Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


مـن الأفــق السنوسي

تأليف. يوسف عيسى البندك

الحلقة الثانية


عـمــق

يمتاز الملك إدريس بأنه واسع الأفق لا يحصر تفكيره في حدود القطر الليبي، وإنما يعتبر هذا القطر جزءاً من شمال أفريقيا العربي الخاضع للاستعمار الفرنسي والأسباني. وهو في قرارة نفسه يعتبر رسالته إنقاذ شمال أفريقيا العربي من ربقة الاستعمار. ولكن الملك إدريس يمتاز أيضاً بتركيز تفكيره على الحقائق ونبذ الأوهام فهو يدرك ضعف الدول العربية وانقسامها وهو لذلك لم يلجأ إلى أساليب الزعامة العربية الملتوية التي تطلق الألفاظ الحماسية في الأفق السياسي لتخلب الألباب لحظة ثم تخيبها دهراً. وإنما لجأ إلى الطرق العملية الوحيدة المتيسرة. ومن هذه الطرق نصائحه التي لا تخلو من الإنذار إلى رجال الدبلوماسية الغربية الذين يريدون صداقة بلاده. فهو يشعر أولئك الساسة الغربيين بان كسب صداقته لن يكون باستمرار الظلم الواقع على شمال أفريقيا العربي. فهو- على عكس الدول العربية- لا يضحى بجيرانه في سبيل سياسة محلية وإنما يضحي بالمصالح المحلية في سبيل الهدف البعيد. فهو في وطنيته متصوف حقاً، يسمو فوق المظاهر العارضة، ويهدف إلى وحدة روحية تحقق الوحدة السياسية العربية التي كان الإسلام روحاً لها فان فقدته فقدت روحها.

وقد كانت زيارته لأسبانيا عام 1953 زيارة عاطفية للاتصال بآثار المجد العربي في الأندلس، ولكنها كانت أيضا زيارة فيها مجاملة التقدير للجنرال فرا نكو الذي أظهر فهماً جديدا لنفسية الشعوب العربية وأمالها.

وهو رجل صامت يؤمن بالعمل الجدي ويكره الضجة التي يثيرها غيره من زعماء العرب حول أنفسهم في الصحف والإذاعات فهو مجرد من كل طلاء لأنه لا يقصد إلى خداع أحد، وهو رجل تقي ورع وهو لذلك متواضع يرى في هذه الكبرياء التي يضفيها البعض على أنفسهم تخطياً للآداب الإنسانية التي جاء بها الإسلام. فالحكام خدم الشعب وليسوا آلهته ، والبلاد التي تحول فيها حكامها إلى آلهة هوت إلى درك سحيق في كل عصر، وإذا كان المؤمنون اخوة فأي معنى لهذه الغطرسة المتعجرفة التي تزدرى وجودهم الإنساني!

من هذا الأفق السامي، بأشعته السمحة الصافية، ينظر السنوسي إلى شعبه والى الشعوب العربية المبتلاة.

ومن هذا الأفق السامي فاجأ الجمعية الوطنية الليبية وهى مجتمعة لإقرار الدستور، بتنازله عن الحق في عقد المعاهدات وإعلان الحرب. فهو قد جاهد في سبيل حق شعبه ومن حق شعبه ان لا يفرض عليه مصيره فرضاً.

ومن هذا الأفق السامي، نزلت إرادته بإلغاء كلمة الجلالة، لآن الملك رجل لا يختلف عن البشر إلا في عظم مسؤولياته والجلالة لله، وعقل الإنسان لا يحتمل هذه الصفات الإلهية! والبساطة في الحقيقة والمظهر هي الصورة الحقيقية للنفس الطاهرة التي تبتغى الخير.

هذه هي حكمة الصحراء الشاسعة في الأفق العربي الزاهي بألوان الإثم...

أسلوب سياسي

حزن الملك إدريس حزنا عميقا صامتا صمت أغوار البحر، لمأساة عرب فلسطين التي ما تزال جرحا ينز في القلوب العربية غير الملوثة!

ولقد زار فلسطين خلال الحرب العالمية الثانية وقبل الكارثة، فلقي فيها الترحيب الحار والعطف الشديد والحفاوة البالغة. ولقي فيها وهو المجاهد، الصابر، الحر الجو الروحي الذي يستسيغه، الجو المضطرم بنار الكرامة الثائرة التي تزدرى الموت. احب أهل فلسطين  حباً خالصاً عميقاً، وفاض قلبه بالحرارة في أماكنها المقدسة. ولكن الملك إدريس الذي أنضجته السنون الثقيلة في كفاحه الوطني الطويل، وفى منفاه القاسي ينظر إلى الأيام من أفق إيمانه الناصع، نظرة تحليل مجرد يستهدف الصميم. فهو ليس من أولئك الساسة الذين يغرقون في عواطفهم ويتحول العقل فيهم إلى جنون وطني. فوطنيته ليست شعوراً سطحياً يثور ويهدأ وإنما هي إيمان عميق لا يتزعزع ولا يعرف الخضوع.

ورأى الملك إدريس بمزيد من الألم والحسرة، مظاهر الخداع السياسي الذي مارسه ساسة العرب وأحرزوا به مأساة عرب فلسطين! ورأى بمزيد من الألم والحسرة، سياسة الارتجال العاطفية التي حالت دون تجميع القوة واقتناص الظروف للوصول إلى الهدف. فليست السياسة لحناً يردد في كل ظرف ولا هي صرخة تتكرر في كل واد ولا هي مثابرة على خطة حتى بعد أن يثبت عدم تلاؤمها مع الظروف والأوضاع المحلية أو الدولية القائمة. وإنما هي ملاءمة للظروف المتغيرة، وملاءمة الظروف المتغيرة تقتضي تغيير الأسلوب مع الاحتفاظ بالهدف البعيد.

ولم يشأ الملك إدريس، ان تذهب ليبيا ضحية الارتجال أو العاطفة أو الخداع. وإنما اثر أن يتعرض إلى نقد أولئك الذين برعوا في الارتجال والعاطفة والخداع، لتحقيق الأمل الذي جاهد من أجله وهو حرية وطنه المعذب. والواقع أن تكيفه مع الظروف السياسية المتقلبة وإخضاعها إلى عقله المجرد، دون السماح لعاطفته بأن تعكر تفكيره الصافي يدل، بالإضافة إلى حنكته السياسية، على الإيمان المستقر في أعماق روحه والذي تحطمت عليه الزعازع  التي تجرف ضعاف الإيمان في تيارها.  والساسة الملوثون الذين يسعون إلى مجدهم الشخصي، ينساقون مع العواصف العاطفية، بل هم يخلقونها خلقاً لكي ترتفع بهم على هذه الذرى الخيالية من الوطنية الزائفة العقيمة.

السنوسي قد كان بريئاً من هذا المرض الخلقي، لأنه صاحب رسالة روحية طهرية متسامية فوق هذه الشهوات الأرضية التي يرزح تحتها الساسة المعاصرون. ولسنا نسرف في الخيال إذا قلنا ان كفاح السنوسي كان في صميمه كفاحاً روحياً أدى  إلى نصر سياسي. فقد ناضل في سبيل تحرير الروح الإسلامية وبعثها في صفاء إشراقها، فكان الكفاح السياسي جزءاً من الكفاح الروحي لإزالة الظلمة النفسية التي يفرضها الظالم. والكفاح السياسي من هذه الوجهة كفاح روحي لآن الشخصية الإنسانية لا يمكن أن تنمو في البلاد التي يخيم عليها الظلم السياسي.  والكفاح من أجل تحرير الشخصية الإنسانية، هو كفاح روحي قبل أن يكون كفاحاً سياسياً. ومن هنا كان الحكم الوطني ذاته ناقصاً إذا كان هذا الحكم حكماً ظالماً يحول دون نمو الشخصية الإنسانية، فالاستقلال الذي لا يضمن الحرية للفرد هو عبودية بلون جديد.

ولذلك كان هذا الأسلوب السنوسي، في صراعه السياسي، أسلوباً جديداً يمكن تصويره بأنه أسلوب الإيمان والعقل لا أسلوب العاطفة والخيال.

يتبع....  



 

 

 

 
Home
من الأفق السنوسي