيز
على الهدف الجوهريّ من الـحوار وهو الإنتصـار
للحقّ في الفكرة أو الرّأيّ أو الـموضوع أو
القضيّـة ، والإنتصـار للـموقف الصّـحيح لا
الشّـخص أو الفئـة أو الجمـاعة أو الحزب أو
القبيلـة !!
عندمـا يطرح
الإنسـان فكرة أو رأيًـا أو موضوعًـا أو
قضيّـةً ويطـرح الآخرون ردود أفعالهم حيالها
، ثمّ يتولّـى صاحب الفكرة أو الرّأيّ أو
الـموضوع أو القضيّـة الرّدّ عليها ، فالجميع
مطالبون بأن يلتزموا بآداب الحـوار والّـتي
من بينها إحترام آراء الآخرين سواء أكانوا
مخطئين أو غير ذلك ، لأنّ :
-
آراء كلّ فرد هي آراء
صحيحة وفق الإعتقـاد والقناعة الشّـخصيّـة
ووفق المستوى العلمي والقدرات العقليّـة
والنّـفسيّـة والمستوى الثّـقافي والخبرة .
-
آراء كلّ فرد هي آراء
صحيحة لأنّ لكلّ قضيّـة وجهـان ( عدا الحقائق
العقائديّـة المطلقة ) أمّـا بقيّـة القضايا
فهي نظريّـات لـم تصل بعد لمستوى الحقائق
-
آراء كلّ فـرد هي
آراء صحيحة ، لأنّـه يرى الواقف مـا لا يرى
الجالس لإختلاف الـموقع والمسؤوليّـة
والظـّـروف والبيئة .
ولنـا
في تاريخنـا الإسلاميّ النّـاصع العديد من
الأدلّـة والـمواقف ، منهـا :
1-
عن
أنس رضي الله عنه : " إنّـا معشر أصحاب رسول
الله صلـّى الله عليه وسلـّـم ، كنّـا نسافر
فمنّـا الصّـائم ومنّـا الـمفطر ، ومنّـا
الـمتمّ ومنّـا الـمقصّـر فلـم يعب الصّـائم
على الـمفطر ، ولا الـمفطر على الصّـائم ، ولا
الـمقصّر على الـمتمّ ، ولا الـمتمّ على
الـمقصّر " .
2-
إختلاف
الصّـحابة في الخلافة ، ففي سقيفة بني ساعدة ،
قال قائل : " منّـا أمير ومنكم أمير " ،
وقـال آخر : " نحن الأمراء وأنتم الوزراء
" ، وقام عمر ( رضي الله عنه ) فبايع أبا بكر (
رضي الله عنه ) .. فهذا إختلاف مبعثه المقاصد
السّـليمة والإجتهاد وفق الفهم والحكمة لكلّ
طرف .
3-
كـان
الـمفتي يرى أنّ الـمسائل إجتهاديّـة ، ورأيه
يمثل أقصى مـا عنده من العلم ، ولعلّ لدى غيره
من الرّأيّ ما هو أقوى أو أقرب ، فيشير إليه به
ووفقًـا لهذا
التّـصوّر والفهم ، فإنّـه لا يجوز إجبـار
الآخرين على أشيـاء قد تكون أعـلى أو أقـل من
مستواهم وقدراتهم في الفهم والإدراك :
·
فـمن
اتّـخذ قرارًا بالعـودة إلى أرض الوطن ،
فقراره سليم وصحيح وفقًـا لظروفه الّـتي هو
أدرى بها من غيره ولا دخل للآخرين في ذلك ،
فبأيّ حجّـة أو دليل أن يوصف كلّ من عـاد إلى
أرض الوطن بالخيـانة ؟! ومـا الحجّـة أو
الدّليل على أنّ الرّافض للعودة إلى أرض
الوطن غير خـائن ؟! إنّ العودة إلى أرض الوطن
وإلى الأهـل والأصـدقـاء ما كانت ولن تكون
إجرامًـا أو كفرًا ، بل العكس هو الصّـحيح .
·
ومـن
اتّـخذ قرارًا بالخروج أو الإنسحـاب أو
الإنفصـال أو ترك أيّ تنظيم أو فصيل فهو على
حقّ وقراره سليم وصحيح وفق منظوره وظروفه
وأسبابه الموضوعيّـة الصّـحيحة ! ولو كـان
غيره في الوضع والظّـروف المماثلة لفعل مثلـه
أو ربّـما أكثر !. فـلماذا نخوّن الـغير ونسحب
الوطنيّـة عنهم ؟!! فلا علاقة للوطنيّـة
بالعودة من عدمها ، ولا علاقة للوطنيّـة
بالحوار أو الـمصالحة أو الإصـلاح ذلك أنّ
الوطنيّـة ليست حكرًا على موقف أو حـالة أو
على أيّ أحد يـمنحها ويـمنعهـا ، والوطنيّـة
ليست شهادة تعطى ، بل عطـاء من أجل الـوطن
والـمواطن كلّ وفق إجتهـاده وموقفه وموقعه
وقدراته .
ومـن آداب الـحـوار :
·
الإخـلاص
في طلب الحقّ من أجـل الوصول إلى كلـمة سواء
تحقّـق الأمن والإستقرار وتحقّـق المصلحة
والخير وتدفع الضّرر وتحـافظ وتدافع على
حريّـة الوطن والـمواطن .
·
رحـابة
الصّدر في قبول النّـقد الـموضوعيّ
واللاموضوعيّ إذا كان النّـقد موجّـهًا
للفكرة أو الرّأيّ أو الـموضوع أو القضيّـة .
·
الإلتزام
بآداب الإسـلام والإبتعـاد عن الشّـقاق أو
الهوى أو الفحش في القول من سبّ وشتـم ، أو
التّـجريح والسّـخريّـة وإلصـاق التّـهم ،
أو الجهـل بأقـدار الرّجـال !!
·
الإبتـعاد
عن الخوض في النّـوايا ، وترك الأمر فيها
للخالق المطّـلع على السّـرائر وما تخفي
الصّـدور ، لأنّ في ذلك مضيعة للوقت والجهد
واستحالة الوصول إلى اليقين ، وخلق الفتن
والأضغان والأحقـاد .
·
الإبتـعـاد
عن التّـعصّـب لشخص أو فئة أو حزب ، لأنّ ذلك
من الأفعـال المذمومة لما فيها من الإعتقاد
بإحتكار الحقّ والآخرين على باطل ! وهذا يؤدّي
إلى عدم قبول الحقّ وإلى الزّراية بالعقل !!
كما يورث الشّـحناء والبغضـاء والتّـفرقة .
·
الإبتـعاد
عن التّـطرّف لأنّ :
-
التّـطرّف ممقـوت
لكونه معول هدم لا بنـاء ، وحجر الأسـاس
والبذرة الأسـاسيّـة للديكتـاتوريّـة
المقيتـة .
-
والتّـطرّف دليل على
القصور في العلم والفهم والقدرات والخبرة ،
فهو نظرة ضيّـقة عصبيّـة ملؤهـا الجهل
ووقودهـا اليأس والإحبـاط ، ومنشؤهـا الحقد
والحسد والغيرة .
·
إستعمـال
أسلوب الـرّفق واللـّـين ، لأنّ :
-
الرّفق واللّـين
مطلب رفيع لا يدركه إلاّ من أخلص في طلب الحقّ
، فعن عـائشة ( رضي الله عنها ) عن النّـبيّ (
صلّى الله عليه وسلّـم ) : " إنّ الرّفق لا
يكون في شئ إلاّ زانـه ، ولا ينزع من شئ إلاّ
شـانه " وأيضًـا : " إن الله رفيق يحبّ
الرّفق ويعطي على الرّفق ما لايعطي على العنف
، ومـا لا يعطـي على ما سـواه " و " من
يحرم الرّفق يحرم الـخير كلـّـه " .
-
الرّفق واللّـين
أداة نشر الدّعوة ، فديننا القويم يحثّـنا
ويرشدنـا إليه ، وإستعماله لا يعني إطـلاقًـا
التّـنازل عــن القيـم أو المعتقـد ، بل
العكس هو الصّـحيح ، فالله سبحانه وتعالى أمر
موسى وهارون ( صلّى الله عليهما وسلّـم )
بمخاطبة فرعون بالقول اللّـين : " اذهب أنت
وأخوك بآياتي ولا تنيـا في ذكري . اذهبا إلى
فرعون إنّـه طغـى . فقـولا لـه قـولاً
ليّـنًـا لعلـّـه يتذكّـر أو يخشى ." ( طه :
42-44 ) .
-
الرّفـق واللّـين
يطبّـق حتّـى فـي الحالات الّـتي تتطلّـب
الشّدّة والقـوّة ( تحقيقًـا للعدل ) ،
فالإسلام يوضّـح لكلّ إنسـان مقدار حقّـه
وفقًـا لمنهج العدل ، ثمّ ينبّـه ويشير ، بل
يشجّـع على إختيـار جانب العفو واللـّـين
والرّفق ، ولا يلزمه الأخذ به لأنّ الخيـار
متروك لطالب الحقّ ولحريته . إذًا فالإسلام
دين عدل ورحمة ولين ورفق لا دين عدل وقسوة
وعنف !! يقول سبحانه وتعالى :
1-"
ياأيّـها الّـذين آمنوا كتب عليكم القِصاص في
القتلى الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى
بالأنثى فمن عُفي له من أخيه شئ فاتّـباع
بالمعروف وأداء إليه بإحسـان ذلك تخفيف من
ربّـكم ورحمة " ( البقرة :
178 ) .
2-"
وكتبنـا عليهم فيها أنّ النّـفس بالنّـفس
والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن
والسّـنّ بالسّـنّ والجروح قصـاص فمن تصدّق
به فهو كفّـارة له " ( الـمائدة : 45 )
3-"
وإن عاقبتم فعاقبـوا بمثل ما عوقبتم بـه ولئن
صبرتم لـهو خير للصّـابرين " ( النّـحل : 126) .
وعـلى
مـا تقدّم ، فإنّـني لن ألتفت إلى أيّ ردّ لا
يتناول الفكرة أو الرّأيّ أو الموضوع أو
القضيّـة في كتاباتي ولن أضيّـع وقتي في جدال
لا طـائل من ورائه ، ولن أتـناول بالرّد على
أيّ موضوع يضلّ صـاحبه طريق الكلم الطّـيّـب
واللـّـفظ السّويّ باستعمال ألفـاظ بذيئة
ومفردات تحـطّ من قيـم الخلق والأخلاق
والذّوق الرّفيع ! ويبقى ليّ حق الرّد والحوار
مع من التزم بمناقشة الآراء والأفكـار
والقضـايا والـمواضيع ووجهـات النّـظر
موضوعيًّـا من أجل إظهار الحـقّ وتقريب
وجهـات النّـظر المتباينـة ، والعـمل من أجل
رفعة شـأن بلادنـا ليبيا وطنـًـا ومواطنين .
محمـّد قـدري
الـخوجة
Mkelkhoja2000@yahoo.com
|