Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
Up

 

 

 

 





 

 


من الأفق السنوسي

تأليف :  يوسف عيسى البند ك


كلمة الناشر

احتفالا بذكرى الخمسين لاستقلال ليبيا، وإحياء لهذه الذكرى التاريخية المجيدة، ينشر مركز الدراسات الليبية ويعيد طبع مجموعة من الكتب النادرة التي تؤرخ للاستقلال لقادته على رأسهم الملك محمد إدريس السنوسي، رحمه الله، رمز استقلال ليبيا ومؤسس دولتها الحديثة.

في الأفق السنوسي كتاب نفيس، صغير في حجمه كبير في قيمته، ألفه الأستاذ يوسف عيسى البندك، وهو من أبناء فلسطين، وكان أحد أعضاء وفد الأمم المتحدة إلى ليبيا ومترجماً للسيد أدريان بلت، تعرف على الملك إدريس قبيل الاستقلال وتوثقت علاقته معه عبر السنين.

ان هذا السفر النفيس شهادة من رجل فلسطيني أراد بها وجه الله تعالى، تقرأ في نبرته صدق اللهجة وقوة الحجة ، لا تملق المتملقين ولا تزلف المتزلفين.

لا نعرف ناشراً لهذا الكتاب النادر، ولكنه طبع في المطبعة الوطنية بعمان، الأردن، بتاريخ

28 رمضان 1374 الموافق 20 مايو 1955 .

نسأل الله أن يكون في إعادة نشر في الأفق السنوسي إحقاقا للحق، وشهادة للتاريخ، وخدمه للدارسين والمؤرخين والباحثين .

مركز الدراسات الليبية – اكسفورد        

صفر 1423 – أبريل 2002          


إهداء

كم من ملوك لولا عروشهم لظلوا في الأرض من مهملات التاريخ! أما أنت صنعت تاريخا سيبقى بعد أن تزول العروش.

وكما يلوذ المحروم من الحب بالذكريات العذبة يستضئ بها من ظلمة نفسه، يلوذ المحروم من الحرية بذكريات العدل الذي عاش في ظله ولو إلى حين!

وهذه يا مولاي خواطر استنزلها القلم من سماء الذكرى قبل أن تضيع في ضباب الحياة!

وأنا أهديها إليك لأنك زاهد فيها كما يزهد القمر فيما يرف حوله من شعر الملهمين. ولولا زهدك لما تعلق بك القلب ولا سما إليك الخيال.

يوسف عيسى البندك


مطلع

هذه ذكريات امتزجت بالقلب امتزاجاً، فلاحت من خلال الألم كما تلوح

نواضر الورود من خلال الأشواك! وهى صدى خفيف...في جو لا يحتمل

صوت الضمير...

وهى للتاريخ!

الحلقة الأولى

مع الزمن

هبطت إلى ليبيا لأول مره في ليلة الميلاد سنة 1950 وكانت محتله، تحكمها الإدارات الأجنبية، وغادرتها بعد عيد الميلاد سنه1952  وهى مستقلة، كالمستيقظ من حلم طويل. ولعل هذه الفترة القصيرة في حياة ليبيا السياسية تعادل في أهميتها سنوات نضالها الطويلة منذ ان ابتليت بالاستعمار الإيطالي. ذلك أن استقلال ليبيا وان يكن ثمرة لجهاد شعبها الصابر بزعامة إدريس السنوسي رمز جهادها المتوج إلا أنه ظل متوقفاً في تحقيقه على الاتجاه السياسي الليبي خلال هاتين السنتين التاريخيتين.

فان قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا أخذ بأغلبية صوت واحد في الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1949، وكان صوت جمهورية هايتي السوداء. وقد أمر الملك السنوسي بعد الاستقلال بتسمية شارع كبير باسم هايتي في ليبيا اعترافاً بجميلها. وكانت سياسة الولايات المتحدة بعد كارثة فلسطين تتجه إلى تعويض العرب سياسياً عن خسارة فلسطين، فدعمت حركه استقلال ليبيا بالرغم من اتفاق بيفن – سفورزا الذي اتفقت فيه إنكلترا وإيطاليا على إعادة طرابلس إلى إيطاليا، وطرابلس تشكل ثلثي ليبيا سكاناً وثروة وعمراناً.

أما فرنسا، فكانت مغيظة في قرارة نفسها، لأنها أدركت أن شعلة الاستقلال على ساحل أفريقيا الشمالي لن يقف خطرها في حدود ليبيا، خصوصاً أن تونس تفوق ليبيا بمراحل من حيث الثروة الطبيعية والاستعداد الثقافي والتنظيم والتعليم. ولذلك فعندما دخل قرار الأمم المتحدة في طور التنفيذ عن طريق بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، وكانت حركات البعث القومي قد أخذت تزعج الاستعمار الفرنسي، كان من مصلحة فرنسا أن يعرقل تنفيذ قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا الذي أفقد فرنسا حجتها بأن شمال أفريقيا العربي لم يصل إلى مستوى لائق بالاستقلال. وفى هذه الأثناء، أي سنة 1951 / 1952 ، كانت سياسة أمريكا قد تطورت وأخذت تراقب بوجل تطور الأمور السياسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ذلك أن الولايات المتحدة مضطرة إلى الارتباط بالاستعمار الأوروبي لتوحيد أوروبا ضد الشيوعية وهى تخضع أي اعتبار آخر لهذا الهدف السياسي الأعلى.

وكان قرار الأمم المتحدة مشروطاً بشرط زمني: أن يتم تنفيذ القرار قبل نهاية 1952 ! فلو تأخر تنفيذ القرار وعادت بعثة الأمم المتحدة إلى الجمعية العامة في باريس في ديسمبر 1952 دون أن يكون استقلال ليبيا قد أعلن، مهما يكن سبب تأخر إعلان الاستقلال، لربما تغير مصير ليبيا خصوصاً وأن موقف مصر المعادى للغرب في تلك الأثناء قد أشاع في الدول الغربية الميل إلى التريث في تشجيع الحركات الوطنية العربية في كل مكان.

وقد سعت بعض الدول الاستعمارية لعرقلة الاستقلال الليبي، وسارت السياسة المصرية، في عهد فاروق،- بتأييد دول الجامعة العربية التي كانت تجهل قضية ليبيا جهلا تاماً – في اتجاه لو خضعت له ليبيا لأضاعت استقلالها.

وسر إنقاذ استقلال ليبيا في وسط هذه الظروف الدولية الشاذة هو صفاء ضمير السنوسي وصفاء عقله. فقد صمد للعاصفة العربية الهوجاء، وصمد لدسائس الاستعمار الغربي ووقف موقفاً إيجابيا برهن فيه على حكمة سياسية وبعد نظر واستعلاء على أسلوب الارتجال الذي أضاع فلسطين.

ولست اقصد إلى القيام بدراسة سياسية لهذه الفترة التاريخية الخطيرة في حياة القطر الليبي الشقيق. وإنما أريد أن أسجل ملاحظات وخواطر ومشاعر من وحي صلتي الشخصية بالملك الصالح إدريس السنوسي، الذي انجذب إليه قلبي لما يمثله من صفاء روحاني سما بوطنيته إلى مستوى لم يعرفه زعماء العرب ولا ملوكهم منذ عصر الخلفاء الراشدين! وأريد شهادة العقل والقلب أمام التاريخ.

نحو الأطماع البعيدة

برقة وطرابلس وفزان، وهى الأقاليم الثلاثة التي تتكون منها ليبيا، منفصلة انفصالا يكاد تاماً، بالصحراء الطبيعية والصحراء النفسية!

فقد عاشت هذه الأقاليم في عهد الاستعمار الإيطالي الذي أذاق معظم سكانها حياة إذلال وقهر، وكان كل إقليم من هذه الأقاليم وحدة من الظلم تفصل بينها وبين الوحدة الأخرى، مسافة شاسعة من الصحراء تمتد مئات الأميال.

وبما أن برقة كانت ساحة الجهاد بينما طغت على طرابلس مسحة من الحياة الإيطالية مع الاستغلال الاقتصادي والسياسي والسيطرة التامة، فقد قاست برقة من الويلات أكثر مما قاست طرابلس أو فزان. وكانت النتيجة أن تظاءل عدد سكانها وأصبحت طرابلس مع مستوطنيها الإيطاليين الذين يتحكمون في معظم اقتصاد ليبيا، الإقليم الطاغي عدداً واقتصاداً.

وفى هذه الفترة الرهيبة التي جاءت فيها بعثة الأمم المتحدة لتنفيذ قرار استقلال ليبيا، بعد عهد الاستعمار الإيطالي الطويل، أحس أهالي برقة المجاهدة أن تشكيل دولة موحدة ببرلمان وفقاً للنسبة العددية سيخضع برقة إلى سيطرة طرابلس التي ظلوا في عزلة نفسية عنها طيلة العهد الإيطالي. ثم ان برقة لا تسمح للطليان بسكنى برقة وقد استولت على جميع أملاك الإيطاليين التي كانت في الأصل أملاكاً عربية ثم انتزعها الفاشست انتزاعاً وعمروها لأنفسهم ولم يقدروا أنهم سيجلون عنها يوماً كما يجلى الصدأ! وفى حالة وحدة القانون في مملكة موحدة،يتعرض هذا الوضع في برقة إلى تهديد الوضع الراهن في طرابلس التي كان يسيطر عليها الاقتصاد الإيطالي.

أما فزان وهى منطقة صحراوية منعزلة في الجنوب،  وكانت خاضعة خضوعاً تاماً للإدارة الفرنسية، فقد قاوم أهلها أيضاً فكرة الدولة الموحدة بضغط من السيطرة الفرنسية التي سلطت على السكان  أشنع وسائل التعذيب والقهر خلال مدة احتلالها هذه المنطقة.

وفى وسط هذا الجو، طلبت مصر، في عهد فاروق، برفض أي حل إلا على أساس حكومة موحدة وزعمت أن فكرة الحكومة الاتحادية هي مناورة استعمارية!

وقامت صحافة مصر بحملة هائجة على العناصر الليبية التي قبلت التعاون مع بعثة الأمم المتحدة وممثلي الإدارة البريطانية والفرنسية، لتشكيل دولة على أساس فيدرالي!

وكان يتزعم هذه الحركة في ليبيا السيد بشير السعداوي، وهو مجاهد قديم له في قلب أهالي طرابلس منزلة كبيرة أضفى عليها طول هجرته وما وصل إليه من جاه لدى جلالة الملك عبد العزيز أل سعود، لوناً  وقوراً وكان وراء سياسة مصر عبد الرحمن عزام الذي كان يحركه الحقد الجنوني على السنوسي، حتى انه زار روما وأدلى بتصريح فيها يدافع فيه عن حقوق المواطنين الطليان في ليبيا!

وكان الطليان يجدون في هذه السياسة رضى عميقاً، إذ كانوا مازالوا يحلمون بالسيطرة على طرابلس في حالة عدم وصول ليبيا إلى تفاهم داخلي بين الأقاليم على شكل الاستقلال، إذ يكون ذلك دليلاَ على عدم أهليتها للاستقلال ثم قيل لهم ان شخصا مصرياً مثل عزام، رئيساً لجمهورية طرابلسية ، أخف وقعاً من رجل متعصب قديم السنوسي.. وهذه بقعة عاطفية حساسة وإيطاليا بلد الفاتيكان!

وزاد في تعقيد الموقف أن معظم الأشخاص الذين كانوا يتعاونون مع دولتي الإدارة هم نفس الأشخاص الذين تعاونوا مع الاستعمار الفاشستي! هكذا كان حظ ليبيا فهي تفتقر إلى الرجال بعد أن سحق الاستعمار الإيطالي كل معاقل الرجولة فيها، ولم يتح لأبنائها سبل التعليم وتحمل المسؤوليات الجسام. وكان العطف الشعبي في طرابلس، لهذه الأسباب المحلية، منصباً على بشير السعداوي ضد خصومه المتعاونين مع العهدين!

فوجد السنوسي نفسه في ظرف تاريخي حرج، وهو لم يكن في قرارة نفسه يختلف في شعوره نحو صنائع الاستعمار الفاشستي عن أي فرد من أفراد شعبه. غير أنه رأى في موقف السعداوي توجيه السلطة المصرية العمياء وأحس بعد الجهاد الطويل بالخطر في إضاعة استقلال ليبيا بعد أن وصل إلى هذه المرحلة التاريخية الحاسمة فكانت حكمة السنوسي وجرأته واتزانه وتحليله للأمور، العوامل التي نجت باستقلال ليبيا من جميع هذه الأخطار. فقبل أوضاعاً لم ير بداً من قبولها إلى أن يعلن الاستقلال حتى لا يضيع الاستقلال. فقبل اشتراط الفرنسيين إبقاء مستشار في فزان. وقبل أن يكون للبريطانيين حق الأشراف على الميزانية وكان في إمكان مصر أن تفعل ذلك. ولكن بعد تحقق استقلال ليبيا قاوم السنوسي وجود الظل الفرنسي في فزان،  وقاوم سد الإنجليز للميزانية، وأخذ يحاول تحويل الاتحاد إلى دولة موحدة. وقد كان عقد المعاهدة الليبية- البريطانية على أساس الاستئجار مما حرر المالية الليبية والسياسة الليبية من الإشراف البريطاني.

وبذلك خطا السنوسي بليبيا بجهاده وحنكته إلى الاستقلال، ثم إلى تطهير الاستقلال، واخذ يوجهها إلى اطماع الاستقلال البعيدة!

يتبع.....


 
Home
الصواعق الإلهية
Research
Libyan_Oposition