مـن
الأفـق السنوسي
تأليف.
يوسف عيسى البندك
الحلقة
التاسعة
ذكريات
سنوسية
رأيت السنوسي لأول مرة وهو أمير.
وكان حين زار فلسطين في الحرب
العالمية الأخيرة قد زار مدينة المهد حيث
استقبله والدي الاستقبال الذي يليق
بالمجاهدين. وكان والدي قد ظل يناصر السنوسي
في جريدته (صوت الشعب) مناصرة لا تقف عند حد
يوم كان يصارع القوات الإيطالية الباغية،
وبعد أن هادنت إيطاليا بعض الحكومات العربية
في ذلك الحين. السنوسي رجل لا ينسى. فاطلعه على
وجودي في بعثة الأمم المتحدة السيد على
الجربى الذي كان ممثل ليبيا في مجلس الأمم
المتحدة لليبيا الذي كان يضم سفراء عن
بريطانيا والولايات المتحدة ومصر وفرنسا. وقد
استطاع السيد على الجربى باتزانه ودماثة خلقه
أن يكسب احترام أعضاء المجلس وأن يحفظ كرامة
بلاده. وقد حببه إلى ما لمست فيه من الولاء
العميق للملك إدريس الذي كانت وما زالت
وطنيته مستعصية على الدبلوماسية الغربية،
فكانت هذه الدبلوماسية تحاول أن تستدرجه إلى
الملاينة عن طريق بعض الشخصيات الليبية. ولكن
إخلاص على الجربى للسنوسي كان أعمق شعور في
تكوينه السياسي مع أن براعته في مسايرة
السفراء الغربيين وتقديرهم لشخصيته قد بعثا
الشك من حوله، وهو شك غذاه حقد الحاقدين. وقد
قضى على الجربى سنوات في فلسطين حين حال
الاستعمار بينه وبين وطنه وهو يحمل
للفلسطينيين احتراماً مصدره التقدير الصادق
لوطنيتهم وتضحياتهم وجرأتهم. وأنا أسمح لنفسي
بهذا الاستطراد إنصافاً لهذه الشخصية التي لم
تمارس الدسائس وأوشكت أن تذهب ضحية لها.
وأعود إلى أول مقابلة حظيت بها
مع السنوسي وهو في طريقه إلى ذروة السلطان.
ابتسامة هادئة يتلألأ فيها صفاء الضمير، وصوت
منخفض ناعم كأنه صوت جرح في القلب، وبساطة
شاملة في هذا اللباس الوطني الليبي العادي،
وانطلاق طبيعي من هذا التكلف الذي تخضع له
حياة الملوك. وفى تلك اللحظات استشعرت في
قرارة نفسي بأني أقف أمام حقيقة روحية طاهرة
تنبعث منها هذه المهابة الحلوة التي يمتزج
فيها الجمال الخلقي بالطهر الروحي امتزاجاً
يسمو عن شهوة الأرض. وقد زادت هذه الانطباعة
عمقاً في نفسي بعد المقابلات العديدة وبعد أن
أصبح السنوسي يؤثرني بهذا الود العطوف الذي
لا يخلو من حنو الوالد على ولده. ولست أنسى أنه
يوم أن رزقت ولداً في ليبيا تلطف السنوسي
بتهنئتي في رسالة بإمضائه الكريم. وكان من
آثار هذا الود العطوف أن أبلغ معتمد الأمم
المتحدة المقيم في ليبيا عن طريق رئيس
الوزراء في ذلك الحين، السيد محمود المنتصر،
رغبته السامية في أن يصطحبني المعتمد معه إذا
شاء مقابلة الملك في أي شأن من شؤونه الرسمية.
وكان من آثار هذا الود العطوف
أيضاً، أن تفضل الملك إدريس بالإعراب لمندوب
الأمم المتحدة عن رغبته السامية في أن
يصطحبني إلى الجمعية العامة في باريس عند بحث
موضوع الاستقلال الليبي. وقد حرصت أشد الحرص
على أن أكون جديراً بهذه الثقة الغالية، وقد
سبب لي هذا الحرص بعض الإزعاج وأثار على بعض
النقمة، ولكن الحياة التي ليس معها عسر هي
انسحاب من الحياة!
وإذا كنت قد مسست قصة عرض
استقلال ليبيا على جمعية الأمم المتحدة في
باريس، فمن الإثم العقلي أن أغفل الجهد
الصادق الذي بذله السيد تقولا أبو جارور لحمل
بعض وفود أمريكا اللاتينية على دعم قضية
الاستقلال في اللجنة السياسية. والسيد أبو
جارور من أبناء مدينة مهد المسيح الذين خلقوا
للعرب كرامة في المهجر الغربي. فهو رجل عصامي
استطاع بالمعيته وكده أن يصبح من أبرز رجال
الاقتصاد والمجتمع في أمريكا اللاتينية عامة
وجمهورية التشيلي خاصة. وهو رجل سما فوق المال
فهو ينفق عن سعة في هذه السبل التي ترفع من شأن
العرب. وقد اعتاد أن يلازم ممثلي أمريكا
اللاتينية في دورات الأمم المتحدة، تاركاً
وراءه مصالحه الاقتصادية المتشعبة، يسرف في
إكرامهم والحفاوة بهم ويجلو لهم صور الحق في
قضايا العرب باللغة التي يفهمون. وكنت أعلم
أنه أثناء عرض استقلال ليبيا على الجمعية
العامة في باريس، كان مرتبطاً بموعد مع والدي
في مدريد يوم كان وزيراً للأردن في أسبانيا.
فألغى السيد أبو جارور هذا الموعد ليظل على
صلة بالقضية الليبية. وقد كان ممثل حكومة
التشيلي أعظم نصير على الإطلاق لقضية ليبيا
وأجرأ ممثل لأي دولة في حملته على الاستعمار
الغربي بصورة عامة إذا قال:(وهذه صفحة
الاستعمار الغربي في ليبيا هذا الاستعمار
الذي يزعم تمدين الشعوب والنهوض بها فماذا
كان من ثماره؟ المرض والفقر والشلل والعمى!
إنها لصفحة خزي وعار!).
ولكن بعض ساسة العرب الذين لم
يقنعوا بما بلغت ليبيا من الاستقلال، عن جهل
أو عن غرور، لم يعلموا أن سياسة الإبادة التي
اتبعها الفاشست في ليبيا، لم تترك فيها من
الوسائل البشرية ما يكفى لتشكيل دولة على أي
قسط من الاستقلال ! ولولا الاستعانة بالخبراء
الأجانب، ولولا هذه البعوث إلى جامعات الغرب
والشرق، ولولا يقظة السنوسي إلى ضرورة
الاستفادة من الظروف الدولية السانحة، لظل
الاستقلال الليبي حقيقة مريضة هي اقرب إلى
الموت منها إلى الحياة. ومنذ أن حققت ليبيا
شخصيتها السياسية الدولية، أخذ الملك إدريس
يسرح الخبراء من غير العرب ما وجد سبيلاً إلى
استبدالهم بأبناء البلاد العربية دون نزول
بمستوى الإدارة في البلاد. وقد كان اقتباس
المناهج في التعليم والقضاء عن مصر استجابة
إلى رغبة الملك إدريس في إزالة الحواجز
العقلية المصطنعة بين الأقطار العربية.
يتبع....
|