Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


مـن الأفــق السنوسي

تأليف. يوسف عيسى البندك

الحلقة العاشرة

ذكريات سنوسية -2


من الصور التي لن تزول من ذهني، صورة ذلك الصبح التاريخي الذي أعلن فيه رسمياً استقلال ليبيا في بنغازي عاصمة الجهاد ومعقل السنوسي الذي خضبته الدماء وخصبت فيه الذكريات. السنوسي لا يحب الظهور وهو أعف من أن تستهويه ألوان الأيام. فلم يشأ أن يلقى الكلمة التاريخية في ذلك اليوم معلناً  لشعبه الذاهل من الفرح حقيقة الحلم الطويل! فترك هذه المهمة إلى رئيس وزرائه.


 الملك محمّد إدريس السّـنوسي يعلن استقلال ليبيـا

 

وأعود إلى السنوسي في صبيحة ذلك اليوم. فقد وقف على شرفة قصر المنار والحجرة المؤدية للشرفة غاصة بالشخصيات الليبية والدولية من دبلوماسية وغيرها، والساحة التي تطل عليها الشرفة جموع تموج بها العاطفة، تلتمع فيها دموع الانتصار على مضاضة الذل الذي زال إلى غير رجعة. وفى غمرة الأطفال الحفاة بثيابهم الممزقة وعيونهم المقروحة وأجسامهم الناحلة كانت تشرق الحرية المنتصرة انتصار السابح الذي أنهكته مغالبة الأمواج وكاد أن ينتهي إلى الغرق لولا روح به نزاعة إلى الحياة، وإرادة أبت أن تستكين!  وقد كان السنوسي هو الروح وهو الإرادة! في تلك اللحظة شعرت والدمع يترقرق من عيني بأن الشعب الليبي قد حقق روحه وعاد إلى التاريخ .

ولم استطع أن أكبح جماح نفسي، فمضيت إلى الشرفة وهنأت الملك إدريس أحسست في حرارة يده استسلاماً لحكمة الله فكأنما شعر الملك إدريس بأنه قد جاوز قمة الألم، وقمم الألم هي قمم المجد الحقيقي الذي يصبح الألم معه ذكرى تنحدر مع الأيام، ويبقى الذي صعد إلى تلك القمة، وحيداً أقرب إلى السماء منه إلى الأرض. وفى لحظة الانتصار تكون المتعة بمقدار الألم الذي حقق النصر. ورد السنوسي على تهنئتي بصوت خافت ترتجف فيه آمال جيل معذب. ورأيت في عينيه ورعاً ذائباً يكاد أن يتساقط قطرات... ولم أر فيه زهواً ولا نشوة بالعرش ولا استعلاء على الناس، وإنما رأيت إنسانا قد تجرد في زهده عن الزمن نفسه لان قلبه كان متصلاً بالله وبدأ في لحظة كأنه غريب يحتمل فرحة العميق بهذا اليوم الزاهي احتمالاً كما يحتمل الألم الجميل. فكأنه في زهده يرى من الإثم أن ينحل الإنسان نفسه الفضل في نصر هو من عند الله!

ويسرح الخيال بالمتأمل في هذا الملك الذي صنع تاريخاً، إلى أولئك الملوك الذين صنعتهم الظروف... ويقارن بين الحياة تقوى وتواضعاً والحياة ضلالاً وغروراً! ويسترسل الخيال مع الضلال والغرور...

*   *   *

هذه الصور توضحها الذاكرة لا بحسب تساوقها الزمني بل وفقاً لتغلغلها في النفس كقيم معنوية. وسأعرض الآن صورتين للغضبة السنوسية، السنوسي رجل قلما يغضب، وإذا غضب سيطر على غضبه ولم يسيطر الغضب عليه. على أنه مع تسامحه الذي لا يكاد يعرف حداً وإغضائه عما يسوء، تتحول رقته الخلقية إلى صرامة عنيدة مصدرها الإباء الصلب إذا سمع أو رأى ما يوشك أن يكون مساساً بكرامة شعبه من قريب أو بعيد! فقد كان مندوب الأمم المتحدة إدريان بلت يشرح للملك إدريس قبل الاستقلال استعداد بريطانيا لتقديم المساعدة المالية لليبيا لسد عجز ميزانيتها إذ لم يكن هناك مصدر آخر لسد هذا العجز ولابد  لهذا العجز أن يسد إذا أريد لليبيا أن تستقل! وكان المندوب حريصاً أشد الحرص على تنفيذ قرار الأمم المتحدة الخاص باستقلال ليبيا لسببين رئيسيين: طموحه إلى إنجاز عمل تاريخي يخلد اسمه في التاريخ، وكراهيته للاستعمار الغربي مع أنه هولندي من أمة مستعمرة. ومرجع ذلك إلى أنه رجل متأثر بالمبادئ المسيحية في تفكيره السياسي. وهو من المدرسة الدولية التي تؤمن بالتعاون الدولي أكثر من إيمانها بتوازن القوى الذي يخلق كتلاً سياسية متقابلة. على أن المستر بلت كان يدرك أن الدول الغربية الكبرى هي صاحبة النفوذ الأكبر في هيئة الأمم المتحدة، وهو موظف قد ناهز الستين وليس بين يديه من المال ما يكفل له الحياة الباذخة التي اعتادها إذا أحيل على المعاش بعد انتهاء مهمته. فكان من هذه الناحية حساساً للضغط الغربي وكان يحاول التوفيق بين نوازعه وبين هذا الضغط ولذلك لم يكن يحتفظ بلون سياسي ثابت بل كان لونه يتحلل إلى ظلال تناسب ظروفه النفسية. وفى هذه الجلسة التي أعرض لها الآن كرر المندوب كلمة المساعدة البريطانية وأثرها فغضب السنوسي فجأة وثار الدم في وجهه الو ادع، واتقدت عيناه وقال بنبرة يتأجج فيها شعور كريم:(نحن لا نقبل حسنة ولا نريد حسنة. إن بريطانيا لها مصالح في بلادنا وهى تدفع من اجل مصالحها. فكف هذا الحديث عن المساعدة البريطانية!) وتراجع المندوب وأخذ لونه يتحلل إلى الظلال المناسبة للموقف في لباقة بارعة! وأدرك المندوب أن هذا الملك الزاهد الهادي المطمئن الذي تستفيض حياته تسامحاً مع الناس، لا يعرف إذا تعرضت كرامة بلاده لأي مغمز!

يتبع....



 

 
Home
مـن الأفـق السنوسي -9