من
الأفق السنوسي
تأليف.
يوسف عيسى البندك
ةالحلقة
الحادية عشر
ذكريات
سنوسية -3
والصورة الأخرى للغضبة
السنوسية، قبل الاستقلال أيضاً، تتلخص في
أن كمية هائلة من أوراق النقد الليبي قد
طبعت في بريطانيا وظهرت صورة الملك إدريس في
يسارها. وغضب السنوسي لأن رأيه لم يؤخذ في
ظهور صورته التي طبعت على أوراق النقد،
ولأنها طبعت إلى اليسار لا إلى اليمين وهذا
مخالف للتقليد العربي. والواقع إن تأثره كان
ثورة للكرامة الوطنية وجلس خبير النقد يحدث
الملك إدريس وكان إلى جانبه السيد منصور بن
قدارة. وحاول السيد قدارة بسجيته الرقيقة أن
يحمل الملك على التغاضي عن الأمر إذ أن رفض
أوراق النقد وإتلافها يؤدى إلى خسارة كبيرة
فقد كانت تكاليفها أكثر من مائتي ألف جنيه.
ولكن هذه اللغة المادية لم يقدر لها أن تصل
إلى نفس الملك إدريس. فهو في سبيل الكرامة
الوطنية يريد الاعتراف بمسؤولية خطأ وقع، لا
تسويغاً ناعماً للخطأ. وكأنما أحس المستر بت
هارد اكر الخبير البريطاني بأن الأسلوب الذي
اتبع كان أسلوباً غير موفق. فقال في لهجة فيها
الالتماس الخاضع المستسلم:(إن الذي وقع كان
خطأ وكان ينبغي أن لا يكون)، وأعتذر عن هذا
الخطأ. وعندئذ زال تجهم الملك وانطلقت
أساريره لأنه لا يقبل أن يفرض عليه أو على
بلاده أي شيء فرضاً وإن تكن بلاده لم تستقل
بعد. والواقع أن الخطأ كان يعود إلى سوء تفاهم
سببه موظف بريطاني وصفه السنوسي بأنه (مظلوم)
إذ يظلم الذي يحمل مسئولية فوق طاقته العقلية.
ويتصل بهذا الغضب للكرامة حادث
آخر أحب أن لا يضيع. وهو أن وزارة الخارجية
البريطانية قد عرضت على الملك السنوسي تعيين
المستر بلاكلى الذي كان رئيساً للإدارة
البريطانية في ليبيا مدة الاحتلال، وزيراً
مفوضاً لدى البلاط الليبي. وقد كان المستر
بلاكلى في الواقع رجلاً طيب القلب، وكان يحب
أهل ليبيا ويؤثرهم على الطليان فيها. وقد
امتعض أشد الامتعاض يوم أعلنت بعد الحرب
اتفاقية بيفن – سفورزا التي نصت على إرجاع
طرابلس إلى إيطاليا، وقد شجع العرب على
المظاهرة ضد تلك الاتفاقية. وقد علمت أن رئيس
الوزارة الليبية الأول السيد محمود المنتصر
كان وجه رسالة إلى الحكومة البريطانية يستحسن
فيها تعيين المستر بلاكلى وزيراً في ليبيا.
فلما عرض على الملك إدريس أمر التعيين رفضه
رفضاً باتاً وكان مرجع الرفض إلى أن المستر
بلاكلى كان حاكماً إدارياً في بلد محتلة، وقد
أصبحت ليبيا الآن بلداً مستقلة، ومن الإساءة
إلى كرامتها أن تضن عليها بريطانيا بوزير
حقيقي! واعتقد أن مما حمل السنوسي على هذا
الرفض هو أن المستر بلاكلى كان في يوم من
الأيام مصدر السلطة العليا وربما اعتاد أن
ينظر إلى نفسه على أنه حاكم في بلد مستعمر. ولم
يعد في ليبيا مجال إلى مثل هذه النظرة. فقد
أراد الملك إدريس جو ليبيا نقياً لا ترى العين
فيه إلا نسيم الحرية يداعب أفقها المضرج
بدماء الشهداء.
وكلف المندوب بالتوسط لدى
الملك. ولكن المندوب لم يكن قد نسى بعد الغضبة
السنوسية التي تعرض لها منذ حين. فلجأ إلى إذ
كان يعلم مبلغ ولائي للملك إدريس ومبلغ ثقته
بي وأرادني على أن أرى أن كان مزاج الملك
إدريس يحتمل مثل هذه الوساطة. وحدثت الملك
إدريس في الأمر، ولمست صلابته وأنه عن قراره
لن يحيد. ونصحت المندوب أن ينسى الموضوع فنسى!
الصورة الأخيرة التي أريد أن
أنهى بها هذه الذكريات والخواطر هى آخر ما
انطبع في ذهني عندما ودعت السنوسي لآخر مرة
وهو متوجه إلى زيارة الآثار العربية في
الأندلس. وقد حالت الظروف منذ ذلك الحين دون
اتصالي به اتصالاً شخصياً، على أنه قد ظل في
خيالي عزاء روحياً عن هذه الملمات التي تحدق
بالعربي على جميع آفاقه إذا لم يحسن التملق
والمداهنة وإذا عجز عن حمل نفسه على إظهار
الرضى عن منغصات الحياة السياسية التي تكلف
النفس الكريمة من الإرهاق والعناء ما يحملها
على الثورة حملاً. ولقد كان السنوسي ملماً بما
تقاسيه الروح العربية في هذه الجاهلية
الثانية من تنغيص مصدره هذا الطغيان السياسي
الذي يقيد المجتمع العربي بصخرة القرون
المظلمة. فكان حريصاً على أن يكون الدستور
الليبي دستوراً ديمقراطياً تتبلور في نصوصه
حقوق الإنسان الذي خلقه الله حراً. وأكتفي هنا
بتسجيل ملاحظة صديقي المرحوم الدكتور محمود
عزمي، الذي كان أنضج عقل سياسي عربي في هذا
العصر، حين عرضت عليه نسخة الدستور الليبي
قبل استقلال ليبيا وكان ذلك أثناء اجتماع
مجلس ليبيا في جنيف سنة 1951، فقال إنه فوق
المستوى السياسي لأي قطر عربي. وإني لأجد نفسي
مسوقاً إلى هذا الاستطراد سوقاً. فإن الألم
الذي يعتلج في النفس يتغلب على منطق القلم
ويتحول به عن هدفه الذي يوشك أن يصل إليه
تحولاً يوصل إلى الهدف عن طريق مرتفعات لابد
من الصعود إليها أولاً قبل الانحدار إلى
الساحل المنشود!
يتبع....
|