Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


من الأفق السنوسي

تأليف . يوسف عيسى البندك

الحلقة الرابعة

الخلق السنوسي


يعتز الملك السنوسي بانتمائه إلى الأسرة الهاشمية، ولكنه اعتزاز مصدره الورع والتقوى. فهو يشعر في أعماقه بأن هذه الصلة التاريخية التي تناسب به في منعرجات القرون إلى منبع الوحي ، هي قيد أدبي متين ومسئولية خلقية ثقيلة. وإذا توهم العقل إذا ضل، أو النفس إذا غوت ، أن هذا النسب التاريخي هو امتياز خلقي  أو امتياز قومي يبيح الانطلاق من الضوابط الأخلاقية والقومية المفروضة على الناس وأنه منزلة فوق الفضيلة والتقوى، فان الملك الصالح إدريس السنوسي من اشد الناس حرصاً على مقاومة مثل هذا الضلال. فهو يرى أن المنتسبين إلى هذا المنبع مسؤولون عن تحقيق صفاء فكرته في حياتهم الاجتماعية والسياسية على السواء.

الملك الصالح إدريس السنوسي يحس في أعماقه مع الحزن أن العرب اليوم يعيشون في جاهلية عصرية بالمثل الصالح. ومن هذا الشعور العميق يفيض تواضعه الجميل وزهده في هذه المظاهر التي يحرص عليها غيره ومن هذا الشعور العميق يشرق عدله الساطع دون تمييز. ومن هذا الشعور تنبعث أيضاً وطنيته الحارة التي لا تهدر ولا تعرف الضجيج، لان الوطنية في أعمق معانيها شعور إنساني رقيق يستجيب إلى ما في المجتمع من الألم والظلم والفساد استجابة  الثورة على الألم والظلم والفساد. وهو لذلك شديد الحنو على المجاهدين الذين اضطهدوا لجهادهم ولأنـهم اعتصموا بمعقل الكرامة فلم ينزلوا إلى سفساف التملق والرياء، وهو طريق المناصب في هذا العصر العربي المريض.

وقد انجذبت إليه قلوب الصفوة من الأخوان المسلمين الذين يعيشون بالفكرة في سبيل الفكرة.  ومن الجميل أن أذكر هنا أنه يوم حرقت القاهرة قبل ثلاث سنوات في أواخر عهد فاروق، كان كرسي العرش السنوسي قد تم صنعه في إحدى دور القاهرة التي أخذت تلحسها ألسنة النيران، فاندفع فريق من الأخوان المسلمين وسط اللهب وأوصلوه سالماً إلى بنغازي عاصمة برقة.

        وسأعرض صوراً قليلة لتواضعه وعدله ووطنيته.

وهل أبلغ من تواضعه أنه بعد اعتلاء العرش أصدر إرادة ملكية بأن يظل لقبه الرسمي أمير برقة؟ أو لم تكن برقة ساحة جهاده؟ أو لم ينكب أهلها بصورة خاصة في التفافهم حول زعيمهم أمير برقة وهو يناضل لقهر الاستعمار الإيطالي؟ أو لم يكن الاستقلال نفسه ثمرة لهذا الجهاد؟ وإذن، فكيف يجوز أن يصبح مظهر الملك أعز من حقيقة الجهاد؟!

أمير برقة، هو اللقب العزيز إلى قلوب بقايا الجهاد الليبي المرير، فليبق إذن صورة للتواضع والعزة القومية ما بقى للعرب تاريخ!

ولا أستطيع أن  أقاوم رغبتي في رواية الحادثة التالية التي يتجلى فيها التواضع السنوسي في نبله الطبيعي. كنت في غالب الأحيان أقابله مقابلة خاصة قبل أن أقابله مقابلة رسمية مع مندوب الأمم المتحدة في سبيل جلاء الضباب السياسي الذي كان يتكون بعوامل دولية ذات أثر بعيد. وكان إخلاصي لعروبة ليبيا وولائي  لزعيمها العظيم إدريس السنوسي، فوق أي اعتبار رسمي آخر كمركزي الرسمي، مثلا، في بعثة الأمم المتحدة.

وفى ذات صباح قبل موعد اجتماعنا الرسمي بساعتين، اجتمعت بالملك إدريس في حجرة صغيرة بقصره البسيط خارج بنغازي. وأخرجت ورقة  من محفظتي كنت كتبت عليها رؤوس أقلام بالنقاط الجوهرية التي أردت إيضاحها. ثم انتهى الحديث واستودعته الله على أن أعود بعد ساعة ونصف مع مندوب الأمم المتحدة للاجتماع الرسمي، فذهلت بعد عودتي بعد ساعة ونصف حين قال لي : (مازلت منذ غادرتن جالساً في مكاني لأنك نسيت محفظتك على المنضدة هنا ولم أشأ أن أنقلها إلى مكان آخر وكذلك لم أشأ أن أتركها في الحجرة لئلا يمسها أحد الخدم في القصر!).

هذه الحادثة صورة جلية للخلق السنوسي في تواضعه الطبيعي الذي لا يسمو إليه خلق عرفته في هذا الزمان!

أما عدله فإنه ليذكر بعدالة عمر بن الخطاب رضى الله عنه. فمرضاة الله هدفه الأسمى، أما مرضاة البشر وحتى عائلته وأقرب الناس إليه، فيجب أن تخضع لمرضاة الله.

قتل شاب من أعضاء الأسرة السنوسية المالكة المرحوم إبراهيم الشلحي ناظر الخاصة الملكية. وقد كان الشلحي رجلاً عادياً بسيطاً. وتألم الملك إدريس أشد الألم للذي جرى وأظهر رغبة قوية حاسمة في أن يجرى العدل مجراه حتى في شخص من أعز الناس عليه. وتدخلت العائلة السنوسية المالكة واسترسلت في الالتماس، ولكن الملك إدريس أقر حكم الموت في السنوسي الشاب. وقد قيل لي إن الملك إدريس عزف عن أفراد الأسرة الذين كان من الطبيعي أن يتدخلوا لعرقلة سير العدالة، لان مرضاتهم ليست مبتغاة!

ومن الحق  إن أذكر بهذا الصدد أن السنوسي قد برهن على وفائه في ركوبه هذا المركب. فقد كان الشلحي ظلاً للسنوسي في أيام جهاده ومنفاه فلم يتخل عنه السنوسي يوم أوصله الجهاد إلى العرش! فظل الشلحي ظلاً أمينا للسنوسي . وقد عرفت إبراهيم الشلحي ومن الحق أن أقول إنه كان أخلص رجل في ليبيا للملك إدريس. وقد حدثني مرة سفير دولة غربية عن تدخل الشلحي في الأمور السياسية تدخلاً في غير مصلحة الدولة التي يمثلها ذلك السفير، وأطلعت الملك إدريس على هذا الأمر في أحد أحاديثنا الخاصة وكان قلبه الطاهر ينفتح لي وكنت أشعر بأن عطفه على كان عطف الوالد البار على ولده المخلص. فأكد لي أن الشلحي لا يتدخل في الأمور السياسية ولا يفهمها.

ويجب أن أقول بهذه المناسبة إن الملك إدريس، على عكس ما قد يتصور بعض السطحيين، لا يتأثر بالمؤثرات الشخصية في تقرير اتجاهاته السياسية. فقد كنت وثيق الصلة به واطلعت على مختلف المؤثرات التي كانت تتفاعل من حوله وكيف كان يخضعها جميعاً للمصلحة القومية العليا حتى وإن خالفت شعوره الشخصي نحو صديق قديم وفى. ولذلك فمن السخف الاعتقاد بأن هذا الخلق القوى كان عرضة لمؤثرات شخصية جاهلة. ولكنه الحسد يلدغ البشر حين يجدون شخصاً يعتقدون أنهم فوقه إدراكاً وذكاء ومكانة، أقرب منهم إلى قلب ملكهم. وهم لا يكلفون أنفسهم مشقة استقصاء سبب هذا العطف. وهل من ينفق حياته ظلاً لقائده لا يستحق عطفه الشخصي على الوفاء؟!

أما شعوره الوطني النقي الرقيق فسأعرض له بذكر حادث تأثرت له أشد التأثر.

فقبل انعقاد أول برلمان ليبي سنة 1952، وهو يوم إشراق الاستقلال الليبي الذي يعتبر بعثاً قومياً بعد أن كادت الآمة الليبية تزول تعذيباً وإفناء، وبعد أن غرق صوت عذابها في ضجيج القوة الوحشية ولم يسمع له أي صدى، في هذه المناسبة القومية التاريخية التفت الملك  المجاهد إلى السنين المظلمة الماضية. فقد أراد أن يدعو شخصيات عربية لحضور الاحتفال الرسمي بهذا البعث السياسي . فماذا فعل؟ لم يدع الملوك والوزراء... وإنما دعا المجاهد محمد على الطاهر الذي وقف حياته على الدفاع عن قضايا العروبة، وظل بعيداً عن المناصب والمنافع، بل ظل مضطهداً  مرغماً على الصمت بعد أن كانت جريدته الشورى صوتاً داوياً صادراً عن ضمير الشعوب العربية المعذبة. وكانت هذه الالتفاتة السنوسية أعظم ترضية سياسية لهذا المجاهد الكبير الذي لم يذكره زملاؤه في الجهاد يوم أشرقت عليهم الدنيا بعد عبوس!

وكانت هذه الإشراقة السنوسية أجمل دليل على أن هناك ملكاً وطنيته ليست مظهراً وجهاده ليس طلاء وخلقه ليس كأخلاق العصر...

وأذكر يوماً وكان معتمد الأمم المتحدة المقيم في ليبيا يطلع الملك السنوسي على أن بعثة الأمم ستستقدم بعض الفلسطينيين من أصحاب الكفاءات للعمل في ليبيا.

وهنا التفت إلى الملك إدريس وقال: أريد منك أن تطلع على أسماء هؤلاء الأشخاص فإذا كانوا من الفلسطينيين الأحرار فأهلاً بهم ومرحباً وإن كانوا من غير هؤلاء فلا نريدهم!

وأذكر يوم حصلت أزمة الملك طلال أن الملك إدريس الذي كان يعرف طلالاً ويعجب بروحه الوطنية، كتب لي يستفسر عن أزمته الصحية ليطمئن إلى ما يجرى في الأردن ،فأفضيت إليه بألمي!

أما السنوسي فقد اعتاد أن يحول ألمه الوطني إلى حكمة سياسية تنضج في صمت وتستقر مع الإيمان...

يتبع....  



 

 

 

 
Home
من الأفق السنوسي -3