Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


مــن الأفق السنوسي

تأليف . يوسف عيسى البندك

الحلقة السادسة

جـوهـر الوحــدة


لا يخلو تاريخ الشعوب من كفاح بينها وبين ملوكها لقمع استبداد الملوك. وقد كان الملوك في طفولة العقل الإنساني يستمدون سلطانهم من القوة الإلهية فكانت طاعتهم فرضاً دينياً وكان استبدادهم لوناً من ألوان الإرادة الإلهية. ولكن الظلم كان من العوامل التي ايقضت العقل الإنساني إلى الشك في هذه السلطة الإلهية وكان أيضاً من بواعث ثورة الروح على طغيان القوة المادية في أشكالها المختلفة. ومع انتصار الديمقراطية في العالم الغربي الحديث تهذب الملك وأصبح رمزاً للسيادة القومية، وانفردت الدكتاتورية السافرة باستيعاب السلطة وتركيزها في ذاتها. وحياة مثل هذه الدكتاتورية هي جحيم منظم وليس من المعقول أن تستقر الروح الإنسانية في جحيم! ولذلك فإن هذه الدكتاتوريات هي ظلال سوداء في التاريخ تحمل في طبيعتها عناصر زوالها.

والشعوب التي مازالت تعانى ضغط ملوكها الذين يمثلون رواسب القرون المظلمة، لا تستطيع قبل أن تتخلص من هذا الضغط أن تستجمع قواها في سبيل النهوض. ولما كان الحكم الديمقراطي الصحيح هو حكم الشعب، لذلك كانت الزعامة في الأمة إلى الموهوبين من ممثلي هذا الشعب. وفى بريطانيا في هذا الجيل، وهى المثال الأعلى للنظام البرلماني الديمقراطي، تمثلت زعامة الشعب في شخص ونستون تشرشل، لا في شخص الملك لان الملك ليس إلا زخرفاً تاريخياً ورمزاً سامياً يستمد عظمته في خيال الناس من حقائق العظمة في قوة الشعب.

أما في ليبيا وهى الدولة التي ولدت حديثاً ومازالت طفلاً رضيعاً إذا قيست بالسنين، فإن هذه الأزمة الروحية التي يرويها لنا التاريخ بين الشعوب والملوك لا أثر لها في حياتها السياسية. وسر ذلك أن الملك هو زعيم الشعب. فقد كان الملك إدريس الزعيم الوطني الذي حمل لواء الجهاد وظل في نضاله العنيد إلى أن حقق حرية شعبه بعد أن كادت تزول مقومات هذا الشعب، وبعد أن كاد يفقد حلمه في الاستقلال. وهو من حيث اجتماع إرادة الأمة في شخصه والتقاء آمالها فيه وتناهى ولائها إليه، يعيد إلى الذهن عهد الخلفاء الراشدين. وهذه الصورة السمحة لعهده لا تستيقظ في النفس لهذه الأسباب وحدها، بل يحققها في النفس ما يتجلى في حياة هذا الملك الزاهد من الصلاح والبساطة والتقوى والعدل والانصراف عن مرضاة الناس إلى مرضاة الله! فهو في وطنيته متصوف إذا جاز أن يكون هناك تصوف وطني أو وطنية صوفية. لان وطنيته إنما تعكس صفاء طبعه وطهارة تفكيره وسلامة إيمانه فلا يكاد يخلو عمل من أعماله السياسية والاجتماعية من أثر الدين فيه. وليس أبعث على الشر في حياة الشعوب من فصل الدين فيها عن السياسة فصلاً تاماً. وأنا أعنى بالدين هنا جوهره وهو التسامح، وفى الدين الحق تزول العصبية القومية فإن ( أكرمكم عند الله أتقاكم ) فالتقوى ميزان للأفراد والشعوب. وأوروبا التي حطمت طغيان السلطة الدينية في تاريخها الأسود، جمحت جموحاً مادياً كلفها هذه المصائب المتلاحقة، إذ نبذت الدين نبذاً من الحياة السياسية والاجتماعية. فهي قد جعلت من الدين مظهراً ورمزاً مثلما صنعت بملوكها. وربما كان من أسباب هذا الجنوح امتزاج الملك والكنيسة في طغيان الحكم وضلاله. ومهما يكن من أمر فإن الدين حقيقة جوهرية وليس مظهراً ولو امتزج الدين حقاً بالملك في ما مضى من الزمن، لهذبه وطهره وأحاله عدلاً ورحمة، ولكن الملوك الذين استبدوا امتزجوا بمظهر الدين تعزيزاً لاستبدادهم ولإضفاء ظل من القداسة عليه... حتى تستساغ مرارته التي فيها حكمة الله .

والقلب المجرد من الحقائق الدينية لابد أن يخضع للتأثيرات المادية خضوعاً لا مقاومة فيه. ولذلك يشيع الفساد إذا كان ساسة الحكم مجردين من وازع الدين، لا يسمع صدى لصوت الله في ضمائرهم. وهذا هو سر العفة التي امتاز بها الحكم في عهد الخلفاء الراشدين وهو سر الفساد الذي يمتاز به الحكم العربي في هذا العصر .

السنوسي مثال حي على امتزاج الدين والسياسة في الحكم. فعدله ووطنيته الصافية وتواضعه وبساطته،  هذه كلها أثر الدين في نفسه وأثر نفسه في الحكم. والواقع أن السنوسي كان سبب اتحاد أقاليم ليبيا الثلاثة وهو ما يزال سر تماسكها، والجوهر الروحي لوحدتها السياسية .

فعسى أن يقيض الله لهذا الملك الصالح أن يعيش حتى تستقر في عهده دعامات الوحدة الليبية. وإني إذ أحمل نفسي على التفكير في مستقبل ليبيا بعد السنوسي، فإني أحملها على ما تكره! وكيف لا تكره أن تتخيل جوهر الوحدة يضمحل في التاريخ...

يتبع.....



 
Home
مــن الأفــق السنوسـي - الحلقة الخامسة