Libya4ever                 ليبيا أبدا

Home
تفكيك الجبهـة

 

 

 

 





 


مؤتمر لندن .. هل كان أحياء للموتى

أم للمتاجرة برفاتهم


بعد صراع مرير مع كافة الأمراض السياسية العضال، ابتداء من التناحر حول عوائد السياحة الخيانية، ومروراً بمحاولات عدد من الرموز القديمة التفرد بالزعامة، وانتهاء بالتطاحنات الأيديولوجية والشعارية الممجوجة، تملكت أنصار المعارضة الليبية رغبة جديدة، وربما مضحكة، في تسويق أوهامهم التي عفا عليها الزمن وواراها، بكل ما تنطوي عليه من سوءات، التراب، فخرجوا علينا بالدعوة إلى عقد مؤتمر جامع ظنوا أنهم من خلاله بقادرين على تجاوز ما اعترى تسويقهم - في السابق - هذه الأوهام من عثرات وترميم بنيانهم الذي لم يعد موجودا منه سوى أطلال يخيم عليها نعيق البوم والغربان.

وكما عهدهم دوما بالتذاكي المكشوف، أعلنوا صيف 2005 ميقاتاً للمؤتمر دونما تحديد لمكان انعقاده بدعوى الاحتراز من أن يفسده النظام.. ثم كان أن عُقد المؤتمر بالفعل، محمَّلا بنحيب الوداع والعائد الصفري قبل أن ترص الكراسي على طاولة الانعقاد، بالعاصمة البريطانية لندن خلال شهر يونيو 2005... إذ وضع المؤتمرون منذ البداية سقفاً مستحيلاً لمطالبهم شمل مطالبة العقيد القذافي بالتنحي عن الحكم، وهو المطلب ذاته الذي ضمنوه بيان مؤتمرهم الختامي، الأمر الذي سبب نوعاً من الصدمة لدى عدد من الشخصيات والفصائل التي أيقنت، بعد طول مران، مدى جوهرية التمييز بين واقعية المطالب وسرمديتها.. وقد انعكس هذا بطبيعة الحال على مسألة الحضور، حتى أن فصيلاً يعتبر الأكبر من فصائل المعارضة الليبية من حيث الكم والأنشط من حيث الحركة والفعل ممثلاً في الأخوان المسلمين، قد عزف عن الحضور معترفاً – على لسان المدعو عاشور الشامس - بكون هذا المؤتمر هو مؤتمر معارضين لا مؤتمر معارضة.

وقد كان المؤتمر بالفعل كذلك، حيث لم يصل عدد الحضور إلى مائة وعشرين فرداً، كما اعتلت ناصيته الوجوه المجعدة ذاتها التي ملَّ الليبيون
– معارضون وغير معارضون على حد سواء – رؤيتها، جراء ما بدا واضحاً من تقشر طلاءاتها الزائفة، فها هو السيد إبراهيم صهد الأمين العام الحالي، أو بالأحرى الوريث، لجبهة الإنقاذ يمارس السلوكيات ذاتها التي كان يمارسها من قبل صهره المقريف عندما كان أميناً عاماً لها من حيث إكساب الحدث بُعداً إعلامياً يتجاوز حتى قدرات فصائل المعارضة مجتمعة وليست جبهته وحدها، إذ خرج المذكور رافعاً رمحه القشي ليصرح لجريدة "الخبر" الجزائرية قبيل انعقاد المؤتمر بأن "المعارضة الليبية اتصفت بالموضوعية وتغليب العقل، وفي مقارعتنا للنظام نتمسك دائماً بأن تكون سبلنا وأدواتنا ممكنة ومشروعة، نحن نؤمن بأن التغيير قادم، وسيكون من داخل ليبيا، وسيشكل مفاجأة للنظام نفسه وللأطراف المحلية والدولية التي راهنت على النظام".. معتقدا أنه بهذه الكلمات الرنانة قد يستطيع التغطية على أحداث وأخبار تكشف عن مناطق حساسة ومتوحشة، لا في حياته كشخص ورث أمانة هذه الجبهة عن صهره المقريف، وإنما في حياة هذ الجبهة ذاتها كفصيل لم يتبقَ من حطامه سوى المناصب الكرتونية الملذوذة وذكريات الشهوات البدنية والملذات النفسانية التي كان صهره غارقاً فيها لشوشته، وهي مسألة غير ممكنة على الإطلاق، حيث الإفلات من إكراهات المفعول بالتفنن في المكتوب أو المُدلى به من أحاديث لا يفترق كثيراً عن محاولة ردم محيط بحفنة من تراب.

وربما نسي أو تناسى السيد صهد الذي أراد أن يتلاعب بجريدة "الخبر" الجزائرية ويحشو رؤوسنا بما لذ وطاب له من فراغات أن كل صنوف الخطابات الهرطقية هي فاقدة بصورة أو بأخرى للموضوعية التي يدعي أنها كانت الصفة الدائمة لتعامل المعارضة مع الحكم، وأنها سرعان ما تفقد طابعها الرنان، مفسحة المجال لشمس الحقيقة، تلك الحقيقة التي ينطق كل حرف من حروفها بأن صهداً هذا، والذي أهال في تصريحاته لجريدة "الخبر" التراب على النظام وشرعيته حينما قال بالحرف الواحد.. "وما زلنا في موقفنا المعارض.. لأن هذا الحكم يفتقر إلى الشرعية، فهو جاء إلى الحكم بقوة السلاح، واستمر يحكم طيلة 36 عاماً بالقوة والقهر...." هو في الأصل ضابط سابق بالجيش الليبي، وأنه قد خدم في السلك الدبلوماسي في عهد هذا النظام حتى وصل إلى درجة قائم بالأعمال في الأرجنتين، فأين كانت هذه الطعنات في النظام وفي شرعيته حينذاك؟.. أو بتعبير أدق... كيف ينعت صهد النظام بهذه الأوصاف الخشنة وقد كان يوماً ممثلاً رسمياً له؟

والسيد صهد هذا الذي صور المعارضة الليبية في تصريحاته على أنها معارضة ملائكية، وزف للدنيا بأسرها بشرى الإطاحة بالحكم وتشكيل حكومة انتقالية لإدارة البلاد من عناصر وصفها بأنها مشهود لها بالوطنية والنزاهة، هو آخر من ينبغي أن يتحدث عن الوطنية والنزاهة؛ فالرجل – ولا شماتة – عمل ضابط ارتباط مع الـ CIA في المغرب، وكان ذلك تحت إشراف السيد ناينر – كما بيَّنا ذلك في أكثر من موضع، بل ولا نخفي السادة القراء سراً أنه تصارع مع فائز جبريل (خوميني المعارضة الشهير) على الاضطلاع بهذا الدور.. والرجل – بلا شماتة – لا يعتبر صهراً للمقريف فحسب، وإنما أيضاً وريثه في تكليف ذوي القربى بالمناصب الطرية في الجبهة، يشهد على ذلك أن ابن أخيه "زكريا سالم صهد" هو ممثل ما يسمى بجبهة الإنقاذ في بريطانيا.

والسيد صهد الذي تقمص – في تصريحاته - دور قاضي القضاة في محاكمة الحكم، هو نفسه، المطالب بفتح الملفات الآتية:

·                   عملية العمارة (1984) والتي راح ضحيتها عدد من شباب ليبيا.. ولصالح مَن كانت هذه العملية.. ليبيا أم صهره المقريف؟

·                   عملية الجنود الليبيين في تشاد.. مَن غرر بهم ومَن يتحمل وزرهم؟

·                   أحداث أكتوبر 1993.. مَن الجاني ومَن المجني عليه؟

·                   اغتيالات اليونان وألمانيا وبريطانيا.. مَن المتسبب الحقيقي في وقوعها وفي رقبة من دماء مَن راحوا ضحايا لها؟

·                   عملية قتل سفير ليبيا في إيطاليا عن طريق ما سمي بمنظمة البركان.. مَن فعلها؟.. وما هي الأهداف التي كانت تقبع خلفها؟

وغير ذلك من أخوات هذه العمليات الكثير كانت تستدعي من صهد ورفاقه من مؤتمِري صيف 2005 الإجابة عنها للعائلات والقبائل الليبية، بالشفافية ذاتها التي حاولوا تصوير مؤتمرهم المشبوه بها.

والسيد صهد الذي لم يخفِِ، في تصريحاته، شماتته من بقاء ليبيا على ما يسمى بقائمة الدول الراعية للإرهاب، ويتهم الحكم باستمرارية اللهث وراء أمريكا، هو مَن يخطب ود الليبيين (الإرهابيين في تقديره) كي يتخذهم جسراً لبلوغ مآربه السياسية الرخيصة.

وها هو السيد فرج بوالعشة وزوجه يصنفان أنفسهما ضمن نجوم المؤتمر بعد أن هوى نجمهما في ليبيا وخطفا خطفتهما وفرَّا إلى الخارج مخلفين ورائهما من العار ما لا تكفي مياه البحر المتوسط لغسله.

وها هو السيد ابريك أسويسي، الذي لا تزال يداه ملوثتين بدماء مَن راحوا ضحايا لحركة أكتوبر 1993 كما لا تزال ذمته أيضا ملوثة جراء اغترافه أموال الجبهة دون رحمة أو هوادة، يخرج علينا في مشهد احتيالي رهيب ليضع يديه في يد رموز الجبهة التي كان قد اتهم قيادتها من قبل بالتفرد والتسلط وحب الظهور الإعلامي وعدم الاكتراث بأرواح الليبيين ومستقبل البلاد ورهن القضية في يد قوى أجنبية.

 وها هو السيد..... وها هو السيد.... وها هو السيد..... قائمة طويلة عريضة من الشخصيات المعروفة بعمالتها البائسة ونقائصها المشينة مثَّل لها هذا المؤتمر فرصة ذهبية للعودة إلى دائرة الضوء من جديد مثلما مثَّل لها فرصة أكثر من ذهبية للتربح من ورائه.. وهو ما ينقلنا إلى القضية الأخطر بشأن المؤتمر والمؤتمرين.. متمثلة في قضية التمويل.

إذ رغم ادعاءات الحرس القديم من المعارضة الليبية بأن المؤتمر جاء ليبياً صرفاً في بعديه التمويلي والتنظيمي، فقد فندت الوقائع على الأرض هذه الادعاءات.. فقبيل انعقاد المؤتمر أنكر إبراهيم صهد في حديثه المشار إليه سابقا لجريدة "الخبر" الجزائرية أن يكون مؤتمر المعارضة الليبية سوف يتم بتمويل خارجي.. إلا أن زكريا سالم أحمد الناطق باسم الجبهة ذاتها في بريطانيا قد أفشى سر تمويل المؤتمر حينما قال في تصريح له لجريدة "الحياة"  اللندنية بتاريخ 20 مايو 2005 بالحرف الواحد.. "أن الجبهة حرصت في السنتين الأخيرتين على إعادة العلاقة مع بعض الدول العربية، لا سيما السعودية، خصوصا بعد انكشاف تورط النظام الليبي في محاولة اغتيال الأمير عبد الله بن عبد العزيز، كما أن الجبهة فتحت قنوات اتصال مع عدد من الدول المجاورة لليبيا بغية إلقاء الضوء على ما يجري الآن في ليبيا، كونه قد ينعكس على الأوضاع داخل دول الجوار، إذ أن الوضع يتدهور سريعا، خصوصا مع انهيار معظم قطاعات الخدمات واعتماد النظام على الانفتاح على أفريقيا من دون رقابة ولا ضوابط".

وإذا كان حديث زكريا سالم أحمد بالنسبة لدول الجوار الليبي الرئيسية (مصر والسودان وتونس وتشاد) مشكوكاً في صدقيته لاعتبارين أساسيين.. أولهما.. أن علاقات ليبيا بهذه الدول هي فوق الممتازة، وثانيهما.. انتفاء مصلحيتها في أية قلاقل يمكن أن تحدث في ليبيا، بل وعلى العكس فإن أية قلاقل في ليبيا أو تغيير في نظامها السياسي قد تفضي إلى آثار كارثية بالنسبة لهذه الدول، تحديداً فيما يتعلق بنظم حكمها، إذ لو وصلت المعارضة إلى الحكم في ليبيا، لكان ذلك دافعاً قوياً لأن تتطلع المعارضات في هذه الدول إلى أن تحل محل النظم القائمة الحالية، كما لوجدت من الدعم الأمريكي ما يعينها على تحقيق هذا الهدف، أما فيما يتعلق بالسعودية، والتي ذكرها زكريا سالم بالاسم، فالمسألة مختلفة؛ حيث لديها من المبررات ما يجعل مساندة المعارضة الليبية خياراً عملياً بالنسبة لها.

أما خيري أبو شاقور (عضو لجنة الإعداد للمؤتمر) فقد ذكر في بيان صحفي بثته بعض المواقع الإلكترونية بعد انتهاء المؤتمر أن أحد أسباب انسحابه من المؤتمر تمثل في الغموض والتعتيم الكامل على المصادر المالية له.. بحسب أبو شاقور، فإن ثلاثة أشخاص فقط من ضمن واحد وعشرين، وهم أعضاء اللجنة التحضيرية للمؤتمر، كانوا على علم حقيقي بمصادر الأموال.

وربما يقول قائل، ولكن هذا لايكفي لاتهام السعودية بالمشاركة في تمويل المؤتمر، وإذا كان هذا صحيحاً، فإن الآتي، من دون شك، يكفي..

·                   ذكرت بعض المصادر أن أحد قادة المعارضة السعودية في لندن وصف العلاقة بين حركات المعارضة الليبية والأجهزة السرية في واشنطن والرياض ولندن بعلاقة التابع والمأجور والذيل، يخونون وطنهم ويتآمرون عليه ويعرضونه للبيع، ثم لا يتورعون عن مد اليد الأخرى لقبض الثمن، وأن مندوباً من المخابرات السعودية يدعى القحطاني التقى مع بعض رموز المعارضة الليبية للتباحث بشأن الخطوات التالية بعد عقد المؤتمر، ومعروف أن القحطاني هذا على علاقة بعدد من رموز المعارضة، ومن بينهم محمد بويصير الذي كان يتقاضى وعشرات ممن أدرجت أسماؤهم في قائمة بينها أسماء وهمية رواتب ومكافآت شهرية مصدرها المدير السابق للاستخبارات السعودية، وأن المعارضة الليبية طلبت من السعودية مبلغ 200 مليون دولار مقابل تصعيد نشاطها في ليبيا، كما تقدمت بطلبات تصل إلى 500 مليون دولار إلى الأجهزة الأمريكية وكندا وبريطانيا ودول أوروبية أخرى، كما أن وفدا من هذه المعارضة كان مقرراً له التوجه إلى دول الخليج لجمع الأموال بدعوى إنقاذ ليبيا.

·                   ذكرت مصادر أخرى أن جمال خاشوقجي (أحد رجال المهمات السعودية الخاصة) قد التقى إبراهيم صهد ومحمود شمام قبل المؤتمر ودفع لهما فاتورة الإقامة الخاصة بالمؤتمر في فندق "Holiday Inn" وكذا أتعاب شركة الأمن الخاصة بالحراسة، وأن ثمة لقاءات قد جرت في دبي مع بعض الأعضاء المشاركين في المؤتمر لأجل احتكار المواد الإعلامية الخاصة بالمؤتمر وتوضيب مواد إعلامية أخرى موجهة ضد ليبيا لنشرها مقابل 350 ألف دولار، وأن سعوديين اتصلوا ببعض أعضاء لجنة الإعداد للمؤتمر، وعرضوا عليهم رواتب كبدل تفرغ لمناهضة الحكم الليبي، وأن مِن هؤلاء مَن اتصل بالسلطات الليبية وأبلغها الأمر.

·                   ذكرت مصادر ثالثة، أنه رغم البيان الصوري الذي أصدرته السفارة السعودية بلندن على لسان الأمير تركي بن فيصل (السفير السعودي الحالي ببريطانيا ورئيس الاستخبارات السعودية سابقاً) والذي ينكر الصلة السعودية بتمويل المؤتمر، فإن الأمير تركي قد التقى، قبيل المؤتمر، السيد محمد الحسن الرضا السنوسي على مأدبة غداء وودعه حتى باب السفارة، وهو ما يدفع المرء للتساؤل عما إذا كان اللقاء قد كان بشأن مؤتمر المعارضة اللبيبة بلندن أم لتجاذب أطراف الحديث حول أحد الأفلام السينمائية التي تعجب الاثنين (الأمير تركي والسيد السنوسي)؟.. لا شك أن في قيام الأمير تركي بفتح باب التحقيق داخل السفارة بعد تسرب الخبر الإجابة عن مثل هذا التساؤل؟.

فإذا أضفنا إلى كل ذلك ما هو ثابت تاريخياً من أن أول عملية (عملية العمارة) لاغتيال القذافي بأبعادها التدريبية والدعائية والتنظيمية والتنفيذية قد تمت بتمويل سعودي كما سبق تفصيله، وكذا التلميع البادي لرموز المعارضة الليبية في مقابل التهجم الدائم على ليبيا وقيادتها السياسية في المنابر الإعلامية السعودية أو المُسعودة لتوصلنا حتماً إلى القناعة بأن السعودية لم تكن فقط راعياً رئيسياً لمؤتمر المعارضة الليبية، وإنما أيضاً راعياً رئيسياً لمخطط أوسع يستهدف اغتيال ليبيا.

وعلى أية حال، فقد عجز مؤتمِرو لندن عن تحقيق أي شيء من وراء مؤتمرهم المشبوه، ومع ذلك، لا زال أنفار الحرس المعارض القديم يحاولون الطيران فوق الوقائع والإلحاح على الأحداث والنقر على أبواب مَن يعتبرونهم حلفاء.. ولكن الله لا يفلح كيد الخائنين.


10 9 8 7 6 5 4 3 2 1

 

Home
Up