من
الأفق السنوسي
تأليف.
يوسف عيسى البندك
الحلقة
الثانية عشر والأخيرة
ذكريات
سنوسية -4
وأعود إلى الذكرى السنوسية
الأخيرة التي أريد أن أعرضها لتكون نهاية
لهذه السلسلة من الذكريات والخواطر التي
أسردها في غير مشقة ولا جهد.
كان السنوسي يتأثر أعمق التأثر
بما يحدث في شمال أفريقيا الغربي. والواقع أن
الروح الوطنية في هذا الساحل العربي لا تخلو
من اثر الدعوة السنوسية التي انطلقت في الأصل
من تونس وانبعثت في قلب الصحراء كما تنبعث
الحياة بعد جدب. وليس هذا بالأمر الذي يدعو
إلى الاستغراب. أولم تكن روح الإسلام هى التي
بعثت الحرية العقلية والسياسية في قلب
الصحراء العربية؟ أولم تكن انطلاقة العرب
السياسية وليدة هذا البعث الروحي؟
وتأثر السنوسي بما أظهر
الجنرال فرانكو من تشجيع لهذه الأماني
الناضرة التى نمت في صحراء أفريقيا الشمالية
وأصبحت قوة إنسانية لا سبيل إلى قهرها. ومن
هذا التأثر جاءت رغبة السنوسي في زيارة
أسبانيا، وكان كذلك حريصاً على زيارة هذه
الأقطار الحبيبة إلى نفسه على طول هذا الساحل
العربي، في طريق عودته من الأندلس فجمع بين
الهدفين في تلك الرحلة سنة 1953، وكنت العربي
الوحيد الذي حضي باستقباله في سان سباستيان
على الحدود الفرنسية الأسبانية وبدا عليه أثر
السنين الثقيلة التي اضطلع بأعبائها، وأثر
المرض الذي ألح عليه في الأيام الأخيرة. وشعرت
كأنما هذه الفترة القصيرة التي فصلت بيننا قد
تركت فيه آثاراً بعيدة كأنما قد فارقته منذ
سنين! ولكن ذلك الصفاء الروحي الذي يشع عينيه
كان يضفي على وجهه الناحل مسحة من الخلود
فكأنه قد خرج من الزمن ودخل في التاريخ.
لقد ذاب السنوسي في التاريخ لأن
حياته كانت احتراقاً متصلاً وكان وقودها
حيويته الدافقة من القلب.
وقد ظل هذا القلب الخصيب يستفيض
بالأمل الوهاج في أزمة الزمان الشاحب إلى أن
انتصر لون الأمل في أفق السنين! وقد جزعت
لمرأى السنوسي لأول وهلة بعد أن غاض لونه
وظهرت فيه أزمة السنين المثقلة بالعناء،
وعبرت عن جزعي للمرحوم إبراهيم الشلحي. فقال
لي: يجب أن تحمد الله على أنه على هذه الحال من
الصحة. فلو أنك رأيته قبل أشهر حين اشتدت به
أزمة المرض لصعقت!
وبعد أن شربت الشاي استأذنت
السنوسي في العودة إلى مدريد لأكون في شرف
استقباله عند وصوله إلى العاصمة الأسبانية.
وعلى مسافة خمسة عشر ميلاً على
الطريق المؤدية إلى مدريد التقت سيارات سفراء
الدول العربية بالسيارة الملكية وكانت ترفرف
عليها جميعاً الأعلام العربية. فترجل الملك
إدريس وحياه والدي الذي كان ممثله الشخصي في
أسبانيا بالإضافة إلى كونه وزير الأردن ،
وقدم إليه ممثلي الدول العربية الآخرين.
ورأيت الوجه السنوسي ينتعش فيه لون الرضى
العميق لهذه التحية العربية في بلاد عرفت مجد
العرب التليد. وكان هذا الاحترام الصادق الذي
أظهر سفراء الدول العربية لهذا الملك الجليل،
برغم موقف الجامعة السخيف في تلك الأيام،
اعترافاً جميلاً بجهاده الطويل. ومن حق
التاريخ على أن أذكر هنا، أن السنوسي كان قد
كتب إلى الملك طلال وهو على عرش الأردن راغباً
إليه في تكليف والدي، الذي كان وزيراً للأردن
في مدريد، بتمثيله في أسبانيا. وكان السبب في
ذلك تقدير السنوسي للجهود التي كان يبذلها
والدي في دعم الحركة الاستقلالية في شمال
أفريقيا.
وهذا دليل على مبلغ استقلال
السنوسي في سياسته العربية التحريرية،
وبلاده ما تزال في مطلع استقلالها الرضيع!
ثم غادر السنوسي مدريد بعد أيام
قليلة استضافه خلالها الجنرال فرانكو،
قاصداً إلى قرطبة وغر ناطة في طريق عودته إلى
ليبيا مجتازاً مراكش والجزائر وتونس، وودعته
في مدريد وهو ينطوي على أمل في أن يستطيع أن
يحقق بعض الخير من هذا الجو الأسباني السانح
للعروبة جميعاً، وكان لي شأن في مادة هذا
الأمل، ثم مضى السنوسي ومضى معه الأمل! ومن
يدرى فقد يتحقق بعد حين!
خاتمة
تعصف ريح الزمن بالحطام البشرى
في كل جيل فلا تبقى منه إلا الحقائق الروحية
التي لا يقوى الدهر على هضمها.
والشخصية السنوسية في التاريخ
من هذه الحقائق الروحية. وقد عرضت في هذه
الخطرات إلى ما انطبع في نفسي من التأثيرات
بهذه الحقيقة الروحية في جيل توج فيه الضلال!
فإذا استطعت أن أجلو هذه الشخصية في هذه
السطور العابرة من خلال الذكريات، وإذا
استطعت أن أنحو بالقارئ إلى تأمل صورة نقية من
صور الحياة الطاهرة في هذا المحيط الملوث
الذي يؤذى القلوب والأبصار، وإذا استشرف معي
القارئ من هذا الأفق إلى مصادر النور البعيد
عن مظاهر الضلال المتوج في حياتنا الراسفة في
الألم فقد رضيت! ولست أرى أن للكاتب مهمة فوق
أن يصعد بالقارئ إلى أفق معين ويستشرف منه إلى
مصادر النور البعيد... خصوصاً إذا أسدل الضلال
المتوج ستاراً من ظلمة الإثم على وجه الأرض.
انتهى
|