Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


من الأفق السنوسي

تأليف . يوسف عيسى البندك

الحلقة السابعة

السّـنوسـي والـعـرب


التقيت في باريس في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1952 بمندوبي الدول العربية، وكنت قد جئت مع مندوب الأمم المتحدة الذي قدم تقريره إلى اللجنة السياسية عن تنفيذ قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا في تاريخ لا يتعدى اليوم الآخر من تلك السنة. وقد عجبت لمبلغ جهل معظم  المندوبين لوضع ليبيا الحقيقي. وأعجب ما في الأمر أن أكبر مندوبي هذه الدول قد هاجموا هذا الاستقلال الوليد مما حير أنصار العرب القليلين في اللجنة السياسية. على إنه يجب هنا أن أسجل ملاحظتين.

فقد طلب منى السيد عبد المنعم مصطفى وزير مصر المفوض في سويسرا، وكان مندوب مصر في اللجنة السياسية أن أبين له حقيقة الوضع الذي اطلعت عليه عن كثب أثناء وجودي في ليبيا في بعثة الأمم المتحدة إذ كنت أوثق الناس صلة بالملك ومندوب الأمم المتحدة على السواء. فجلوت له موقف الملك السنوسي على حقيقته وهو موقف ناصع الوطنية. وقد كان السنوسي حريصاً على أن تسد الأمم المتحدة عجز الميزانية الليبية بدل أن تسده بريطانيا. غير أن الأمم المتحدة ليست لديها أموال مخصصة لسد عجز ميزانيات الدول. وكان السنوسي يرغب بعد أن تحقق من استحالة قيام الأمم المتحدة بسد العجز، في أن تسد هذا العجز مؤقتاً الدول الصديقة لليبيا وفى طليعتها الشقيقات العربيات! ولكن السياسة المصرية في ذلك العهد البائد كانت سياسة سلبية محضة وكانت مصر لا تعترف بالحكومة الليبية القائمة.

ومهما يكن رأيي في أشخاص الحكومة الليبية وطريقة تأليفها ومهما يكن رأيي في الانتخابات التي جرت في ليبيا، فإن الحقيقة الرئيسية تبقى وهى أنه لم يمكن تشكيل غير تلك الحكومة بغير ذلك الأسلوب في ذلك الظرف الحرج وفى الموعد المحدد لتنفيذ قرار الأمم المتحدة. ومن الحق أن أقول إن اصطباغ المعارضة الليبية في ذلك الحين بالصبغة المصرية العزامية وما كان يشيع في الأذهان  من أن تلك السياسة العزامية كانت تستهدف قيام جمهورية طرابلسية منفصلة عن برقة وفزان، بدلاً من تشكيل حكومة اتحادية تحت اللواء السنوسي، وعطف العناصر الإيطالية المتمركزة في طرابلس على مثل هذا الاتجاه، ومن ورائها الحكومة الإيطالية وأنصارها من دول أمريكا اللاتينية الكاثوليكية، كل هذه العوامل كان لها أثرها في تنحية أولئك الأشخاص الذين ساد الرأي، عن خطأ أو صواب، بأنهم أدوات للسياسة المصرية العزامية، وإبعادهم عن سفينة الاستقلال الليبية إلى أن تصل إلى شاطئ الأمان.

ولم يكن السيد عبد المنعم مصطفى قادراً على تغيير اتجاه السياسة المصرية في تلك اللحظة. ولكن كان بعيد النظر حين استهل خطابه في اللجنة السياسية برفع الملك إدريس السنوسي فوق النقد الذي صبه على الحكومة الليبية وبتنزيهه عن أي تأثر بالنفوذ الاستعماري. وكان لهذا التصرف اللبق في التوفيق بين مصلحة مصر البعيدة وسياستها الاضطرارية المؤقتة أحسن الوقع في نفس الملك إدريس الذي كان يضمر لمصر أصدق الود برغم ما أثارت سياسة حكومتها حوله من العجاجات المنغصة. فهو قد كان يدرك أن هذه العجاجات لا بد أن تزول وأن العوامل الشخصية في السياسة المصرية المرتجلة لا تستطيع إلا أن تستسلم آخر الأمر لمنطق التاريخ والوضع الجغرافي الذي يجعل من الصداقة الليبية المصرية حالة طبيعية منسجمة مع حقائق الحياة.

والملاحظة الثانية هي أن السيد أحمد الشقيري مندوب سوريا في اللجنة السياسية، وهو صديق كريم، يشع منه النبوغ الفلسطيني الذي يزعج الحكومات العربية لعدم تلاؤمه مع طبيعة تكوينها، كان مطمئنـا إلى صدق شعوري الوطني ، واثقاً بتحليلي الواقعي للوضع الليبي . ونحن أبناء فلسطين، الذين حرقنا الألم، لم نعد نتأثر بهذا الخداع السياسي الذي يقوم على التظاهر بالتطرف والإغراق في الوهم والذي لا يؤدى آخر الشوط إلا إلى إغراق الشعب في مزيد من مآسيه!

ورأى الأستاذ الشقيري سخف موقف الجامعة العربية من القضية الليبية وقدر صلابة هذا الملك العصامي المجاهد الذي لا يبتغى إلا حرية بلده ، زاهداً في هذه المظاهر التي ظلت تزين قصور الهواء العربية...

وكيف نحمل على استقلال ليبيا مهما يكن ضعيفاً عند ولادته، وأقصى ما نطالب به لتونس ومراكش هو دون هذا الاستقلال على ما بينهما وبين ليبيا من الفارق العظيم في المستوى الثقافي والاقتصادي وفى الثروة الطبيعية. فكان أحمد الشقيري أجرأ المندوبين العرب في موقفه في اللجنة السياسية. فقد استطاع بلباقته الممتازة وذكائه الحاد أن يحول نغمة السخط على المولود الليبي الضعيف، إلى نغمة أمل في أن يشب حراً، طليقاً، قوياً، وأن يستدرج السياسة الفرنسية إلى أن يحدث مثل هذا الحدث السعيد في مراكش وتونس، حتى يقدر لها العرب هذا الصنيع بعد هذا التطور الدولي في العلاقات الإنسانية.

وكان أبلغ ما قاله أحمد الشقيري في خطابه هو أن الملك إدريس زعيم الشعب الليبي، وليس من المعقول أن يكون أحرص على الاستقلال الشعب الذي قضى حياته مجاهداً في سبيل حريته.

والواقع أن الساسة العرب حين يفكرون في ليبيا فإنما يفكرون من خلال جو مشاكلهم من حيث لا يشعرون ، وهم لذلك ينتظرون منها أن تتفق كل اتجاهاتها مع اتجاهاتهم في سبيل الخروج من ذلك الجو الغائم!

ولكن ليبيا تختلف في جو مشاكلها عن بقية الأقطار العربية. فهي أولا قد كانت مستعمرة إيطالية، ولولا انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية لبقيت مستعمرة إلى اليوم. والحقيقة التاريخية التي لا سبيل إلى طمسها هي أن القوات البريطانية هي التي حررت ليبيا من القوات الفاشستية، ومن هذه الحقائق أيضاً أن حكمة السنوسي السياسية هي التي أدت إلى تفاهماً كان الطريق الوحيد إلى استقلال بلاده.

ومن الحقائق التي يجب أن يدركها العرب البعيدون عن ليبيا هي أن هذه البلاد الصحراوية الفقيرة لا تملك من أسباب القوة الحديثة ما تذود به عن كيانها إذا هبت فتنة بين العناصر الإيطالية والعناصر الوطنية، وأدت إلى تدخل إيطاليا ومن ورائها العالم الكاثوليكي!

يتبع....



 

 
Home
مــن الأفق السنوسي - الحلقة السّـادسة