Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


مــن الأفــق السنوسي

تأليف . يوسف عيسى البندك

الحلقة الثامنة

السنوسي والغــرب 


والذين كانوا ينتظرون من الملك إدريس أن يخرج القوات البريطانية من بلاده مع الاستقلال كانوا يتجنون على وطنيته. فالقوات البريطانية، من وجهة النظر الليبية في ذلك الحين، كانت ضمانة لهذا الاستقلال الذي ما زالت العناصر الفاشستية في إيطاليا تتنكر له وتتربص به. ثم بأي قوة يخرج هذه القوات البريطانية التي حررت بلاده وهو لا يملك من وسائل القوة شيئاً، وهذا الاستقلال الوليد ما زال عارياً لم تضمن له وسائل الرضاعة بعد؟ وهل كان في استطاعة أولئك الذين كانوا يعبثون بهذه الأوهام أن يخرجوا القوات البريطانية من بلادهم وهم أقوى من ليبيا عدة وعدداً وأرفع منها شأناً وثقافة وأغنى منها ثروة وإمكانيات، وقد مضى عليهم ربع قرن في نوع من أنواع الاستقلال، وليس إلى المقارنة سبيل بين أسباب قوتهم وضعف ليبيا وفقرها؟ ألم يكن من العبث بالأوهام أن يطلب إلى الملك إدريس أن يطرد الإنكليز من بلاده في أول لحظة من لحظات الاستقلال أو يرفض الاستقلال رفضاً؟ أو ليس من الاسترسال في الخبل أن يطلب إلى طفل لم تمض إلا لحظات على فتح عينيه للنور، أن يقف على رجليه في الحال أو أن يرفض الحياة ويغمض عينيه إلى الأبد؟

إن الاستقلال الليبي قد أخرجته إلى الحياة قابلة غربية، فهو لم يختر الغرب اختياراً  ليكون قابلته، وهو مضطراً إلى أن يستعين بهذه القابلة وهو في طور الرضاعة. ومن حسن حظ هذا الطفل الرضيع أن يتعهده ملك صالح، راجح العقل، سليم الطوية، راسخ الإيمان زاهد إلا في مرضاة الله.

أما تأجير القاعدة الجوية في ليبيا إلى الولايات المتحدة فهو يتمشى مع سياسة بعيدة المرمى تريد أن تتجنب أن تنفرد دولة غربية واحدة بتسليط نفوذها على ليبيا. فوجود قاعدتين لدولتين ينتفي معه هذا الخطر، ثم حين تأزف الساعة لانسحاب القوة الأمريكية فلن يكون هناك مسوغ لبقاء القوة البريطانية لان القوتين تسوّغان وجودهما بأسباب الأمن الدولي وليبيا حريصة على أن يستتب هذا الأمن حتى ينمو استقلالها. وبعد فلولا تأجير القاعدتين لما استطاعت ليبيا أن تقوم على نفقات حكومتها وهذه حقيقة محزنة لا تزول بالنسيان أو الإغفال!

والملك إدريس يدرك أن الاستقلال الاقتصادي هو حقيقة الاستقلال السياسي، وقد استقلت ليبيا ومعظم اقتصادها في أيدي الطليان، وليس هذا فقط ، بل إن مصادر ثروتها تكاد تكون منعدمة. وهو لهذه الحقيقة القاسية، أقبل أشد الإقبال على المساعدات الأمريكية ومساعدات الأمم المتحدة لتنهض اقتصاديات بلاده نهوضاً يجعل من استقلالها مع الأيام حقيقة تحترمها الأيام.

ولكن هذا لا يعنى أن الملك إدريس لا يشعر بما تعانى الشعوب العربية من شرور الاستعمار الغربي. فقلبه طافح بالألم وهو يقف إلى جانب الشعوب العربية المناضلة في سبيل كرامتها، فهو معها على طريق مماثل ولكنه يناضل في جو يختلف عن جوها. ولكن قوة جيرانه قوة له وهو لذلك يسند، بروحه وجهوده الصامتة، الحركات الوطنية في العالم العربي. وهو يعبر عن شعوره في غير غموض حين يتصل به ممثلو الدول الغربية، وهو حريص على أن يفهم الغرب بأنه وشعبه مع قافلة الشعوب العربية وأن الألم الذي يشقى به قطر عربي يسرى في سائر أنحاء الجسم العربي. السنوسي الذي يحمل النور الروحي في ظلمة الصحارى الإفريقية، موقن بأن شعلة الحرية الليبية التي يحملها سيندلع لهيبها على طول الساحل الأفريقي الشمالي، وها هو شررها يتطاير من الأفق السنوسي؟

وأريد أن أذكر هنا أنه حين طلبت الشركات الفرنسية والبريطانية امتيازات للتنقيب عن البترول في مناطق خاصة رفض السنوسي أن تخصص أي منطقة لأي امتياز، لأنه لا يريد أن تنطوي هذه الظلال الاقتصادية على نفوذ سياسي في أي حدود.  وأعلن أن ليبيا ترحب بجميع شركات الأرض تبحث عن البترول فيها حيث تريد دون أي تمييز ودون أي امتياز. فإذا نبع الزيت، فعندها فقط تملى ليبيا شروطها، على ضوء الزيت الجديد.

فسياسة بعث العرب بعثاً جديداً في وحدة روحية هي الأساس لأي وحدة سياسية، وآلام العرب وآمالهم تتساير في تيار روحي واحد تتلاشى فيه الحدود المصطنعة. ولولا انسياب مثل هذا التيار الروحي في جزيرة العرب لما  انبثقت من صحرائها زهرة الحضارة التي ما يزال أريجها يحيى في النفوس الطالعة طموحها إلى المجد. السنوسي في هذا التيار قد يصطدم بالغرب، وقد يصطدم بغير الغرب، ولكنه ماض في طريقه لا يتردد ولا يحيد!

يتبع....



 

 

 

 
Home
من الأفق السنوسي - الحلقة السّـابعة