Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


من الأفق السنوسي

تأليف. يوسف عيسى البندك   


الحلقـة الثـالثـة

الأفق السنوسي

يمتاز الملك إدريس  بأنه رجل يمتنع عن النزوات، فهو عميق لا تسيطر عليه الانفعالات النفسية التي لا يكاد ينجو منها رأس عربي في هذا العصر، ويذهب ضحيتها الأبرياء من الأحرار الذين لا ينافقون ولا يتملقون إذا عبروا عن آرائهم ولم تؤت هذه الآراء هوى صقور الحكم، أو إذا وشى بهم الوشاة المتأنقون في السفالة الذين رفعتهم الخسة لإرضاء خسة عليا! وما أكثر ما يحوم النفاق حول الملوك وما أكثر ما يتمرغ على أقدامهم المنافقون! والملك إدريس يزدرى النفاق والمنافقين لأنه معصوم من الغرور ولأنه متعلق بالحقائق الروحية لا يقيم وزناً لهذه المظاهر المزخرفة التي يقيم لها غيره الدنيا! فهو يدرك أن الشعور الذي لا يصدر عن القلب ليس من حقائق الحياة، وإنما هو من مظاهر الموت الأدبي. والملك الذي تقتات كبرياؤه في صحراء خلقية قاحلة هو رجل محروم من كرامة الحياة، بل هو صورة من صور الموت تستمد ألوانها من المواد الفانية التي لا تبقى على الدهر.

وهذا العمق السنوسي هو الذي مكن سفينة الجهاد الليبية من الوصول إلى شاطئ الاستقلال الأمين برغم جميع العواصف. فقد كان الحسد الذي يحرك المتنافسين على الحكم يحمل الى الملك إدريس كل يوم صورة من الطعن من شخص على شخص آخر. فكان هذا الملك الصالح يستمع إلى أولئك المتنافسين جميعاً في ابتسام هادئ تستحيل معه النزوات. وفى هذا الابتسام الهادئ كان يحيل التيارات المتخاصمة، مع الأيام، إلى قوة منسجمة تسرى في الجسم الليبي وتساعد على نموه الطبيعي.

وقد كان الملك إدريس يعلم في بعض الفترات أن أحد وزرائه كثير الصلة بجهة معينة من الجهات التي تريد صداقة ليبيا. وكان يعلم أن وزيراً آخر من وزرائه كثير الصلة بجهة أخرى غير ليبيا من الجهات التي تربطها بليبيا روابط اللغة أو الدين. فلم يكن يضطرب لهذه الصلات بل كان ينظر إليها على أنها محاولات صادرة عن وجهات نظر مختلفة في سبيل هدف واحد هو تقوية الاستقلال الليبي. وكان يترك للأيام أن تثبت صحة هذا الاتجاه أو خطأ ذلك. وقد حالت هذه الحنكة السياسية دون الاصطدامات بين الكتل والشخصيات. وقد استفادت ليبيا من هذه المساعي جميعاً.

وقد كان الملك إدريس يستقبل مندوب الأمم المتحدة وهو رجل بارع في لباقته التي كانت تنزلق عليها الحقائق في بعض الأحيان. وكان يقابل ممثلي الدول المختلفة المتضاربة المصالح المختلفة في أهدافها. فكان يستمع إليهم جميعاً ويبتسم إليهم جميعاً ثم يحلل في هدوء هذه الألوان المختلفة قبل أن يبدى رأياً فيها أو أن يقرر اتجاهاً بصددها. بهذا الهدوء كان يخرج من المأزق المحرج إذا طلب ممثل دولة لا سبيل إلى تجاهل خطرها مطلباً لا ينسجم كل الانسجام مع المصلحة الليبية القومية. فقد كان الملك إدريس في تواضع جميل يصرح بأن هذه من الأمور التي يجب أن يبحثها المختصمون الذين يفتقر هو إلى علمهم وخبرتهم ولا يجيز لنفسه أن يقتحم عليهم مسئوليتهم في شأن هو أجهل منهم فيه. بهذا التواضع الو ادع كان يرفض الملك إدريس أن يكون أداة طيعة لأي قوة أرضية في عصر يفتخر فيه غيره بقدرتهم على تصريف الأمور كما يشتهون كأن إلغاء إرادة شعوبهم وخيانة مصالحها مصدراً من مصادر العظمة، وهم لا يدرون، في غمرة غرورهم، أنهم قد انحطوا بأنفسهم إلى مومسات قومية لن يزيل الزخرف الذهبي من حقيقة سفالتها شيئاً.

ولقد شعر بعض الشخصيات الدبلوماسية الأجنبية بشخصية السنوسي الروحانية شعور تأثر وإكبار. وأذكر أن الذي يقابل الملك إدريس في هدوئه وبساطته يشعر بشخصيته الروحانية التي يفيض إشراقها على النفس.

ولعل من الحق للتاريخ أن نذكر أن الملك إدريس أبى أن يتزوج غير زواجه الوحيد برغم حاجته إلى ابن يخلفه على العرش. ولو تزوج لما كان مشتطاً في دينه بل لوجد جميع المسوغات الدينية والسياسية والقومية. ولكنه يعيش في عمق روحاني مندمجاً في الحقيقة الأزلية العليا، وهو في هذا العمق الروحي بعيد عن شهوات الجسد وشهوة المجد الشخصي فليس الخلود للملوك...

يتبع ....



 

 

 

 
Home
مـن الأفــق السنوسي -2