Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


مــن الأفــق السنوسـي

تأليف. يوسف عيسى البندك

الحلقة الخامسة

السنوسي والمعارضة السياسية


يمتاز النظام الديمقراطي عن النظام الدكتاتوري المقنع بأنه ليس حكم الحزب الواحد  أو الكتلة التي يتخللها لون سياسي أو اجتماعي معين، وإنما هو الحكم الذي تنتعش فيه المعارضة التي تمثل في النظام الديمقراطي يقظة الشعب إلى حقوقه ومصيره. والسلطة التي لا رقيب عليها لا بد أن تجنح إلى  الاستبداد، وليس النظام البرلماني الصحيح إلا وسيلة لإخضاع السلطة لرقابة الشعب، مصدر القانون والسلطة جميعا. والحكومة التي تحاول خنق المعارضة فإنما تحاول خنق روح الديمقراطية نفسها!  وصحة أي بلاد سياسياً تقاس بقوة المعارضة السياسية فيها. ومعارضة اليوم هي حكومة الغد. ولذلك فإن المعارضة القوية تعنى الحكومة القوية. ومهما يكن الأمر، فالذي لا يحتمل الجدل هو أن المعارضة هي الصفة الغالبة التي يتميز بها الحكم البرلماني الديمقراطي الصحيح.

وإذا كانت الروح الديمقراطية قد نمت بتأثير الثقافة في الغرب مع الأجيال فإن هذه الروح قد ولدت في المزاج العربي وهو اعمق من الثقافة. والإسلام الذي خلق العرب كوحدة سياسية قد أخضع السلطة للشورى فأطلق بذلك المعارضة وجعل من تعارض الآراء طريقاً إلى أي قرار. وليس أدل على عمق هذه النزعة في المزاج العربي وعلى مكانتها في قلب الإسلام من تلك الكلمات التي ستظل خالدة على التاريخ، كلمات الإعرابي الذي قال لعمر رضى الله عنه:( والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا!) ولكنا مع الآسف نعيش في عصر لا يقوى فيه السيف على تقويم الاعوجاج بل نحن نعيش في عصر أعوج!

السنوسي غريب في هذا العصر الأعوج لأنـه صديق للمعارضين، ما تنزهوا عن الأغراض. فهو يشجعهم ويحترمهم ولا يؤثر بعطفه الحكومة القائمة في ظله لان الحكومة ليست إلا مجموعة من الأشخاص هدفها خدمة مصالح الشعب، وهذا أيضاً هو هدف المعارضة الأسمى! وبقدر حرص المعارضة على حقوق الشعب، تكون مراقبتها للحكومة القائمة ونقدها لسلوكها. ثم إن المعارضة لا تبقى معارضة والحكومة لا تبقى حكومة في الحياة السياسية الديمقراطية. ولذلك فاحترام المعارضة وتقديرها هو احترام لحكومة الغد وتقدير لها. وإذا كان من مصلحة الغد أن تكون الحكومة فيه قوية فمن المصلحة إذن أن تكون معارضة اليوم قوية تتمتع بالصحة والعزيمة ومضاء الإرادة.

السنوسي لا يتكلف مشقة عقلية في النفاذ إلى هذه الحقائق. فهو بطبعه عزوف عن المظاهر، يعيش في جو الحقائق الروحية العليا، وهو لذلك يرى الحكومة وهماً إذا تجردت من حقيقتها الوطنية، وهو رجل لا يقدس الأوهام!

ولقد كان الملك الصالح إدريس السنوسي يحدثني في صراحة بعد أن توثقت صلتي به. فما سمعت منه يوماً لفظاً قاسياً يوجهه إلى رجال المعارضة حتى الذين كانت نزاهتهم موضع الشك. بل لقد كنت أشعر بعطفه على المعارضة وتقديره السامي لرسالتها في مجتمع لا يصلحه إلا النقد المستمر النزيه. ولقد كان أبرز رجال المعارضة في شدة الأزمة السياسية يفرغون لي صدورهم في غير حذر، فكانوا جميعاً يعبرون عن أصدق الولاء والإجلال لملكهم الصالح الذي ظل مترفعاً عن التيارات الحزبية، ولم يسمح لأي جماعة في الحكم أو خارج الحكم أن تستغل نفوذه الأدبي لدعم موقفها.

وقد علقت بذهني صورة تمثل هذه النظرة السنوسية السمحة إلى الحياة. ففي الحفلة التي أقامها إدريان بلت مندوب الأمم المتحدة على شرف الملك إدريس بعد دخوله التاريخي إلى طرابلس في موكب الاستقبال، أحد رجال المعارضة الذين تميزت معارضتهم بالعنف ولم تخل من آثار الحقد، فابتسم له الملك ووقف يحدثه حديثاً يستفيض بالرضى والحلم كأنما كان يتحدث إلى صديق حميم!

بهذه السماحة الرضية يعيش السنوسي ملاذاً روحياً، فوق الموج السياسي الذي تضطرب فيه زوارق الحكم.

يتبع....



 
Home
من الأفق السنوسي -4